الأربعاء، 17 سبتمبر، 2008

الاستراتيجية (*) حرب على كافة الجبهات(1-2)

ترجمة الباحث : امير جبارالساعدي

يحاول بوش بمزيج من قوة النار والمساعدات الغذائية والدبلوماسية القضاء على بن لادن فضلا على الحفاظ على
[1]عدم تفجر العالم الاسلامي .
ستبدا الضربات الجوية كما توقعها كل شخص : فالطائرات الامريكية , التي ربما رافقتها المقاتلات الحليفة التي ستنقض من الغيوم وتسقط حمولاتها على افغانستان , الفقيرة المدانة , ستاتي هذه الطائرات بموجات واحدة تلو والاخرى تحاول اصابة اهدافها ومراوغة النيران المضادة للطائرات , غير انه لن يكون هناك اسقاط للقنابل فقط , اذ ستقوم طائرات طراز C-17 باسقاط الالاف من اكياس الغذاء المعدل وراثيا وقطع من كعك الرز المقوى بالفيتامين عليها وصور العلم الامريكي مكتوب عليها هذه: هذا الطعام هدية من الولايات المتحدة الامريكية.
الحرب التي تشن على بن لادن لا تشن بالمدافع فقط بل بالزبدة ايضا , ولفهم توقيت وهدف عمليات القصف يقول مسؤول بارز في وزارة الدفاع , انظر ظهر ورقة الدولار , النسر يقبض بمخلبه على غصن زيتون وسهام في مخلبه الايسر المساعدات الغذائية وقوة السلاح كما يقول المسؤول سيحدثان في نفس الوقت يقريبا . نريد ارسال صورتان للعالم في ان واحد.
وفي الوقت الحاضر , الكل يعلم ان القليل من الامور المتعلقة بهذه الحرب قد حدثت كما هو متوقع لها , وفي اقل من شهر , اذعنت الرغبة بالانتقام الى الدبلوماسية , وفي الاسبوع الماضي التقت الدبلوماسية مع الاحسان والقوة العسكرية وهي بمجموعها شرعت حقيقة الخطابات الني تصدر من واشنطن , فان مرد ذلك , لان هذه الخطابات تطورت بينما ولد التحالف الخارجي لبوش وخطى اولى خطواته – بعدئذ تعثرت هذه الخطوات . ويحدد فريق بوش طريقه بالصبر , فوارق لا تكاد تذكر وحرب ذات الجهتين تستخدم المساعدات الانسانية فيها لتهدئة غضب العالم الاسلامي . وبينما تستعد امريكا لتشن حربا من حوالي اثنتي عشرة مسرح في اسيا الوسطى فانها تعمل على جمع تحالفا في اربع قارات اخرى لعزل الارهابين سياسيا واقتصاديا.
ان الممارسات المستقلة متداخلة تداخلا دقيقا , اذ يطلع الموظفين لتهدئة الامريكان مجلة (Time) ان خطتهم الحالية هي ترويع بن لادن ومعاونيه لمنعهم من الاختباء , وجمع المعلومات المخابراتية قدر المستطاع عن مكامنهم : نشر قوات المغاوير (الكماندوس) داخل وحول افغانستان لضرب بن لادن بسرعة ان وجد , وتطمين القادة المسلمين باستمرار بان هدف الحرب الامريكية هي اهداف محدودة , وكما قال الرئيس في يوم السبت " لقد تم اعطاء تحذير تلم . والوقت ينفذ".
وبينما تسقط القنابل , سينظر بوش بترقب حول رد فعل المسلمين في انحاء العالم , حتى اولئك الذين استقبلوا خبر الهجوم على وزارة الدفاع ومبنى التجارة العالمية بجذل , ان عمق هذه المشاعر وعمق مشاعر المسلمين الاخرين الذين اما اصابهم الفزع او الاشمئزاز بسبب توعد امريكا بعمل عسكري , سبب مشكلة هائلة لصناع السياسة الامريكية .
ومنذ البداية ودفعت بوش الى ان يتمهل اكثر مما كان قد خطط له , وبدا ان هناك سبب بسيط لشن اي نوع من الاعمال العسكرية ضد البلد الذي يؤوي بن لادن لو تم التاكد من ان ذلك سيشق عصا بن تحالف بوش ويزيد من الاستياء الخارجي للولايات المتحدة الامريكية ويترك ابن لادن طليقا, ولهذا ادرك بوش ان عليه ان يتودد لافغانستان بينما هو يشن الحرب عليها .
وفي يوم الثلاثاء اعلن الرئيس في وزارة الخارجية انه سيبعث الى المنطقة كميات من الغذاء والدواء بقيمة (320) مليون دولار امريكي , وقال "هذه هي طريقتنا التي نقول بها انه بينما نعارض نظام طالبان بحزم وقوة , فاننا اصدقاء للشعب الافغاني ", ولقد قلنا بجلاء للعالم باننا سوف نقف بحزم الى جانب الحق ونحن نتوقع امما اخرى ان تقف جانبنا".
قلما حصل تغير مفاجئ ومثير في الاسلوب والسياسة الامريكية , فان تلك الادارة التي امنت منذ شهر او شهرين بالمضي قدما لوحدها- بعيدا عن الاتفاقيات , والمضي قدما في مشروع الدفاع الصاروخي دون الاكتراث لما يقوله الاخرون فقد شرعت ذراعيها لتعانق متع تعددية الاطراف
[2].
ان التغيير ذريعة , وبالطبع فامريكا لديها عمل لتنجزه وهي تاخذ كل عون يمكنها اخذه – بيد ان اذكى وادهى مما تصوره ناقدوا بوش مطلقا , واعتقدوا بانه على ان يتخيله.
فللازمات طريقها التي توحد الناس وتخلصهم من خلافاتهم الطفيفة , وقد اتحد فريق بوش للسياسة الخارجية بسرعة اكبر مما توقع الكثيرون من امكانية حصوله قبل ستة اسابيع مضت فالخلافات بين وزارتي الخاريجية والدفاع لا تزال تجد طريقها الى الصحف , بيد ان الانضمام في مواقع قوية قد دفعت كل شخص يعمل في السياسة الخارجية يعاود الانضمام في مواقع قوية وان يحول المجموعة الى فريق , ان الرغبة في بناء تحالف قد برزت ميل وزير الخارجية كولن باول لتحقيق حلول متعددة الجوانب والذي جعله يبدو رجل غريب بين رجال بوش , وان الحاجة اليومية لصناعة القرار قد عادت بنائب الرئيس دك جيني الى دوره المفضل , بصفته مستشارا غير مرئي للرئيس في شوؤن السياسة الخارجية , وان الحاجة لشن حربا خاسرة مع بيروقراطيه العسكرية , وهذا الامر برمته قد صب تركيزا وتوجيها جديدا على جورج دبليو بوش .
تعتبر التحالفات الموجودة في كافة بقاع العالم بدع واهية , ويتوجب على التحالف الذي يحاول بوش قيادته ان يقوم ببعض التوقفات الغير مدرجة على جدول اعماله , لان كل تعابير التضامن التي اطلقت بعد الهجمات تترسخ في المشاركات اللازمة لشن هجوم واسع النطاق تطلب من مجرد كلمات طيبة.
فتحتاج الولايات المتحدة الامريكية القواعد العمانية والاوزبكية والاستفادة من المخابرات الباكستانية والمجال الجوي للهند.
وبينما باشر نقادرالادارة الامريكية باسرائيل فانهم حذروا بان كل هذه الامور ستكون مقابل تكلفة , غير ان ادارة بوش تحسست بوجود فرصة لجولة جديدة لممارسة السياسة الواقعية
[3]التي ربما توحد كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند في الصراع ضد الارهاب .
وهي شراكة هشه على اية حال , غير انه يمكن ان تكون لها نتائج اخرى فهذا التحالف اثمر ثمرة كبيرة في الاسبوع الماضي , عندما اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تقليل معارضته لتوسع حلف الناتو .
وكما قال رامزفيلد في يوم الثلاثاء بان الحرب ضد الارهاب ستاخذ شكل الحرب الباردة اكثر من كونها حربا ساخنة من دونما شك , فلو نظرت الى الامر , فانها استغرقت 50 عاما , اقل او اكثر . فلم تشهد معارك كبيرة بل شهدت ضغطا متواصلا وشهدت تعاونا من مجموعة من الدول وشهدت رغبة العديد من شعوب العالم في استثمارها وتقديم الدعم لها, فانها نالت الاهتمام الاول من عدد من الدول التي كانت تريد ان تكون ذات مبدا وشجاعة وتخاطر بمقاديرها: عندما انتهت فانها لم تنته بضربة عنيفة , بل انتهت بانهيار داخلي ".
هكذا وبينما استمر ارسال الالة الحربية نحو افغانستان , لم يكن ذلك الامر الا نصف الصورة , فالبارجة الامريكية (U.S.S.Kawk) غادرت مياه المحيط الهادئ صوب الخليج العربي , اذ انها لم تجهز لشن عملية جوية , بل لتكون منصة للقوات البرية , وان مجموعة متكونة من ثلاث سفن برمائية في طريقها من نورفولك وفرجينيا , وان قوات مشاة خفيفة تعدادها الف جندي من الفرقة (10th Mountain) الجبلية العاشرة (Division) غادرت فورت درم في نيويورك في وقت متاخر من الاسبوع الماضي صوب اوزبكستان , اذ انها اول قوات امريكية ستتمركز في بلد من بلدان الاتحاد السوفيتي السابق.
واعرب الدبلوماسيون عن تاييدهم ايضا : اذ ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد اصبح نظيرا لبوش اهلا للثقة ومؤثرا , فانه زار اسلام اباد , وان ريشارد هاس الخبير في حل مشاكل وزارة الخارجية الامريكية اتصل هاتفيا بالملك الافغاني في منفاه بروما , وقضى رامز فيلد ثلاثة ايام في الشرق الاوسط واسيا الوسطى يحاول تثبيت الدعم السوقي النهائي اذ حصل على موافقة من عمان بالسماح لامريكا باستخدام مفتوح للقواعد الجوية العمانية (ووعد السلطان بانشاء مخبا للالة الحربية الامريكية ) , وحصل رامزفيلد بعد اسبوع من رحلة سرية لوكيل وزير الخارجية لامريك جون بولتن , على موافقة من الرئيس الاوزبكي اسلام كريموف على تمركز الف جندي في مدينة خان اباد التي تبعد (200) كيلومتر من الحدود الشمالية لافغانستان.
(وقال كريموف بانه لن تشن هجمات برية ولا جوية من ارضه , في الوقت الحالي على الاقل , وبينما كان رامزفيلد يهتم بالمدافع , كان هناك مساعدون اخرون لبوش يعملون على ارسال الزبدة.
وتبدا قصة كيف قرر بوش فتح جبهة المساعدات الانسانية , في الايام القليلة الاولى بعد الهجمات وفي اوقات السلام . حتى اسوء الرؤساء يجدون وقتا ليخططوا , غير ان في اوقات الحرب قلما يجد افضل الرؤساء وقتا ليتفاعلوا مع الحدث . فان فكرة المساعدات الغذائية جاءت كما وصفها مسؤول رسمي بانها طريقة جوهرية , مشيرا اليها اشارة غير وافية تماما . بيد ان مصادرا اخبرت مجلة (Time) ان للصفة جذورها في الهجمات الانتقامية على الامريكان العرب هنا بالتحديد في داخل الوطن في الايام التي تلت الحادي عشر من ايلول.
وساور العدبد من الناس الذين شاهدوا تفجير البينايات في نيويورك وواشنطن شعور ورغبة جامحة بالانتقام , وكان بوش من بين اولئك الناس. تحدث عن الاخذ بالثار بصورة شخصية , بمهاجمة المنفذين بقوة مميتة وبسرعة خاطفة الا ان مساعدوا الشؤون العسكرية اخبروه بانه ليس لديهم اهداف محددة بشكل جيد بهجوم خاطف افغنستان فعارض بوش بحكمة الدعوة الى شن هجوم فاشل كالذي امر به رونالد ريغن في عام 1983 عندما قصفت البارجة الامريكية U.S.S. new Jersey التلال المطلة على بيروت بعدما فجر انتحاري نفسه ليقتل (241) جنديا من قوات المارينز المتمركزة هناك.
لم يتمالك بعض الامريكان انفسهم بعد الحادي عشر من ايلول اذ ازدادت جرائم الانتقام ضد الامريكان العرب التي قتل فيها ثلاثة اشخاص فادرك بوش ان عليه ان يفعل شيئا ليوقف هذه الجرائم , ففي يوم الاثنين السابع عشر من ايلول قاد سيارته صوب المركز الاسلامي في واشنطن وهو اكبر جامع في المدينة والتقى بانفراد مع القادة المسلمين وبعدئذ انظم اليهم في كلمة مصورة جنب الى جنب معهم , اذ قال " ان اعمال العنف هذه التي ترتكب ضد الناس الابرياء لا تتماشى مع العقائد للديانة الاسلامية , وانه لمن المهم للمواطنين الامريكان ان يعوا ذلك"
كانت رسالة بوش موجهة للجبهة الداخلية , واعلنت اللجنة العربية – الامريكية للحد من التميز اعلنت انخفاض حاد في الهجمات على الامريكان العرب في الايام التي تلت خطابه , الا ان تاثيره في الخارج كان اكثر اثارة , اذ ان مارغويت توتويل التي غادرت الخليج العربي منذ اشهر قليلة لتتولى منصبها الجديد بصفتها سفيرة الولايات المتحدة لدى المغرب , واخبرت المستشارة كارين هوغر من الرباط وقالت :" استمروا" وان تاييدها لسياسة الصائبة لا يضارع ." ان الامر يحظى بتغطية كبيرة .وعندما زار الملك عبد الله ملك الاردن البيت الابيض اواخر الشهر الماضي فانه اطرا بصورة شخصية على زيارة المسجد مشيرا الى ان احداث مماثلة ستساعد الحلفاء العرب في تغطية موجة الغضب على امريكا , وفي غضون الوقت نفسه التقى بوش مع القادة المسلمين في البيت الابيض قائلا:"لقد قلت للامة اكثر من مرة بان حربنا هي ضد الشر , ضد المتطرفين]و[ تعاليم الدين السلام والخير".
[1] مجلة (Time) العدد الصادر في 15 تشرين الاول العام 2001.
[2] Multilateralism : مذهب يقضي بدخول اطراف متعددة في احلاف.
[3] السياسة الواقعية “real politick” :- سياسة على اسس عملية ومادية لا على اسس اخلاقية او نظرية.

ليست هناك تعليقات: