الخميس، 8 أكتوبر 2009

أخذ العرب على محمل الجد (1-4)

أخذ العرب على محمل الجد(1)
مارك لا ينش(
2)
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

هدف صائب وأسلوب خاطئ
يعكس تخبط منهج إدارة بوش تجاه الشرق الأوسط سوء فهم خطير لطبيعة الرأي العام العربي ومصادره، فقد حدث نوع من التحول في المنطقة على أيدي منافذ إعلامية مستقلة وعالمية.وتحتاج إدارة بوش جذب الجو العربي العام الذي برز حديثا.

يعد تعليق أسامة بن لادن، بالنسبة للصقور أعضاء الكونغرس ذوي النزعة العسكرية في السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، إن الناس تندفع وتراهن على الحصان القوي،أخذ المفاتيح الأساسية في فهم قضايا الشرق الأوسط، ويعتقد المسؤولون في إدارة بوش إن مشاكل الولايات المتحدة في المنطقة انبثقت جزئيا من ردود الأفعال الضعيفة التي تبنتها الإدارات السابقة ضد الهجمات الإرهابية في عقد الثمانينات وعقد التسعينات ووصلوا إلى السلطة مزمعين على إعادة الهيبة لسلطة الولايات المتحدة في الخارج.
وبعد ما يقارب السنتين من العمليات العسكرية العنيفة لم يتزعزع موقف الولايات المتحدة في المنطقة أبدا بينما كان وحسب الرأي العالمي الأخير فان مسالة دعم العرب والمسلمين للولايات المتحدة قد هبطت إلى أدنى مستوى لها.
وقد أثار الفشل في إيجاد أدلة مثيرة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية نقاشات واسعة في الشرق الأوسط حول الغرض الحقيقي للحرب الأخيرة والتي يراها الآن معظم المنظرين العرب محاولة أمريكية لتعزيز هيمنتها العالمية والقومية وهذا ما تستند عليه تهديداتها لإيران وسوريا حيث تدور حول هذه المخاوف مخلفة بذلك شعور عام ومتزايد للمقاومة.
وعززت الفوضى التي تلت سقوط بغداد، والغضب العراقي المتصاعد حول ما يوصف بالاحتلال الأمريكي، والمواقف الأمريكية التي تبدو متناقضة بشان الديمقراطية العراقية.. شكاً قويا يحوم حول نوايا واشنطن وبسبب السرعة التي انبثقت بها مؤخرا المواقف الرافضة للأمركة في كل المجاميع الاجتماعية في المنطقة بما فيهم العرب المتحررين والمغتربين والمثقفين ولا يمكن نسب المشكلة إلى الاختلافات الثقافية الثابتة، أو إلى السياسات الأمريكية الطويلة الأمد كما في دعمها "لإسرائيل" والقادة الفاشيين المحليين. والعرب أنفسهم يلومون بالإجماع الواضح والتقريبي حركات إدارة بوش المعنية، بغزو العراق والأسلوب الاستطرادي المنحاز لجانب واحد للعلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية.
لكن قد يكون الأهم من جوهر سياسات الإدارات الأمريكية الأسلوب الأصم والقاسي الذي تمارس به هذه السياسات، وعليه يجب أن تكون الخطوة الأولى نحو تحسين صورة الولايات المتحدة هي البدء أو الشروع بالطريقة المثلى التي عليهم تبنيها لمخاطبة العرب والمسلمين بفاعلية.
أولا وقبل كل شيء، بالنسبة لهذه الإدارة، إذا ما أردنا التهكم لا يمكن الاعتقاد إن موضوع أخذ الرأي العام العربي بجدية ضرب من المتعة والترف أو الامتياز أي أمر مسلماً به(للمطالبين بفرض المفهوم العربي) بل يتوارى في البيروقراطية.
انه موضوع حاسم لنجاح الاستراتيجية الخاصة بالإدارة التي تربط أمن الولايات المتحدة بالتحولات الديمقراطية والتحررية في المنطقة (الشرق الأوسط خاصة) وعليه فان ممارسات إدارة بوش تعمل ضد أهداف الإدارة المحددة لها. وذلك لأنها تعتمد كثيراً وما زالت على الافتراضات المضللة حول العالم العربي.
وأحد هذه الافتراضات إن العرب يحترمون القوة ويزدرون محاولات العقل كعلامة ضعف وبهذا يكون الطريق إلى إثارتهم هو ترويعهم لكي يخضعوا. والافتراض الأخر إن الرأي العام للعرب لا يهم فعلا لأنه بإمكان الدول الفاشية المسيطرة أن تسيطر أو تتجاهل أي نمط عربي، وافتراض أخر هو أن إهمال أي غضب تجاه الولايات المتحدة لأنه ناشئ من الثقافة العربية أو الإسلامية ويمثل حسد الضعفاء أو الفاشلين للأقوياء أو انه وببساطة ناشئ من القادة المغمورين لكي يبعدوا الانتباه عن نواقصهم.وأخيرا المفهوم العام المتزايد إن المعارضة للولايات المتحدة ناشئة من الفهم الخاطئ لسياسة الولايات المتحدة وعموماً فالأمر برمته هو إن هذه المفاهيم أنتجت منهجا يربط التدخل العسكري القوي مع إهمال المعارضة لهذا التدخل المنبثق من المحاولات المناصرة لإظهار رسالة أمريكا للعالم (من خلال المبادرات ذات النوايا الطيبة المؤثرة في ذات الوقت في إشراكها الدبلوماسية العامة، الإعلان وتعزيز المحطات الإذاعية التي تبث الموسيقى ذات النمط العام التي تبثها الإذاعات العامة) ولا عجب إن النتيجة هي إبعاد أولئك الذين يدعمون الولايات المتحدة واحتياجاتها بعيدا عن النجاح.
ولان الإدارة محقة بشان الركود السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يوجع الكثيرين من العالم العربي فالطريق للخروج من المأزق لا يجب أن يكون بالعودة إلى المناهج التقليدية(الواقعية) في ملاحقة اهتمامات أمريكا بالأمن من خلال التحالف الاستراتيجي مع الأنظمة المحلية المسيطرة أو يكون بتغير سياسة أمريكا تجاه "إسرائيل" أو الفلسطينيين الدواء العام مثل رد الفعل الفاتر الذي أظهرته إدارة بوش في المنطقة لتقرير خريطة الطريق لسلام الشرق الأوسط(بالرغم من إن المناهج العادلة لتنفيذ خريطة الطريق ستعطي المشروع الكثير من المصداقية) وبدلا عن ذلك يجب أن تستمر الإدارة في تركيزها على خوض حرب الآراء ولكن تغير استراتيجيتها.
وتحتاج الولايات المتحدة انتهاج دبلوماسية عامة في المنطقة بطريقة جديدة وأساسية وذلك بفتح حوار مباشر مع العالم العربي والإسلامي من خلال إعلامها المتواجد أصلا والمتزايد وقد يؤدي حوار كهذا إلى المضي قدما نحو تهدئة الغضب بطريقة عميقة وهادئة تجاه الاقتناع بغطرسة أمريكا ونفاقها وبإمكانه أيضا مخاطبة الشكوك المزعجة تجاه نوايا واشنطن والتي شوهت المواقف نحو كل ما تفعله الولايات المتحدة فعليا.
وقد يساعد أيضا في تعزيز أنواع الحرية العربية التي تدعي إدارة بوش أنها تسعى إليها.

الرأي العام العربي وعالمه الجديد
إن الرأي العام العربي ظاهرة معقدة أكثر مما تقترحه المفاهيم التقليدية للنخبة المتشائمة والشارع العربي الوطني المتحمس، فالشارع أو جموع العامة حقيقة واقعة. وتؤثر أراءه التي يعبر عنها أو يتوقعها فعلا في السياسات التي تنتهجها الحكومة. والذي يهم الآن حقا أكثر من الشارع وأحيانا أكثر من الحكام هو اتفاق النخبة وأراء الطبقة المتوسطة من العامة حول العالم العربي.
وبينما يمهد الجانب الواضح والجازم والجدلي والميال إلى القتال لهذا المحيط الجديد للعرب، وبتزايد ملحوظ، الطريق للشارع العربي وما شابهه من المؤسسات.يجري ها هنا حاليا صراع حول الإصلاح والعلاقات الداخلية مع الولايات المتحدة وينبغي هنا الفوز.قد حجب الإعلام العربي، إعلام الأغاني والتسجيلات ذات الشأن الضئيل، ظهور هذه المناظرة العامة الجديدة فخلال عقد الخمسينات أثارت برامج إذاعة الثورة المصرية المستمعين العرب وقلبت الصورة السياسية، لكن عززت الأغاني(المونولوجات) الوطنية التي قدموها، ولو قليلا، الخطب العقلانية في المنطقة. حيث ركنت وسائل الإعلام العربي، وبعد ما أطاح فوز "إسرائيل" العسكري المدمر سنة1967 بمصداقية الإذاعة المصرية بالإضافة إلى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر الذي تلى تلك الهزيمة بفترة قليلة، إلى عرض كئيب للقاءات الرؤساء وأخبار المسؤولين. بينما خضعت الصحافة والإذاعة ووسائل الإعلام الوطنية في الدول العربية تحت سلطة الدولة التي وضعت خطوطا حمراء واضحة للخطب التي تقبلها الحكومة. ومالت الفعاليات الصحافية المتوفرة إلى الشؤون المحلية، كما بدأت في الأردن واليمن خلال النصف الأول من عقد التسعينات، تسيطر عليها القضايا المحلية ذاتها، والتي سرعان ما روضت من قبل الأنظمة الحاكمة الصعبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ترجمت من مجلة الشؤون الخارجية(Foreign affairs) في العدد الصادر في شهر أيلول- تشرين الأول تحت عنوان
(Taking Arabs Seriously).
2- أستاذ مساعد في العلوم السياسية في كلية وليامز ومؤلف كتاب مصالح الدولة والأجواء العامة والسياسة الدولية لهوية الأردن.
* نشرت في مركز الدراسات الدولية - جامعة بغداد في محطات إستراتيجية العدد 121 .

ليست هناك تعليقات: