الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

من سوهارتو الى العراق...لم يتغير شيء*

كتبها: جون بيلجر
ترجمة البحث: أمير جبار الساعدي
كتب الدوس هيكسلي في "الغرض الدعائي" ما نصه "من أجل جعل مجموعة من الناس ينسون بأن مجموعة أخرى من الناس هم من البشر". فأن البريطانيين الذين اخترعوا القسم الدعائي للحرب الحديثة والذين ألهموا جوزيف غوبلتي، كانوا متخصصين في هذا المجال، في قمة المجزرة المعروفة بـ "الحرب العالمية الأولى". إن رئيس الوزراء، ديفيد لويد جورج، صرح الى سي بي سكوت، وهو محرر في صحيفة الغاردين مانشستر قائلا: "عندما يعرف الناس فعلاً (الحقيقة)، فأن الحرب ستنتهي في الغد. ولكن بالطبع أنهم لا يعرفون، ولا يستطيعون أن يعرفوا".

فما الذي تغير؟
قالت النيويورك تايمز في 24 اب "لو كنا جميعاً عرفنا إذا ما لذي نعرفه الآن"، "فان غزو العراق لكان توقف بالاحتجاج الشعبي العنيف". في الحقيقة، أن الصحف ذات النفوذ وكذلك منظمات البث الإذاعي المتنفذة، كانت تقول بأنه دخول، فقد ضللت قرائها ومشاهديها والمستمعين من خلال عدم السعي وراء الحقيقة - من خلال تضخيم العلاقات بين بوش وبلير بدلاً من التحدي وكشفهم على الملاْ. لكن العواقب المباشرة لتلك الأكاذيب هي غزو إجرامي يدعى "اصدم وروع" وإسقاط الإنسانية عن أمة بكاملها.
ذلك يبقى بشكل كبير عار لا يتحدث عنه في بريطانيا، وخصوصاً في الـ(BBC) والتي تستمر في تباهيها في بثها بشكل حازم وموضوعي، بينما تقوم بالتهليل لحكومة فاسدة وكاذبة، كما فعلت قبل غزو العراق. ودليلاً على ذلك، توجد هنالك دراستان أكاديميتان- مع ذلك معاهدة الصحافةِ المُذاعةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ واضحةَ إلى أيّ مشاهد متبصر، ليلة بعد ليلة، كما هو "متضمن" في التقارير، التي تبرر للقاتل الهجمات الدامية على المدن العراقية والقرى كما يسمونه "استئصال التمرد" وصمّمتْ الجرعاتِ الدعائيةَ للجيشِ البريطاني لصَرْف انتباهه عن الكارثة التي هو فيها ، بينما تهيئنا لاحتمال القيام بهجمات على إيران و سوريا. أدت الـ(BBC) عملها، وكما تفعل النيويورك تايمز وأغلب وسائل الإعلام الأمريكية، وان ألآلاف من الناس الأبرياء بالتأكيد لكانوا أحياء هذا اليوم.
متى سيكف الصحفيون الكبار بأن يكونوا مدراء مؤسسات ويقومون بالتحليل الحقيقي ويواجهون الجزء الحيوي الذي يلعبونه في عنف الحكومات العدائية؟
تقدمُ الذكرى السنوية لسوهارتو فرصةً لنا. فقبل أربعين سنة خلت من هذا الشهر قام اللواء سوهارتو باغتصاب السلطة في اندونيسيا، من خلال إطْلاق عنان موجة من حالاتِ القتل التي وصفتها وكالة المخابرات المركزيةِ(CIA) بأنها "أسوأ قتل جماعي حدث في النصف الثاني من القرنِ العشرونِ". مع إن الجزء الكبير من تلك الحقبة لم يتم ذكره وبقى في طي الكتمان.
فلم يذكر أي تقرير عالج موضوع الهجمات الإرهابية الأخيرة التي لحقت بالسياح في بالي حقيقة أن قرب الفنادق الرئيسية قبعت مقابر جماعية ضمت ما يقدر بـ(80000) شخص قتلتهم المجاميع التي كان يديرها سوهارتو والتي كانت مدعومة من قبل الحكومتين البريطانية والأمريكية.
في الحقيقة، أن تعاون الحكومات الغربية، مضافاً له دور العمل الغربي، خلف نموذجاً للعنف الانكليزي- الأمريكي في العالم بأسره. وخير مثال على ذلك ما حدث في شيلي في عام 1973، عندما دعمت واشنطن ولندن انقلاب اوغستو بينوشيت الدموي، وكذلك تسليح شاه إيران وبناء شرطته السرية. وكذلك الدعم الباذخ والكبير لصدام حسين في العراق، شاملاً بذلك الحملة الدعائية السوداء التي قام بها مكتب وزارة الخارجية والذي أراد بها إسقاط المصداقية عن التقارير الصحفية التي تذكر أنه استخدم غاز الأعصاب ضد قرية حلبجة الكردية.
قامت السفارة الأميركية في اندونيسيا عام 1965، بتزويد الجنرال سوهارتو بقرابة (5000)أسم. وكان أصحاب تلك الأسماء يتم اغتيالهم، وكان الدبلوماسي الأمريكي الرفيع المستوى يشطب الأسماء التي يقتل أصحابها أو التي القي القبض عليهم. والذين اغلبهم كانوا أعضاء في الـ(PKI) الحزب الشيوعي الاندونيسي.
وعندما قام الجيش الأمريكي بتزويد المعدات لجيش سوهارتو، قامت واشنطن بشكل سري بنقل معدات الاتصالات عالية المستوى جوا. والتي كانت ذات الترددات العالية المعروفة لدى الـ(CIA) ومجلس الأمن القومي الاستشاري للرئيس( ليندون بي جونسن). وتلك المعدات لم تسمح لجنرالات سوهارتو بتنسيق المذابح فحسب، ولكنها أيضا كانت تعني أن المستويات العليا في الإدارة الأمريكية كانت تتنصت على تلك المذابح. لقد عمل الأمريكيون جنب الى جنب مع البريطانيون، فالسفير البريطاني في جاكرتا، السّير أندرو جيلكريست، أبرقَ الى وزارةَ الخارجية قائلا: "لم اخفي أبداً عنكم اعتقادي أن إطلاق نار محدود في اندونيسيا من الممكن أن يكون مقدمة ضرورية الى التغيير الفعال"
أن "إطلاق النار الخفيف هذا "قد أودى بحياة ما يقارب نصف مليون الى مليون شخص. لكن، ذلك كان في مجال الحملة الإعلامية الدعائية، "إدارة" أجهزةِ الإعلام وأستأصلُ ضحايا ذكرى تلك الإحداث من ذاكرة الناس في الغرب، وهذا ما قامت به بريطانيا.
خطط ضباط المخابرات البريطانية كيفية تطويع الصحافة البريطانية والـ(BBC)." سوف تكون المعالجة ماكرة وذكية" ومثالا على ذلك كتبوا ذلك ، أن جميع الأنشطة يجب أن لا تشير حتماً لمشاركة الحكومة البريطانية أو للتعاون ويجب أن تكون تلك الأنشطة في طي الكتمان بعناية.ومن اجل انجاز ذلك، قام مكتب وزارة الخارجية بفتح فرع لقسم البحوث المعلوماتية في سنغافورة.
أن قسم البحوث المعلوماتية هذا كان سري للغاية، وكان يندمج ضمن قسم الحملة الإعلامية في الحرب الباردة، والذي يرأسه نورمان ريدوي، احد أكبر الكاذبين من ذوي الخبرة لدى حكومة سعادة الملكة المعظمة. قام رادوي وزملائه بالتلاعب بالصحافة والـ (BBC) الـ"مسيطرعليها" بشكل محترف جديا لدرجة انه قام بإرسال رسالة سرية الى جيلكريست يعلن فيها القصة المفبركة التي روج لها والتي تقول أن انقلاب شيوعي كان وشك الحصول في اندونيسيا- "قد انتشر الخبر في أرجاء العالم وعاد الى هنا مرة ثانية. لقد وصف كيف أن صحفي في جريدة السنداي من ذوي الخبرة وافق على" إعطاء وجهة نظرك بالضبط على الأحداث في مقالته... مثلاً، بأنه كان هناك انقلاب أنيق من دون مجزرة". تفاخر رادوي بأكاذيبه قائلاً، يُمكِنُ أَن "يَعود إلى اندونيسيا مرةً أخرى فوراً عن طريق البي بي سي".
ولأنهم منعوا رولان كاليس، مراسل البي بي سي في جنوب شرق آسيا، من دخول اندونيسيا، فأنه لم يكن على علم بالمذبحة. لقد أكدت مصادري البريطانية بأنها لا تعلم ما الذي يحدث"، ولكن جالز اخبرني ، "بأنهم عرفوا فحوى الخطة الأمريكية. لقد كان هناك غسل جثث في أحراش القنصلية البريطانية في سور ابايا، فقد قامت سفن حربية بمرافقة سفينة تكتظ بالفرق الاندونيسية الى ممرات ملاكا وذلك من اجل المشاركة في تلك المذبحة الرهيبة. عرفنا منذ فترة قريبة فقط إن السفارة الامريكية كانت تقدم أسماء وتشطبها بعد أن يتم قتلها. كان هناك اتفاقية، من اجل تثبيت نظام سوهارتو، فقد تورط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ذلك. فمن المفترض إن سوهارتو سيعيدهم. تلك كانت الاتفاقية".
ً قامت الـ بي بي سي بتجاهل حمام الدم بشكل كامل تقريباً وكذا بقية وسائل الإعلام الغربية. وكانت الصحف تتصدرها المانشيتات الكبيرة وهي تقول أن "الشيوعية" قد أسقطت في اندونيسيا، وبهذا قدم تايم تقريراً يقول فيه " أنها بشائر الغرب في آسيا" .
في شهر كانون الثاني من عام 1967، في مؤتمر في جنيف تحت رعاية البليونير المستثمر ديفيد روكفيلر، تم تسليم الجائزة. تم تمثيل جميع الشركات الكبرى، من جنرال موتورز، ومصرف جاس مانهاتن، و فولاذ الولايات المتحدة، الى أي سي أي و التبغ البريطاني الأمريكي. وبمشاركة سوهارتو، تم تحسين الثروات الطبيعية للبلاد. كانت حصة سوهارتو كبيرة. عندما تم تنحيته أخيرا في عام 1988، تم تقدير ممتلكاته بـ 10 مليار دولار من العملة الصعبة، أو ما يعادل أكثر من 10 بالمائة من ديون اندونيسيا الخارجية.
عندما زرت جاكرتا في المرة الأخيرة، سرت الى أخر شارعه المترف ونظرت الى قصره حيث يعيش الان مرتكب المجازر الوحشية برخاء.
وكما يمثل صدام حسين في محكمته الاستعراضية في الـ 19 من تشرين الأول 2005، عليه أن يسأل نفسه أين ارتكب الخطأ. ومقارنةً بجرائم سوهارتو، يبدو صدام في المرتبة الثانية. وبمساعدة ما زودته بريطانية من نفاثات الهوك والأسلحة الرشاشة، اندفع جيش سوهارتو من اجل أن يسحق ويقضي على ربع سكان تيمور الشرقية: 200000 نسمة. وهو الآن يستخدم نفس الطائرات النفاثة الهوك ونفس الأسلحة الرشاشة، أنه نفس الجيشِ الإبادة الجماعية يُحاولُ سَحْق الحياةِ الآن في حركةِ المقاومة في بابوا الغربية وحماية شركة فريبورت، والتي تقوم بتعدين جبل من النحاس في المقاطعة.(وهنري كيسنجر هو "المدير الفخري لهذه الشركة".). وقد قُتِلَ حوالي 100,000 بابويين وهم يشكلون 18% مِن السكان، رغم ذلك هذا "المشروعِ" بريطانيِ الدّعمِ، وكما يحب أن يقول الجدد في حزب العمال، بأنه تقريباً لم يخبر عَنُه أَبداً. الذي حَدثَ في اندونيسيا، ويواصل الحدوث، صورة مطابقة مِن الهجومِ على العراق تقريباً. كلا البلدين لهُ ثروات مطَلوبة من قبل الغرب وطامعٌ بها؛ كلاهما كان يحكمه دكتاتور نصب بمساعدة الغرب لتسهيل مرور مصادرهم؛ وفي كلا البلدين، أعمال إنجليزية -أمريكية مُلطخة بالدمّ قد أُخفيت بالدعاية التي زوّدها الصحفيين عن طيب خاطر ما تحتاجه من الدعاية والذين استعدوا لاستخلاص ما يلزم من الفروق بين نظام صدام ("البشع") وسوهارتو ("المعتدل" و"المتزن").
منذ احتلال العراق، تكلّمت مع عدد من الصحفيين المبدئيين والذين يعملون في أجهزة إعلام موالية للحرب، بضمن ذلك البي بي سي، التي تقول بأنّهم والعديد من الآخرين "يظلّ صاحيا في الليل" ويريد التحدث ويستأنف أن يكونوا صحفيين حقيقيين. أقترح بأن الوقت قد حان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت في15تشرين الاول 2005 تحت عنوان ( Suharto to Iraq Nothing has changed) في( Foreign Policy)

ليست هناك تعليقات: