الجمعة، 23 يوليو، 2010

"شر الناس السياسيين إذا تفيقهوا"

أمير جبار الساعدي

شاهدت
برنامج حواري من على شاشة قناة الحرة عراق يوم الأربعاء المصادف 21تموز 2010، وكان الضيوف يمثلون ائتلاف العراقية ودولة القانون والائتلاف الوطني وأحد أساتذة العلوم السياسية من جامعة بغداد، لا تهمنا الأسماء قدر ما يهمنا الأفكار والرؤى التي تطرح من على شاشة الفضائيات، والتي يشاهدها الكثير من العراقيين والذين يتأثرون بقدرٍ ما، بما يسمعون، وما أردت الأشارة اليه هو عملية تبرير خرق الدستور المستمرة من قبل السياسيين العراقيين والكتل والائتلافات التي يمثلونها وبنحو يشير الى التباس فهم موضوع الاستثناء كونه ديني أو دنيوي سياسي، وثانيا مدى تعلق هذا الاستثناء أو ذاك بما يقومون به من خرق لمواد الدستور، وهل هناك وضوح بالرؤية لموضوع المرونة التي يمكن أن يمنحها دستور جامد مثل الدستور العراقي؟.

وخلال طرح عضو القائمة العراقية على ما يجري من خرق للدستور رد بشكل عفوي بأن ما يجري في حال العملية الساسية في العراق، هناك ما هو أكثر منه مشابها لما يحصل في الدين الأسلامي فمن يأخذ الدين يأخذه من القرآن، وهو منزه عن الخطأ، فعلى سبيل المثال في حالة الصيام يضع القرآن شروطا للصيام، يستثني منها بعض الحالات، وتبعه سياسي أخر من دولة القانون بالقول بأن هناك قاعدة فقهية تقول بأن "الضرورات تبيح المحظورات"، كيف يمكن للمتصدر للعملية السياسية أن يجيز لأخطائه الدستورية وتشويهه لمفهوم الديمقراطية بالأستناد الى مفهموم فقهي يبرر به أستثنائه وخرقه للدستور على أنه عمل صالح يراد به وجه الله، وتنحية الظلم عن المواطن العراقي وليس العكس، وهو ما يحصل الآن على عموم الشعب العراقي نتيجة تأخير تشكيل الحكومة. فعلى من يبسط الأمور ويرغب بأن يقنع أو يفهم الشارع العراقي بأن ما يقومون به نتيجة ظرف الضرورة التي ستبيح لهم خرق القانون المقدس "الدستور" وهو واحد من أهم المكتسبات التي ناضلوا من أجلها وفعلوا ما بوسعهم لوضعه بالشكل الذي يلائم "حاجات العراق" مع كل الملاحظات التي وضعت عليه، والذي يُسير العمل السياسي ويحفظ حقوق الشعب ومكوناته وهو ما صوت له الشعب، ونسى سياسينا بأن البحث عن سبب استباحة المحظور والذي أجازه دستور الأسلام "القرآن الكريم" يختلف عن سبب إجازة التجاوز على مواد الدستور والتوقيتات التي وضعها المشرع العراقي، في الظرف الأول هناك حاجة ملحة تتوقف عليها سلامة المرء أو أبعاد الخطر عنه، وهكذا فهي تبحث عن مصلحة الشخص بالأساس إذا ما تعرضت للخطر تحت أي ظرف فيمكن عندها أن تكون الضرورة هي الأستثناء، على عكس ما يحصل في ضرورات سياسينا التي ملئها مصالح كتلهم وأحزابهم، والبحث عن المغانم أكثر من التنازلات، نتيجة اختلافهم وعدم وجود الثقة الكاملة بين تلك الأطراف وتفردها بالقرار بعيدا عن مطاليب وحاجات ومظالم الشعب، هي التي زرعت بذور استباحة المحظور وأعتباره ضرورة ملحة لما يؤسس له من أعمال بعيدة عن الدستورية والقانونية التي يراد لها أن تُبنى في هذا البلد، وهذا ما يمكن أن يفهم من الحديث الشريف عندما سئل الرسول محمد(ص) "أيّ الناس شرّ؟ قال: العلماء إذا فسدوا". فهم لديهم الحجة والوسيلة التي يمكن أن يلبسوا الحق بالباطل ويلبسوا الباطل بالحق.

وعودا على ذي بدء، فإن الدستور يمثل الوثيقة القانونية العليا واجبة الاحترام من السلطات الأساسية الثلاث في الدولة، وإن مبدأ سمو الدستور على القواعد القانونية الأخرى هو القاعدة الأساس في العمل، وعلى العموم فأن كل اشكال الدساتير السابقة كان يؤخذ عليها بأنها مؤقتة ويمكن خرقها حسب رغبات وحاجات النظام الحاكم والسلطة التنفيذية، وهذا ما أُريد أن ُيبعد عن ساحة العراق بأيجاد دستور دائم جامد وغير مرن لمنع التلاعب بالدستور وتعديله كيفيا خاصة في هذه المرحلة الحرجة وغير المستقرة، حيث يلجأ السياسيين إلى التحايل على المعاني الواردة في مواد الدستور لإرضاء الجميع، وهذا ولله الحمد ما دأب عليه ماسكي زمام السلطة والمتصدرين لعالم السياسة اليوم في العراق، فهم لا يميلون الى الألتزام بما خطته أيديهم، حفاظا على مرونة توجهاتهم ورؤاهم بعيدا عن أراء وأفكار ناخبيهم الذين صوتوا للدستور ليُقوّموا أعمالهم على أساسه، وصوتوا مرة أخرى ليتقيد من فاز بالانتخابات بما منحوهم من حقوق ليعملوا على تحقيق طموحات هذا الشعب المعلق بخيط الأمل ورؤية الضوء في نهاية النفق المظلم الذي يسيرون به.

ليست هناك تعليقات: