السبت، 20 سبتمبر، 2008

التحالف المضاد للإرهاب يزل صوب صراع الحضارات(1-2)*

بقلم: موريل ميراك - ويسبتش
ترجمة الباحث :أمير جبار الساعدي

منذ شن الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان ومنافذ الصحافة أخذت تحتفل بانبثاق التحالف الحديث الولادة، هذا التحالف الذي يضم بلدانا كانت في السابق خصوما أثناء الحرب الباردة ،بالتحديد، التعاون بين روسيا وجمهوريات أسيا الوسطى التي تشمل أوزبكستان وتركمنستان وقيرغستان وطاجيكستان وكازاخستان، بالإضافة إلى جارتهم باكستان بأنه تعاونا تاريخيا. وقد نظر إلى الحقيقة التي تقول بان الجمهورية الإسلامية في إيران لم تعارض العمليات ضد طالبان جملة وتفصيلا (ونظر إليها بشكل غير متفهم) كإشارة على إن طهران ستلحق بالركب. وإذا نظرنا للأمر بمعزل عن الحملة الإعلامية فستتضح لنا بان الواقع أكثر تعقيدا. وتمتلك كل دولة لها حدود مشتركة مع أفغانستان أسباب قوية تدفعها إلى أن تتمنى زوال نظام طالبان الخارج عن القانون من الخارطة بأسرع وقت وأنظف سبيل ممكنين ، وكل ما يمثله بدأً من التعصب اللاعقلاني[1] والى تهريب الأسلحة والاتجار بالمخدرات. لقد سبق وان صارت أفغانستان الدُملّة التي تؤلم أسيا الوسطى منذ زمن حملة المجاهدين ضد السوفييت التي تزعمها زبيجينو بريزنسكي مستشار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي . وأصبح البلد المقر العام والمعسكر التدريبي ومركز الدعم اللوجسيتي ليس لتهريب المخدرات والأسلحة فحسب، بل لقوى العصيان "الإسلامي" المسلح التي بذلك كله سعت إلى زعزعة استقرار الحكومات، والدول القومية[2] بالمنطقة كلها وذلك كله بعد أن سادت الغلبة لقوات طالبان التي كانت تحظى بدعم باكستاني وأمريكي في عقد التسعينات وبلغت هذه السيادة ذروتها في استيلاء الحركة على العاصمة كابول في عام 1996. وفي الحقيقة، تعمل جماعات مشتركة في هذه البلدان منذ عدة سنوات لإيقاف التدفق غير القانوني للأسلحة والمخدرات ولحماية حدودهم من المتمردين المرتبطين بحركة طالبان، ومن هذه الجماعات جماعتان أحداهما من رابطة دول شنغهاي الخمسة (التي اتسعت في الوقت الحالي لتكون منظمة شنغهاي للتعاون) والأخرى منبثقة عن "مبادرة دوشنبيه". وعلى المستوى الدبلوماسي الصرف، كانت هنالك آلية تعرف بالية (6+2) ، وهو تجمع يحظى برعاية الأمم المتحدة إذ ضم هذا التجمع كل من روسيا والولايات المتحدة جنبا إلى جنب مع أفغانستان والدول المجاورة لها وهي كل من باكستان وأوزبكستان وتركمنستان وطاجكستان وإيران والصين ولم تحقق هذه المبادرة أي تقدم طيلة السنوات الماضية وذلك بسبب الدور ألتعويقي الذي اضطلعت به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان . أما الآن ، فلقد بدأت حملة عسكرية كبيرة لاجتثاث شبكات بن لادن الإرهابية والقضاء على نظام طالبان المقيت ، وذلك لان الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت الحرب على الإرهاب يشاركها في هذه الحملة توني بلير رئيس وزراء بريطانيا ولان باكستان قد وجدت نفسها مجبرة على الاشتراك في هذه الحرب.

ومثلما كان لندن لاروش أول من حذر بأحداث الحادي عشر من أيلول من أن أي عمل عسكري من هذا القبيل يتخذ في أفغانستان ربما يوِّلد حالة من شانها زعزعة المنطقة برمتها ، ويقول بان هذا هو مراد أولئك الذين دبروا هجمات الحادي عشر من أيلول2001 : وهو إشعال القارة الاورو-آسيوية بنار صراع الحضارات.

الكارثة الأفغانية
دمرت أفغانستان بفعل عقود من الحرب بدأ من الصراع الأفغاني-السوفيتي طوال عقد الثمانينات وما تبعه من الحرب القبلية الطاحنة التي تلت الانسحاب السوفيتي حتى عقد التسعينات حين فرضت حركة طالبان نفوذها على 90% من مساحة البلد. وزادت حركة طالبان الطين بلة في تدمير اقتصاد البلد وذلك عن طريق تحويله إلى مزرعة شاسعة تنتج 80% من الأفيون والهيروين وهي بذلك تغمر القارة الاورو- آسيوية ، وتعيش أفغانستان عزلة دولية تامة إذ لم تعترف بها آنذاك سوى ثلاث حكومات حتى الآن وهي السعودية والأمارات العربية المتحدة وباكستان ، ولم يتم نمو أي استثمار أو ممارسة نشاط تجاري فيها أو تطوير بنيتها التحتية.
لقد هجرت جماعات كبيرة من سكان المدن حيث انتهى بهم الحال في مخيمات اللاجئين وذلك هربا من جنون قادة طالبان ، معتمدين على منظمات الغوث الدولية وما تقدمه لهؤلاء اللاجئين لا يتجاوز إبقائهم على قيد الحياة وقد نزح الآخرون إلى البلدان المجاورة، إذ لجأ 2.5 مليون شخص إلى إيران و 4 ملايين إلى باكستان حيث يقيمون أيضا في مخيمات للاجئين بإشراف وكالات الغوث الدولية. وقد ذكر صندوق الطفولة التابع للأمم المتحدة (اليونيسيف) لصحيفة (تاغشبيغل) المانية في عددها الصادر في 5 /10 بان أفغانستان كانت تعيش كارثة قبل أحداث 11 أيلول2001 أصلا. إذ أن حياة 5 أو 6 ملايين نسمة من اصل 25 مليون كانت مهددة بالموت مسبقا ولا يملك ما نسبته مليون شخص مأوى البتة. ويقول المبعوث الخاص للأمم المتحدة نيجل فيشر "سيتعذر الوصول إلى العديد من المناطق تماما، ابتداءً من منتصف شهر تشرين الثاني فصاعدا، ثم سيتغير كل شيء وسيموت العديد من الناس جوعا أو من شدة البرد". ورسم فيشر الكندي الأصل ، صورة قاتمة بقوله "تصور شتاءا كنديا تبلغ درجة حرارته 20 تحت الصفر لكن من غير أحذية ولا ألبسة دافئة ولا منازل دافئة ولا حتى بطانيات هذا بالإضافة إلى انه ليس هناك ما تقتات عليه، سيكون ذلك مرعبا".
وذكرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها إن (2-3) ملايين شخص في الشمال وشمال شرق البلاد بالتحديد أي ما تصل نسبتهم بين (30%) أو(40%) من عدد السكان قد سبق وان هجروا بسبب الجفاف الذي ترك البحيرات والأنهار جافة. ويذكر إن الحالة الاسوء هي في إقليم فارياب حيث يهدد الموت جوعا 700 ألف شخص من مجموع السكان البالغ عددهم مليون شخص. وسحبت كل منظمات الإغاثة العاملة في أفغانستان موظفيها في الثاني عشر من شهر أيلول بعد أن أخذت طبول الحرب تقرع، ودل ذلك على إن حتى أولئك الذين يقطنون في مخيمات اللاجئين لا سبيل بعد لإطعامهم . وخمنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة انه ستزداد نسبة طالبي اللجوء إلى مليون ونصف لاجئ للبلدان المجاورة خلال الأيام والأسابيع القادمة.

وأعلنت باكستان وإيران اللتان تأويان أعداد كبيرة من اللاجئين أغلبيتهم من الأفغان بانهما غير قادرتان على احتواء موجات تدفق إضافية ، ليس بسبب خوف هذان البلدان من احتمال تسلل مقاتلين من قوات طالبان ، بل لان الأعداد الموجودة لديهم أصلا هي اكبر من قدرتهما على إيواء أعداد كبيرة من اللاجئين الجدد ولقد حاولت إيران إقامة مخيمات في الجزء الأفغاني من الحدود بين إيران وأفغانستان ولكن كما يشكو المسئولون الإيرانيون فان عناصر طالبان افشلوا هذا المسعى.

وعندما بدأت عمليات القصف، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت نفسه إنها تلقي مواد غذائية وصناديق تحتوي على مواد إغاثة على أفغانستان . وكانت منظمات الإغاثة الإنسانية من بين كل المنظمات الأخرى سريعة في الإشارة إلى أن هذا العمل مهزلة وحشية ليس لان إلقاء المواد الغذائية تم على ارض مزروعة بالألغام (إذ يوجد 10-15 مليون لغم في أفغانستان) وليس لأنه من المستحيل معرفة من سيأخذها بل لان كميات مواد الإغاثة المتوقع إسقاطها هي كميات تثير الشفقة حتى لو ألقت الولايات المتحدة 2 مليون صندوق من المواد الغذائية التي خططت لإلقاءها ، دفعة واحدة، فإنها لن تشبع من جوع الشعب الأفغاني سوى الثلث وليوم واحد فقط.
وهكذا، وحتى لو لم تعتزم عناصر طالبان على تأجيج حالات تمرد في البلدان المجاورة مستغلين بذلك ودائعهم في هذه البلدان، فان الحقيقة الواضحة هي إبعاد حالات تدفق اللاجئين وحالات الموت الجماعي جوعا وحالة الخوف من الموت، ستكون كافية لزعزعة المنطقة بأسرها.

باكستان على شفا حفرة
تعد باكستان أول بلد زعزعتها الحرب التي تدور رحاها في أفغانستان، فلقد هزت الاحتجاجات الشعبية أركان كبريات المدن وبالأخص مدينة كويتا والعاصمة إسلام آباد عندما أعرب الآلاف من الباكستانيين واللاجئون الأفغان عن تضامنهم مع حركة طالبان. حيث اضطرت الحكومة الباكستانية لاستنفار قواتها المسلحة والشرطة ضد لحشود المتظاهرة واعتقلت بعضا من القادة الدينيين في محاولة لفرض سيطرتها. وان استمرت الحرب على أفغانستان فهناك خطر حقيقي من إن أولئك الذين ينحدرون من العرق البشتوني في باكستان والذين يمثلون قوة كبيرة من إن يتقلدون أسلحتهم ويدعون إلى إنشاء دولة بشتونية مع طالبان (بشتونستان) بالإضافة إلى الدعم الذي تحظى به حكومة طالبان من لدن أطراف واسعة من السكان (وليس من لدن البشتونيين فحسب) فهناك نسبة لا يستهان بها من الجيش الباكستاني ومؤسسة المخابرات الباكستانية من يدعم طالبان إذ يعتقد إن هذه الأطراف هي التي جاءت بطالبان إلى حيز الوجود. ولهذا أعلن الرئيس برويز مشرف في 9 تشرين الأول عن إحداث تغييرات كبيرة في صفوف الجيش وأجهزة المخابرات مخافة أن تهز هذه الأطراف القارب الباكستاني.

فمن غير الممكن لأي قدر من عمليات التطهير أن تجلب الاستقرار إلى وضع تأصلت فيه صفة عدم الاستقرار وتتوافر كل الأسباب التي تدفعنا لتوقع القيام بمحاولات الإطاحة بمشرف . وما إن بدأت عمليات القصف على أفغانستان حتى عقد برويز مشرف مؤتمرا صحفيا معربا فيه عن غضبه إذ قال " من المؤكد أنني اعتقد بان العملية لم تنته بعد، فإنها مستمرة وكل أملي أن تكون قصيرة". وعندما وجه إليه سؤالا حول كيفية تطابق قوله مع ما صرحه به الرئيس الأمريكي بوش عن حرب طويلة الأمد، أجاب بقوله "ضمن هذا الإطار ، فالهدف هو أسامة بن لادن ... فإذا كان استمكان الهدف صحيحا وتم تحقيق أهداف العمليات ضد هذه الأهداف فيمكن أن تنتهي في يوم أو يومين!".

وأعرب الجنرال مشرف إعرابا جليا عن قلقه الحقيقي ، ألا وهو إذا تعرضت قوات طالبان للهزيمة فربما يجني تحالف الشمال الذي تدعمه روسيا وإيران عندئذ ثمار ذلك. وقال للصحافة بأنه اخبر كلاً من بلير وبوش بأنه "يجب ألا يسمح لتحالف الشمال بالاستفادة من هذا العمل العسكري"
ورد الرئيس بوش في اليوم التالي بعبارة مقتضبة بأنه "لم يعرف" من الذي اخبر الرئيس مشرف بان الحرب ستكون قصيرة.
-----------------------------------------------------
* مجلة (EIR) العدد الصادر في 16/ تشرين الاول /2001
[1] Irrationalism: الشخص او النظام الذي يؤكد على الحدس او الايمان اكثر مما يؤكد على العقل او يقول بان الكون تسيره قوى غير عاقلة.
[2] Nation-Sate: دولة مؤلفة من قومية واحدة لا من قوميات متعددة.

* صدرت عن مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد عام 2001

ليست هناك تعليقات: