الأحد، 8 فبراير، 2009

الاسراع بالإِستِقرار قَد يُؤثّرُ عكسياً في العراق المُستَقطب

*Shibley Telhami
ترجمة الباحث:أمير جبار الساعدي

إستمرَّت الإدارةُ الأمريكية تأملِ بأنَّ مرور دستور العراق والإفتتاح الأخير لمحاكمةِ صدام حسين سيَبدأُ بتَزويد السداد لسياستها الخارجية المَطعُون بها كثيراً ، حتى بوصول الخسائر في أرواح الجنود الأمريكان في العراق الى أكثر من 2000 عسكري الأسبوع الماضي.
تَنتظرُ إدارة بوش بقلق منذ الإطاحة بصدام قبل أكثر من سنتين، لكلا الحدثين كإشارات فعّالة،والتي كَانَ العراق فيها يترك الدكتاتورية خلفه ويتجه نحو الديمقراطية. كَانَ الأمل بأن الحدثين يزوّدان الالهامَ ليس في العراق فحسب، ولكن في كامل الشرق الأوسطِ أيضاً، ويَحثُ الناسَ للحصول على ديمقراطيةِ أكثرِ في بلدانِهم ، وللبَدء برُؤية بَعض النتائج الجيدةِ للحرب التي معظمهم عارضوها.
بدلاً مِن ذلك، كلا من الإستفتاء العام العراقي على الدستورِ ومحاكمةِ صدام من المحتمل أَن يُشدّدا الغضبَ بين سُنّةِ العراق وسكانه الشيعة والأكراد والفزع في مُعظم العالم العربي والإسلامي.ويَعني ذلك بأنّنا نُواجهُ لَيسَ إمكانيةَ إزدياد النزاعِ الطائفي في العراق فحسب، ولكن الاحتمالات المتزايدةَ بأن بلداناً ومجموعاتَ أخرى سَيَنضمّانِ إلى الصراع كمجهزون للأسلحة وحتى المقاتلين أيضاً.
إنّ سخريةَ الدستورِ العراقيِ ،التي عَبرعنه 79 بالمائة مِن الأصوتِ، بينما تَبدو بأنَّها خطوة حرجة نحو الديمقراطيةِ، مِن وجهةِ نظر النزاعِ الطائفيِ المُحدّدِ، إنه من المحتمل أن تكون عندَهُم وثيقةُ الدستور أفضل من أن يهُزموا. يَعتقدُ العديد مِن السُنّة بأن الدستورَ يُميّزُ ضدّ مصالحِهم والذين صَوّتَوا بأعداد كبيرة ضدّه، وعلى الأقل فإن المشاركة أكسبتهم إيمانَ أكثرَ في العمليةِ السياسية. وفي هذه الأثناء،الشيعة الذين يُشكّلونَ أغلبية سكانِ العراق -- والأكراد، كَانَ يمكنُ أَن يَكُونوا أكثرَ رغبة للمساومة مع السُنّةَ في جولة مفاوضات جديدة لتَعديل الدستورِ بعد إنتخاباتِ الجمعيةِ الوطنيةِ(مجلس النواب).

شكوك المخالفات
وبالرغم مِن ذلك، هناك شكّ سائد لدى السُنّةِ مِن المخالفات.إن التقارير المبكّرة عن موافقةِ 99 بالمائة على الدستور في بَعض المحافظاتِ كَانت تشبه الانتصاراتِ المألوفةِ بفوز دكتاتوريي المنطقةَ بـ99 بالمائة في الانتخابات والتي كَانت الولايات المتّحدةَ تَتمنّى تَقويضها من خلال المثالِ العراقيِ. والبيان الصادر مِن قِبل وزيرةِ الخارجية كوندوليزا رايس قبل حتى عملية عد الأصواتِ بأن الدستورَ " من المحتمل قد عَبر" والتي لَعبت دوراً في إيجاد الشكوك حول مدى عدل الإنتخابات.
حتى إذا عدت الإنتخابات عادلة، فالحقيقة بأنّ النَتائِج أخلّت بتوازن الشيعة والأكراد الذين صوّتوا عموماً بنعم وأغلبية السُنّةِ الذين صوّتوا بلا وبذلك يُشجّعونَ المجموعاتَ في رسم الدعمِ على طول الخطوطِ الطائفيةِ بالتأكيد.
َبعض السُنّةِ، وحتى المشكّكين منهم ، قَد يُسحَبُ إلى العمليةِ السياسيةِ لنيل فرصة إجراء التَغيير في الدستورَ إذا أُمكنُهم أَن يَنتخبوا العدد المناسب من الأعضاء للجمعيةِ الوطنيةِ(مجلس النواب)،التي سَتُفاوضُ على التعديلاتَ كجزء مِن الصفقة التي أبرمت مباشرةً قبل الإنتخابات. ولكن السُنّةَ سَيَبقونَ أقلية في الجمعيةِ وليس هناك ضمانات بأنهم سَيَربحونَ شروطا أكثرَ مناسبةً مِن التي عَمِلوا عليها في صيَاغَة الدستورِ الحاليِ.
من المحتمل لَن يُساعد الإجهادَ الطائفيَ في العراق وفي أي مكان آخر في الشرق الأوسطِ - إن محاكمةِ صدام حسين بَدأت مع بداية عد الاصوات. كُرهَ صدام مِن قِبل الكثيرِ من الذين عَانوا من إنعدامِ رحمته، في المجموعة التي تَحتوي شيعة وأكراد العراق والعديد مِن الكويتيين، ولكنه ما زالَ مُحتَرم لدى العديد في داخل وخارج العراق. أجري مسحِ للرأي العامِ في البلدانِ العربيةِ عام 2004،فإن أكثر الناس في الأردن،وهي أحد أقربِ حلفاء أمريكا من العرب ، عَرفت صدام بأنه " أكثر زعيم عالمي نال الاعجاب " أكثر مِن أيّ شخص آخر خارج بلادِهم).

طُرقٌ موضع السّؤال
والأكثر أهميَّةً، حتى بين العددِ الكبيرِ في العالم العربي والإسلامي وبين عرب العراق السنّة الذين لَم يحترموا حاكمَ العراق السابقَ، تطرح العديد من الاسئلة عن الطريقةَ التي فيها أُزيلَ حاكم عربي جاثم على الكرسي ، وشرعية المؤسساتِ التي سَتُحاكمُه في العراق. إقترحت جماعات حقوق الانسانُ الدوليةُ أن تكون هناك محكمةً دوليةً لصدام وحذّرت من "محكمة المنتصرين".وأبدت تلك المجموعات قلقاً، بضمنها مجموعة الدفاع عن حقوق الإنسانِ(هيومن رايتس وتش) ،بأن متطلبات الإتهام تحت القواعدِ التي أُعدت لمحاكمتِه أقلّ بكثير مِن تشدد المعايير الدولية المقبولة.
أبدت المجموعات العربية، في هذه الأثناء، شَكوكّاً حول إنصاف المحاكمة التي تجري في ظِلِّ القوات الأمريكيةِ. ووافقت المحكمة، بعد يومِ واحد مِن المحاكمة، للتَأجيل لمدّة شهر لتعالج المخاوفِ لدى مُحامي الدفاع الذين كَانوا قَد استُعجلوا، وأنهم يحتاجون لمزيد من الوقتَ لتَهيِئة قضاياهم، ولكن ذلك لَن يُعالجَ المسائلَ الأخرى مِن العدل. وفي النهاية،انه من المشكوك فيه أن المحاكمةُ سَتُغيّرُ العديد مِن الآراء وعلى الأرجح بأنّها سَتُواصلُ بأثارة الغضبِ الطائفيِ عندما تستأنفُ المحاكمة في28 نوفمبر/تشرين الثّاني.
ما مقدار أسوأ ما يُمكِنُ أَن يُصبح عليه العنف الطائفي في العراق ؟ إنّ سيناريو أسوأَ الأحوال هي حرب أهليةُ شاملةُ تُؤدّي إلى تقسيمِ البلادِ إلى ثلاث ولاياتِ على طول خطوطِ العناصر المهيمنة. لكن ذلك الخطرِ يَبقى محدوداً في المستقبلِ المنظورِ.

أولاً، هناك تداخل سكاني كثيرِ في العديد مِن أجزاءِ العراق وتزاوج ملحوظ وواسع ، خصوصاً بين العرب السنّةِ والشيعةِ ؛ بالرغم من أن تلك العواملِ لَيست ، هي بنفسها، ما يَكفي من ايجاد حاجز يمنع التقسيمِ. والآخر،هو إن كُلّ مجموعة لَديها الكثير لتفَقده إذا ما أرادت أَن تَتحرّكَ بسرعة نحو الإستقلالِ.
سَيكون عِند العرب السنّة بالتأكيد الكثير لفَقده، خصوصاً حقول نفط العراق الغنية والتي هي أساسا موجودة ضمن المناطقِ الشيعيةِ في الجنوبِ وبغزارة في المناطقِ الكرديةِ في الشمالِ. بَعدَ أَن سيطرَ العرب السنّة على السياسةِ العراقيةِ لمدّة طويلة، يَجِدونَ من الصّعوبة أَن يتجرعوا ترَكهمَ في حالة منكمشة ومَحرُومة من الموارد.
يَفقد الشيعة منافعَ العراق الموحّد الذي هم فيه، جناح الأغلبيةَ، وسيكون عِندَهُم أخيراً القول الفصل.علاوة على ذلك،إن تقسيم العراق قَد يَدفعُهم بصورة أقرب إلى إيران إستراتيجيا، وهذه لَيست النتيجة السعيدة لأكثر الشيعة. فالعراقيون الشيعة عِندَهُم صلةٌ دينية كبيرة مَع إيران.
وهم،على أية حال،عرب وعراقيين أيضاً ويحسونُّ قوةَ التنافس القديم بين العرب والفُرس، بالإضافة إلى تنافس إيران - العراق الأخير والذي قادَ البلدان إلى حرباً دامية في الثمانيناتِ. حتى الأكراد، الذين يَرونَ أنفسهم بشكل واضح بأنهم أناس مستقلون وجديرون بالدولةَ، دَفعوا للحكم الذاتي التدريجيِ في الجزءِ الكبيرِ لتَخفيف المعارضةِ القويةِ إلى الإستقلالِ الكرديِ خصوصاً في تركيا وإيران، واللذين يخشون مِن حركاتِ الإنشقاقِ بين سكانِهم الأكراد.
لكن حتى إذا تم تَجَنب حرب أهلية شاملة، فإن أيّ تصعيد للعنفِ الطائفيِ يُمكِنُ أَن يُوقعَ الخرابَ في العراق وفي كافة أنحاء المنطقة.
إن تركيز النزاعِ سَيكون لديه نتيجتان فوريتان.الأولى سَتَكُونُ القدرةَ المتزايدةَ "للتمرّد" السنيِ لتَجنيد دعمِ أكثرِ في العالم العربي والإسلامي، في المناطق التي يمثل فيها السُنّة الأغلبيةَ. وهذا يُمكنُ أَن يَكُونَ نداءَ المعركة الذي يُساعدُ المجموعاتَ مثل تنظيم القاعدةِ في بلاد ما بين النهرينِ بقيادة أبو مصعب الزارقاوي لزيادة عددِ المُجنَّدين الأجانبِ بشكل واسع في العراق. يُحاولُ الزرقاوي أَن يَرفعَ تلك الأعدادِ بإستهداف الشيعة على أمل إيجاد ردّ فعل ضدّ السُنّةِ. لكن حتى الآن، أفضل التخميناتِ بأن الأجانب يُشكّلونَ حوالي 10 بالمائة مِن التمرّد فحسب.

كسب الآخرين
سَتَكُونُ النتيجة الثانية إمكانيةَ جذب الحكوماتِ الأخرى في المنطقةِ إلى العراق.فإذا كان السُنّة على النهايةِ الخاسرةِ للنزاعِ الطائفيِ في العراق، فإنه سَيَكُونُ صعبا على العديد مِن البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ الجُلُوس على الخطوط الجانبية.وإن احتياجات الاحزاب العراقيةِ لتَكديس الحلفاءِ والتجهيزاتِ يَفتحان فرصَ التدخّلِ الجديدةِ للدول المجاورةِ المهتمّةِ. والذي يَتضمّنُ إيران، التي أُتّهمت من قبل بريطانيا والولايات المتحدةِ بالتَدَخُّل في العراق، والتي يُمكِنُ أَن تَرى العراق موقعا جيد لتَمثيل غضبِها على الطلباتِ الأوروبيةِ والأمريكيةِ التي تُعدّلُ في نشاطاتَها النوويةَ.
ويَشمل سوريا أيضاً، التي أُتّهمت من قبل الولايات المتّحدةِ بأنها تسَمح للمتمرّدين العُبُور إلى العراق وإنها وعلى نحو متزايد على خلاف مع الولايات المتّحدةُ والآخرونُ أيضاً ،ونشر تقرير الأُمم المتّحدة الاخير حول لبنان الذي ورّطَ البعض مِن زعماءِ سوريا الكبار في إغتيالِ رئيسِ الوزراء اللبنانيِ السابقِ رفيق الحريري.تلك التهديداتِ -أن يكون العراق أكثر عُنفاً والشرق الأوسط غير المستقر،هي الأسباب التي جعلت أكثر الممثلين الدوليينِ، بضمنهم الولايات المتّحدةِ، يُحاولونُ بجدٍ لإبقاء العراق موحّد وفئاته لها حرية الكلام. لكن التسرع في التَصويت على الدستور الذي يُقسّمُ أكثر مِن أن يوحد، ومحاكمة صدام المثيرة للجدل والتي من المؤكد ستجَعل عناوين الصحافةِ العربية البارزةِ في كل ساعة من أن تُحقق النتيجةَ المعاكسةَ.
* زميل خارجي أقدم ، مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط -30 تشرين الأول – 2005

ليست هناك تعليقات: