الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2009

العراق والحرب غير المتكافئة (1-3)

العراق والحرب غير المتكافئة نزاع الولايات المتحدة ضد أنصار النظام السابق والإسلاميين تغيير الإستراتيجية الكبرى والإستراتيجية والتكتيكات
أنتوني كوردسمان*
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

الهجوم والهجوم المعاكس المزدوج ضد أنصار النظام السابق والإسلاميين
لقد شهدت الأشهر القليلة الماضية تصعيداً مطرداً في الحرب غير المتكافئة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الائتلاف من جهة والخليط المعادي من أنصار النظام السابق والمتطرفين الإسلاميين وأغلبهم من السنة من جهة أخرى، إن النزاع الناتج غير متكافئ بكل ما في هذه الكلمة من معنى إذ يختلف الجانبين في الأهداف الإستراتيجية الكبرى والأهداف الإستراتيجية والطرق التكتيكية وأهدافها. وكانت النتيجة النهائية إن كل جانب توجب عليه أن يعدل أهدافه الإستراتيجية الكبرى.وفي ذات الوقت طور كل جانب إستراتيجية مستقرة نسبياً ومزيج من الخيارات التكتيكية لتنفيذها. وهذه التكتيكات تتغير مع الوقت، لكن ما تسميه بعض التقارير بتكتيكات(جديدة) هي معظمها مجرد تغيرات في مزيج التكتيكات التي يستخدمها كل جانب أو تغيرات وتحسينات لطرق قديمة في الهجوم.ويسعى هذا التحليل لتلخيص واقع كل طرف من حيث الإستراتيجية الكبرى والإستراتيجية والتكتيكات.

الإستراتيجية الكبرى
لا يمكن لأي من الطرفين تحقيق الأهداف الإستراتيجية الكبرى الأصلية في الوقت الحاضر.وقد دفع هذا كلا الطرفين لتحديد أهدافه بحيث لا يقدر كلا الطرفين على (الانتصار) في جوانب الإستراتيجية الكبرى.

الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة
تتضح عدة عوامل في حالة الولايات المتحدة:
* لقد حققت الولايات المتحدة هدفاً مهماً فقد قضت على نظام دكتاتوري قاس وعدواني.

* أوقفت الولايات المتحدة التسلح العراقي ولكن لا يمكنها تحقيق هدف التخلص من تهديد عاجل ووشيك لأنه لم يثبت وجود مثل هذا التهديد.

* وتنطبق نفس المشاكل على أي ارتباط بين العراق والحرب على الإرهاب. لقد أدى العراق في أفضل الظروف دوراً سطحياً في الإرهاب، مع علاقات محددة وغير مهمة بالقاعدة وجماعات إرهابية أخرى ذات نهج عملياتي محدود. وإذا ما حدث أي شيء فأن الولايات المتحدة قد أشعلت المزيد من الغضب العربي الإسلامي ضد الولايات المتحدة رغم عدم اتضاح الدليل أن العراق (مصدر الإرهابيين). إن أقل من 500شخص مما يقارب (12ألف) من المشتبه بانتمائهم الى المقاومة ممن القي القبض عليهم في العراق هم من الأجانب. و(25) شخص لا غير يشتبه بعلاقتهم بالقاعدة ويبقى
(5)منهم مشتبهين رئيسيون وحسب.

* قد تتمكن الولايات المتحدة من إعطاء العراق فرصاً كبيرة وجديدة، لكنها لن تتمكن من تحويل العراق الى دولة ديمقراطية حديثة أو اقتصاد السوق الحرة. وسيتوجب على الولايات المتحدة أن تغادر قبل إتمام القضايا السياسية والاقتصادية وقضايا الطاقة في العراق وسيواجه العراق بعد ذلك سنوات، إن لم تكن عقوداً، من عدم الاستقرار.
* لن يصبح العراق قريباً الدولة النموذجية في المنطقة، أو مثالاً لقدرة الولايات المتحدة على خلق دولة ديمقراطية. وقد تبرز بعض الايجابيات في العراق بمرور الوقت، ولكنها ستوازن، جزئياً على الأقل، بالسلبيات، في الوقت الذي ستندفع دول أخرى في الشرق الأوسط بفعل تحركات داخلية.

* لن تتمكن الولايات المتحدة من المساعدة في تحرير القوى العقائدية والعرقية من العرب والأكراد والسنة والشيعة في العراق التي سحقها صدام بقوة. مع ذلك فالرؤية الأمريكية نصف المكتملة لـ (الفدرالية) لن تمنع هذه القوى من التواصل خلال السنوات القادمة.

* قد يتحمل العراقيون الولايات المتحدة إذا ما خرج العراق من دائرة حكم الولايات المتحدة والتحالف كدولة مستقرة وآمنة بشكل معقول، لكن الولايات المتحدة لن تكسب قلوب العراقيين وعقولهم وصداقتهم.وستخلف الحرب غضباً بقدر ما خلفت من عرفان بالجميل.

* من الواضح انه ستمر سنوات قبل أن يستعيد العراق دوره في مجال تزويد الطاقة في المنطقة، ومن غير المؤكد فيما ستكون عليه العملية أكثر أماناً، أو تنتج صادرات أعلى، مما خططت وزارة الطاقة الأمريكية عند عودتها من العراق قبل اندلاع الحرب.
* لقد أطاحت الولايات المتحدة بتهديد عسكري محتمل "لإسرائيل"، ولكن من غير المحتمل أن يكون النظام الجديد بعد الغزو الأمريكي أكثر تعاطفاً مع إسرائيل من أي بلد عربي أخر.
* من المحتمل جدأ أن يُعقّد الوضع في العراق مشاكل الولايات المتحدة مع الحركات الإسلامية بدلاً من تقليصها، وسيؤدي في الأغلب الى تشكيل نظام أقل علمانية بكثير بمرور الزمن.
* لقد انتهى الخطر العسكري الذي يشكله العراق على جيرانه لعقد من الزمن على الأقل، لكن النتيجة ستكون فراغاً في القوى في منطقة الخليج قد تشجع الضغط الإيراني والسوري والتركي المستمر وتثير قلق الدول العربية التي تعتنق المذهب السني.

الإستراتيجية الكبرى لأنصار النظام السابق
يبدو من شبه المستحيل الآن، أن يظهر مثل نظام صدام السابق مرة أخرى، بغض النظر عن نتيجة الحرب. وحتى لو كان لصدام وأبرز مؤيديه كعزة الدوري دوراً بارزاً في إدارة القتال الآن. إلا إن قاعدة نفوذهم السابقة قد تم تدميرها بشكل كبير. فضلاً عن ذلك فإن القوات التي تهاجم الولايات المتحدة والتحالف هي مزيج من أنصار حقيقيين للنظام وحزب البعث ومستفيدين آخرين ممن لا يرون لأنفسهم أي مستقبل أخر، ومن القوميين العرب والعراقيين والمجرمين وناشطين مأجورين وعراقيين معادين للولايات المتحدة أو يسعون للثأر، ومتطوعين أجانب لا ينتسبون الى جهة محددة وعراقيين من السنة وإسلاميين آخرين معادين للولايات المتحدة، وعراقيين يخشون هيمنة الولايات المتحدة والامبريالية الجديدة، ومتطرفين إسلاميين أجانب من لا تربطهم بجماعات مثل أنصار الإسلام والقاعدة ومن دون علاقات معهم، وسنة ممن يخشون فقدان النفوذ والثروة التي حصلوا عليها في ظل نظام صدام والبعث وعراقيين شباب غرر بهم في تصاعد هذه الهجمات، في وقت بلغت البطالة من 50الى 60%.
ولم يحدد المسئولون الأمريكيون البنية القيادية لهذه القوى، كما لم يعالجوا مسألة وحدتهم. وجل ما قاله هؤلاء المسئولون هو أن:
* هناك دليل أن نظام صدام خطط ونظم قتال أسلوب الحرب الدائرة الآن قبل غزو الولايات المتحدة.

* ربما تباطؤ النظام السابق في تنفيذ هذه الحرب أثر صدمته بسرعة التقدم الأمريكي وسقوط بغداد المفاجئ.
* المقاومة الأعنف تحدث في المدن السنية وقراها في(المثلث السني) شمال بغداد وغربها التي لم تحتلها القوات الأمريكية بالكامل أو قاتلت فيها بسبب السقوط المفاجئ لنظام صدام.
* ثبت تدريجياً أن هناك نوع من التنسيق المحلي والإقليمي وربما القومي.

* لا يبدو أن عمل قيادة أنصار النظام السابق "لديها هيكلية صارمة، ولكن لديها نوع من الهرمية وهناك "خلايا" محلية من القادة والمنظمين ممن يقدمون الأموال والسلاح.

* لا يتوفر رقم دقيق لهذه الخلايا أو عدد القوات النظامية لـ"أنصار النظام السابق" والقوات المتناوبة. وتقول التخمينات إن هناك حوالي (25) خلية أو زمرة وما يقارب خمسة آلاف متطوع. وتتحدث تخمينات أخرى عن (8-12) خلية تضم كل واحدة منها (80-100) رجل في منطقة بغداد الكبرى، وخلايا اصغر تضم (10-20) رجل لفرض الغارات الحقيقية والاشتباك. مع ذلك يؤكد الخبراء إن أي جهد لتقدير عدد القوات المعادية هو جهد غير مؤكد وما هو إلا تخمينات. فضلاً عن ذلك تعكس بعض المقابلات مع "مقاتلين" تركيباً صارماً جداً للخلية حيث يزج العديد ممن يقومون بالهجمات في جماعات صغيرة للقيام بمهمة محددة، دون فهم واضح لطبيعة التدرج الهرمي الأعلى منهم. ولا يعرف العراقيون المستأجرون للقيام بمهمة أو المقاتلون الأجانب شيئاً أو يعرفون الشيء القليل عن الهيكلية الأعلى منهم.
* أوردت بعض المصادر "الإسرائيلية" مثل (دبكا Debka) تقارير تفيد أن "أنصار النظام السابق" قد نظموا عناصر من فدائي صدام، واستشهدت هذه المصادر بظهور فدائيين ببدلاتهم المعروفة في منطقة سامراء. ويتضح أن الولايات المتحدة تسعى بقوة للقبض على عزة إبراهيم الدوري وتفيد تقارير (دبكا) أن ابنه محمد الدوري القيادي البارز في فدائي صدام يقود بقايا ألوية الفدائيين وعددهم (300-400) مقاتل تلقوا تدريباً على حرب العصابات في المدن والمناطق السكنية والمفتوحة وكذلك على الهجمات الانتحارية.ولا يعتقد القادة الأمريكيون مع ذلك بوجود وحدات قتالية منظمة، وإنما هناك مجاميع من (80-100) رجل اغلبهم مقاتلين غير نظاميين.
* هناك متطوعون أجانب في صفوف "أنصار النظام السابق"، ولكن لم يثبت وجود نشاط إسلامي منظم ومنفصل عدا بقايا صغيرة نسبياً من تنظيم القاعدة.

* يسعى "أنصار النظام السابق" الى ضم إسلاميين من السنة والشيعة ويلجاً الى ذلك غالباً باستخدام الخطاب الإسلامي والقومي، واستخدام شعارات مزيفة مثل "جيش محمد".

* هناك جهد سياسي وإعلامي منظم لاستغلال وسائل الإعلام العربية والأجنبية وينشر هذا الجهد نظريات المؤامرة، ويساهم في تدبير دعاوي عراقية مدنية بشأن الضرر المصاحب والضحايا المدنيين، ويدعم جهداً مستمراً يفند تفنيداً منتظماً تقارير سلطة الائتلاف المؤقتة والتحالف والولايات المتحدة.

* هناك دليل يثبت وجود جهد منظم لتخويف وقتل العراقيين الذين يدعمون التحالف وجهود بناء الدولة سواء كانوا مدنيين ومسئولين أو قوات امن أو متعهدين.

*هناك درجة من التنظيم في استخبارات "أنصار النظام السابق" وتنشط نشاطاً مطرداً.
لقد جمعت كل الجماعات المختلفة معاً في سجلات الجيش الأمريكي بوصفها من "أنصار النظام السابق". لا احد يعرف أعدادهم أو توجهاتهم أو المزيج النسبي من العناصر تحت هذا العنوان، لكن تاريخ حروب كهذه يفيدانه مهما خطط صدام والنظام أو ينوي أن يخطط، فالمزيج الناتج من الناشطين بدرجة من التنوع لا يمكن أن يتحول الى تركيب سياسي وعسكري جديد خارج سيطرة النظام. ومن المرجح أن يستمر بصيغة جديدة حتى في حالة قتل صدام وعزة الدوري وقادة البعث الآخرين أو إلقاء القبض عليهم.
ويحظى الأكراد والشيعة بالقوة لضمان حصة مهمة في موارد العراق السياسية والاقتصادية، أما مقاومة "المقاتلين" الجدد البارزين كأنصار للنظام السابق فهي نابعة من الانتماء العرقي والقومية العربية أكثر مما هي حب لصدام ولحزب البعث.والنتيجة النهائية مقرنة بتصاعد بارز لدور الإسلاميين السنة هي"عراق جديد" حتى في المثلث السني.
والنتيجة على الطرفيين الآن أن يتبنى أهدافاً أكثر تواضعاً للإستراتيجية الكبرى. إذ ترغب الولايات المتحدة بالرحيل وعندها أمل أن تكون تركته بالنهاية عراقاً ديمقراطياً مستقراً ذي اقتصاد حر. ويبدو أن معظم"أنصار النظام السابق" يرغبون بعودة الهيمنة السنية في ظل رجل قوي وحزب كحزب البعث، رغم أنه من غير الواضح أنهم يرغبون بالضرورة بصدام ودكتاتورية أشبه بالضبط بدكتاتورية حزب البعث.

اللغز كلا الطرفين قد "لا ينتصر"
أحد سخرية الأقدار هو القتال الآن أنه لا الولايات المتحدة ولا خصومها الحاليين يمكن أن يحققوا حتى أهدافهم الإستراتيجية الكبرى وإن "انتصروا" في القتال. لن تؤدي هزيمة الولايات المتحدة لأنصار النظام العراقي السابق وأغلبية المتشددين الإسلاميين السنة الى خلق عراق نموذجي أو عراق مستقر يحفز باقي بلدان المنطقة لإجراء تغيير ديمقراطي. ويتضح يوماً بعد يوم أنه حتى أمريكا المنتصرة سيتوجب عليها أن تسحب يدها من العراق قبل أن تتمكن من تحديد شكل دولة جديدة أو اقتصاد جديد، أو أن تحقق استقرارا سياسياً للعراق.
وفي ذات الوقت يصعب أيضاً توقع أن يحقق أنصار النظام السابق والمتشددين الإسلاميين من السنة انتصار يمنع شيعة العراق من الحصول على حصة كبيرة من الثروة والنفوذ.ومن المحتمل أن يجعل حل قوات الأمن البعثية وجيش صدام وإنشاء قوات أمن وشرطة عراقية كبيرة الى جانب ظهور زعماء دينين أقوياء في القسم الشيعي من البلاد عدا العوامل الأخرى يجعل من المصطلح القديم(رجل علماني سني قوي) أمراً مستحيلاً. وسيعزز هذا الأمر قوة الأكراد. فالمثلث السني كما يطلق عليه ما هو إلا جزء صغير يمثل 15-20% من عدد السكان من المجموع العقائدي والعرقي.
أن أطلاق نعوت مثل "فائزين وخاسرين" ما هو إلا تخمين في الوقت الحاضر ولكن من المحتمل على الأقل فيما يخص التدخل العسكري. وأن حدث هذا فستصبح إيران وسوريا من " الفائزين" بدرجة ما من بين جيران العراق، رغم إنهما قد يجد أن في العراق الجديد بلداً حازماً بطريقة تزعج دكتاتورية حزب البعث السوري والتيار المتشدد في إيران وقد تصبح تركيا والدول العربية ذات المذهب السني على حدود العراق من "الخاسرين" من ناحية أن العراق انتهى كدولة قوية ذات مذهب سني علماني. ولكن عند العودة للماضي فنفس السبب يضمهم الى" الفائزين" فمن السهل واقعياً العيش بسلام الى جانب عراق غير مستقر ومنزوع السلاح.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد تنتهي أما الى "فائز" محدود أو"خاسر" محدود. فمن الممكن أن يهمش القتال الدائر العناصر السنية العلمانية في العراق وصورة الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي، ويحفز بذلك الإرهاب والعنف الإسلامي المتطرف. مع ذلك فعلى المرء أن يحتاط تجاه هكذا تنبؤات. فإذا هزمت الولايات المتحدة الخطر الحالي من أنصار النظام السابق والمتطرفين الإسلاميين وأغلبهم من السنة. ومغادرة العراق بوصفه عراقاً للعراقيين يقوده عراقيين، فمن الصعب جداً حينذاك الترويج لمفهوم أمريكا المعادية والتآمرية.

الإستراتيجية
فيما يخص الإستراتيجية فالحرب غير المتكافئة شأنها في ذلك شأن الإستراتيجية الكبرى فكل طرف يتبنى الآن إستراتيجية مصممة لاستغلال كلاً من قوته وضعف الخصم، وكل طرف حقق نجاحاً محدوداً.

الإستراتيجية الأمريكية
تتبنى الولايات المتحدة وحلفائها في الائتلاف الإستراتيجية التالية:
* إعادة هيكلية القوات الأمريكية للعمل كقوات قتال قليل الشدة وإعطاء الأولوية لاستخدام المخابرات البشرية والمصادر العراقية لملاحقة القوات المعادية ومهاجمتهم بقوة، وتحديد قادة هذه القوات وتمويلها وأسلحتها وتدميرها.

*استخدام قوات حليفة لضمان الأمن في مناطق وسط العراق وجنوبه، وفي نفس الوقت طلب قوات حليفة إضافية.

* تقليص دور الولايات المتحدة في الحماية العسكرية والمهام الأمنية كلما أمكن ذلك وتقليص رد الفعل السلبي الموجود الأمريكي في المدن والبلدان العراقية الى الحد الأدنى وذلك بإبدال القوات الأمريكية بقوات الأمن والشرطة العراقية. واستخدام العراقيين كمصدر رئيس لجمع المعلومات الاستخباراتية .

* دعم الجهد العسكري ببرنامج عمل عسكري مدني يضم اتصالات محلية مكثفة مع المسئولين العراقيين. وكذلك المعونة المباشرة بصورة. برنامج إسناد العمليات المدنية.

* تقليص التعرض لهجمات عراقية معادية من خلال استخدام الطائرات والمروحيات والمدفعية للرد على الهجمات العراقية المعادية التي تستخدم فيها الصواريخ وقنابل الموتر. واستخدامها في استهداف المنشآت العراقية والجماعات المعادية دون إنذار ودون تأخير مما لا مناص منه في حالة استخدام القوات البرية.

* الوقوف بوجه التدخل الخارجي من دول كإيران وسوريا وتركيا باستخدام الضغط الدبلوماسي والتهديدات، وتوسيع النشاط ضد الإرهاب خارج العراق من أجل الحد من التسلل والدعم من جماعات خارجية.

* كسب قلوب العراقيين وعقولهم من خلال تشكيل حكومة مختارة اختيار واضحاً من قبل العراقيين وتحت أشرافهم من خلال عملية تحظى بموافقة ودعم سياسي عراقي واسع دون إثارة التوتر أو الصراع العقائدي والعرقي.

* الحفاظ على دعم الشيعة أو صبرهم على الاحتلال الأمريكي بالأخذ بعين الاعتبار أن الشيعة يمثلون الأغلبية البارزة والاحتفاظ بدعم الأكراد والسعي لتقليص إقصاء السنة ومخاوفهم من فقدان النفوذ والتأثير والثروة. والتأكيد في نفس الوقت على التنمية السياسية العلمانية للعراق. وهذا بدوره سيساعد في احتواء التهديد واغلبه من السنة ويتمركز غالباً في "المثلث السني" والمناطق السنية في الموصل والبصرة وجميع هؤلاء لا يتجاوزون (12%) من عدد السكان.

* كسب قلوب العراقيين وعقولهم من خلال برنامج معونة بـ22 مليار دولار على شكل منحة (السنة المالية 2003والسنة المالية 2004) وجهود إصلاح التحديث الاقتصادي التي يمكن أن تدفع العراق باتجاه اقتصاد سوق ناجح والقدرة على استغلال ثروته النفطية وفعل كل ذلك بطريقة لا تثير اتهامات بالاستغلال والامبريالية أو تثير النزاع العقائدي والعرقي.
* تدويل المعونة السياسية والجهود العسكرية بأكبر قدر ممكن … دون فقدان القدرة على كسب الحرب ودفع عملية بناء الدولة الى الأمام… من أجل كسب الدعم الدولي والعراقي وتخفيف العبء عن كاهل الولايات المتحدة.

* إطلاق حملة إعلامية فعالة لتزويد العراقيين بالمعلومات وكسب دعمهم باستخدام التلفاز والمذياع والمطبوعات والاتصال المباشر.
وتحقق الولايات المتحدة نجاحاً محدوداً في كل هذه الجهود الإستراتيجية ويرجع ذلك في جزء منه الى فشلها الذريع في التهيؤ الفعال لإنهاء النزاع وبناء الدولة والمهام الأمنية، وخطر النزاع المحدود قبل وأثناء المرحلة الانتقالية للحرب في العراق كذلك بسبب مخالفة رؤية أدارة بوش الأيديولوجية للعراق والمنطقة للواقع. لقد حققت الولايات المتحدة تقدماً حقيقياً في عملية إعادة هيكلية جيشها للقتال في النزاع قليل الشدة كما حققت نجاحاً مع جمع المعلومات المخابراتية وبرامج العمل العسكرية- المدنية التي تحتاجها. وقد أدت بريطانيا والحلفاء الآخرين دوراً فاعلاً، كما حقق جهد تدريب العراقيين واستخدامهم في حفظ الأمن ومهام المخابرات البشرية بعض النجاح.
ويواجه العمل السياسي بقيادة الولايات المتحدة مستقبلاً مجهولاً في أحسن الأحوال.
ويحظى هذا العمل بدعم غير مؤكد من الزعماء الشيعة ولكنة يفتقد للدعم الشعبي. وحقق الجهد الواسع لهذا العمل السياسي في مجال المساعدات بعض النجاح، لكنهم كانوا بطيئين للغاية في كسب المزيد من العرفان أو التأثير على القلوب والعقول. كما تقدم جهد تفعيل العوائد النفطية، لكنه غير حصين كما أنه لم يساعد الولايات المتحدة في كسب القلوب والعقول. وتبقى الحملة الإعلامية بقيادة الولايات المتحدة أشبه بالكارثة. ووسائل الإعلام العراقية تملؤها نظريات المؤامرة وغالباً ما تكون عدائية. وتهيمن على التلفزيون فضائيات عربية معادية وأنتقل العديد من المثقفين العراقيين الى وسائل أعلام معادية في الغرب وخارج الوطن العربي.

إستراتيجية أنصار النظام السابق والعراقيين المعادين
يبدو من المؤكد تقريباً أن الإستراتيجية التي تبناها أنصار النظام السابق والمناؤين الآخرين للولايات المتحدة وحلفائها في الائتلاف هي صورة انعكاسية مشوهة للاستراتيجية الأمريكية. وهي إستراتيجية في طور النمو شأنها في ذلك شأن الإستراتيجية الأمريكية.
فإذا فشلت الولايات المتحدة، فقد فشلت كذلك جهود صدام لبناء قوة مقاومة. إذ لم يظهر معظم الجيش الشعبي وجيش القدس وثم إنشاء العديد من مستودعات الأسلحة التي يبدو أنها لم تستغل استغلالا صحيحاً، وأدت القيادة وكوادرها الداعمة عملاً بدائياً فاشلاً في التغطية، ويبدو أن جهودهم قد تعطلت تماماً بفعل الصدمة الشديدة من التقدم الأمريكي.
وعند التأمل يبدو من الصعب تصديق أن يتطور التهديد الحالي لو أن سلطة الائتلاف المؤقتة والقوات العسكرية الأمريكية قد تهيأت لعملية بناء الدولة والأمن ودعمته دعماً مناسباً.
مع ذلك فقد حظا أنصار النظام بشهور من التنظيم لم يواجهوا فيها قوات أمن من الائتلاف منظمة تنظيماً جيداً أو جهد فعال ومدروس لبناء الدولة وتمكنوا من الاستفادة من إطلاق سراح عدد كبير من المجرمين والفشل المبدئي في توفير الأمن المالي للجيش السابق،والاستياء والغضب العربي والإسلامي تجاه الولايات المتحدة بشأن عدد من القضايا، والقومية العراقية، ومخاوف السنة من فقدان النفوذ ذو الثروة والمتطوعين الأجانب ويأس الشباب في الحصول على المال.
وأصبحت النتيجة النهائية مجموعة متنوعة من مختلف العناصر التي يطلق عليها الآن اسم أنصار النظام السابق. وحتى الآن لا يعرف عدد الاتجاهات المركزية أو الإقليمية التي يملكونها، رغم انه من شبه المؤكد ان الولايات المتحدة قد جمعت معلومات استخباراتية ضخمة من حوالي 12ألف رجل من ألقت القبض عليهم اعتباراً من 1كانون الأول/ديسمبر. وحوالي 350 من 12 ألف من القي القبض عليهم أو ممن هم تحت الاستجواب اعتباراً من 1 تشرين الثاني/نوفمبر هم متطوعين أجانب دخل العديد منهم البلاد قبل الحرب. ويشتبه بتورط 25كحد أقصى في مرحلة ما بعلاقات حقيقة بالقاعدة. وبقي 3-5مشبوهين اعتباراً من 1كانون الأول/ديسمبر.(وتحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من5 ألاف عراقي ومتطوع أجنبي في المعتقل منذ 27تشرين الثاني/نوفمبر).
ما يبدو واضحاً فعلاً هو أن أنصار النظام السابق هم خلايا منظمة لأنصار حقيقيين للنظام السابق يديرون العمل ويمولونه. ويبدو الآن وجود سلسلة قيادية قوية من حيث أن هناك هرمية أو تركيب هرمي بوجود أنصار حقيقيين للنظام في قمة الهرم، وتحتها خلايا محلية، ثم أعداد كبيرة من المهاجمين المؤقتين أو الدائمين.

وعملياً فقد أدى هذا بالمعارضة لتبني ستراتيجية تضم العناصر التالية:
* عناصر مشتتة نظمت بتركيب أشبه بالخلية تستخدم غالباً رجالاً للقيام بهجمات فعلية وهذه التراكيب لها معرفة قليلة أو حتى دون معرفة منهم بالتركيب القيادي والمالي الأعلى منهم. وتتحرك عملية ترهيب وقتل العراقيين الذين يقدمون استخبارات بشرية كلما أمكن ذلك وكذلك تعزيز الملاذ الأمني في المناطق التي تدعم أنصار النظام السابق، تحركاً مستمراً وتلجأ الى أسماء مزيفة والى أسلوب الخداع من اجل تعقيد مهمة جمع المعلومات من الاستخبارات البشرية.

* ركزت الهجمات على شخصيات بارزة ممن قد تجذب صدى إعلامي واسع وكذلك تؤثر في العراقيين وترهبهم وفي نفس الوقت تعطي انطباعاً بالقدرة على تنفيذ هجمات أكثر نجاحاً مما تم تنفيذه.

* الحفاظ على سيل مستمر من الضحايا الأمريكيين في محاولة للحصول على تأثير سياسي في الولايات المتحدة. والهجوم على العراقيين والموظفين في قوات التحالف والمنظمات الدولية والمتعهدين أو قتلهم. والسعي لإقناع العراقيين بعدم دعم التحالف والمنظمات الدولية وإقناع المتعهدين والجماعات المتحالفة بالرحيل.

* تصعيد التهديد العسكري تصعيداً مطرداً. وخلق عناصر قريبة من حجم السرية تشكل وحدات قتالية غير نظامية في محاولة لصد الغارات الأمريكية ومهاجمة القوافل والأهداف المكشوفة.

* تقليص تعرض أفراد أنصار النظام السابق من خلال استخدام أسلحة طويلة المدى مثل قذائف الموتر وصواريخ ارض -جو والقذائف الصاروخية والقنابل المضادة للعربات والمتفجرات محلية الصنع.

* مهاجمة جهود الولايات المتحدة والتحالف بشأن المساعدات وبناء الدولة والتأكيد على النقاط التي من المحتمل أن تشكل تأثيراً سياسياً وحرمان الولايات المتحدة من القدرة على كسب قلوب العراقيين وعقولهم.

* توسيع منطقة الهجوم بأكبر قدر ممكن لإظهار قاعدة انتشار هجمات أنصار النظام السابق، وإجبار الولايات المتحدة على نشر قواتها في أرجاء العراق، وحرمان العراقيين الذين يدعمون جهود بناء الدولة من أي ملاذ، وتقويض الدعم الحليف والدولي للولايات المتحدة.

* ترهيب قوات الشرطة والأمن العراقية ممن يدعمون التحالف وقتلهم. وعزلهم قدر المستطاع ومحاولة تدبير حوادث تسبب انتكاسة لهم أو للولايات المتحدة.

* دعم الجهد العسكري ببرنامج عمل عسكري-مدني يشمل اتصالات محلية موسعة مع المسئولين العراقيين والمساعدة المباشرة بصورة برنامج إسناد العمليات المدنية.

* استخدام الهجمات الأمريكية وهجمات التحالف-ومنها هجمات باستخدام الطائرات والمروحيات والمدفعية لصد الهجمات العراقية المعادية التي تستخدم فيها القذائف الصاروخية وقذائف الموتر-لتستحق الاستخدام المفرط للقوة. واستخدام أي ضحايا مدنيين والضرر المصاحب كسلاح دعائي. وتشجيع احتجاجات الأفراد للادعاء بالبراءة والضرر المصاحب أمام وسائل الإعلام. حتى إن لم يكن هنالك أي ضرر. وترويج نظريات المؤامرة والإدلاء بادعاءات مزيفة حول كل هجوم أمريكي.

*محاولة إثارة أو استغلال تدخل سوريا، وفي ذات الوقت محاولة تصعيد التوتر مع كل من إيران وتركيا، وطلب الدعم من متطوعين وجماعات إرهابية خارجية متطرفة تعطي غالباً صفة إسلامية غير موجودة في الواقع لعمليات أنصار النظام السابق.

* حرمان التحالف من "كسب العقول والقلوب" من خلال مهاجمة وتخريب الجهود الرامية لتشكيل حكومة عراقية جديدة، وقتل المؤيدين للتحالف والمسئولين، واستغلال التوتر والصراع العقائدي والعرقي، والتشكيك بالجهود بالدعاية ونظريات المؤامرة.

* استغلال خوف السنة واستياءهم من حصولهم على حكم أقلية في العراق وفي ذات الوقت التغني بالشخصية القومية والإسلامية في محاولة لكسب تأييد الشيعة. قتل وترهيب الزعماء الشيعة والأكراد والسنة ورموزهم ممن يؤيدون جهود بناء الدولة والاحتلال اخذين بنظر الاعتبار إن الشيعة يمثلون الأغلبية البارزة (أكثر من 60%) والحفاظ في نفس الوقت على الدعم الكردي والسعي لتقليص احتمال نفور السنة أو تبدد مخاوفهم من فقدان النفوذ والتأثير والثروة الى الحد الأدنى. وفي نفس الوقت التأكيد على التنمية السياسية العلمانية للعراق.

* اللجوء الى الهجمات المباشرة على المنشآت، وقتل عمال الإغاثة ومتعهديها، والتخريب والنشاط الإجرامي المركز لإظهار عدم جدوى جهود المساعدة وإصلاح التحديث الاقتصادي قدر الإمكان، ومنع الولايات المتحدة والحكومة العراقية الجديدة من استغلال ثروة العراق النفطية. والسعي لإلقاء اللوم على الولايات المتحدة والتحالف للصعوبات الناتجة، وسلب شعبية برنامج المساعدة الخارجية واثبات صعوبة استمراره نظراً لتكاليفه الباهظة. وكذلك محاولة استخدام نظريات المؤامرة حول تخصيص المساعدات، ومشاكل هذه الجهود، وتبرير اتهامات الاستغلال والامبريالية وإثارة النزاع العقائدي والعرقي.

* تنفيذ هجمات ضد الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والسفارات الأجنبية والمتعهدين الأجانب وأهداف أخرى لحرمان الولايات المتحدة من الدعم الدولي وإجبار الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والجهود الحليفة على الخروج من البلد. والتأكيد على أن معظم عملية المساعدة لا تعمل وان جهود التحالف بقيادة أمريكا لن تستبدل أو تستكمل بجهود دولية تحرم أنصار النظام السابق من أي فرصة في الحكم.

* استخدام ستراتيجية إعلامية تتجنب ربط المقاومة بصدام من قريب أو بعيد، وفي ذات الوقت اتخاذ خطوات في مسألة إقناع العراقيين إن صدام وقادة بارزين آخرين ما زالوا أحياء وناشطين. وإخفاء الشخصية القومية العراقية والقومية العربية والإسلامية على عمليات أنصار النظام السابق والاستفادة من حالات التوتر العراقية والعربية مع الولايات المتحدة بشأن الصراع العربي-الإسرائيلي وخطابها وأفعالها في الحرب على الإرهاب واستخدام وسائل الإعلام العربية والإسلامية لتصوير الهجمات على الولايات المتحدة بأنها نصرة للعرب والإسلام. ودعم نظريات المؤامرة المناهضة لأمريكا والتحالف.
يحظى أنصار النظام السابق بنجاح محدود في هذه العمليات الإستراتيجية كذلك شأن الولايات المتحدة. ويرجع سبب ذلك في جزئه الأكبر الى أنهم يبقون يمثلون أقلية من الشعب العراقي وكذلك لا يمكنهم نزع صلتهم بصدام والسنة. ويتضح من ذلك إن أنصار النظام السابق يتعلمون ويتكيفون استجابة لإستراتيجية الولايات المتحدة والتحالف. مع ذلك ينبغي أن يحتاط المرء إزاء درجة التعلم المطلوب. وفي الواقع أن جميع جوانب الإستراتيجية التي يستخدمها أنصار النظام السابق في محاولتهم لمقاومة الولايات المتحدة واستغلال ضعفها هي تقنية منظمة تنظيماً جيداً وقد استخدمت في أماكن أخرى من الشرق الأوسط منذ عام 1970. وتكمن مشكلة الولايات المتحدة والتحالف من جهة ومعظم الصحفيين الأمريكيين والغربيين من جهة أخرى في أنهم فشلوا في تقدير الدروس من هذه الهجمات تقديراً صحيحاً أو لم يبدوا لها أي اهتمام على الإطلاق.
وبالنتيجة كانت الولايات المتحدة والتحالف "متفاجئان بالمحتوم". وكتب الصحفيون والمحللون ممن لا تجربة لهم بالحرب غير المتكافئة تقارير حول الاستراتيجيات والتكتيكات الجديدة والمتطورة وهي طرق ثبت جدواها فعلاً، وتقارير أخرى عن تكتيكات جديدة استغلها أنصار النظام السابق بشكل ما منذ سقوط النظام. وتجدر الإشارة انه ليس الحرب غير المتكافئة وحدها التي ترتكز على استغلال ضعف أي عدو لكن النجاح يرتكز على التغيير المستمر لمجموعة من التكتيكات التي تشكل الإستراتيجية العامة وبذلك تتقلص نسبة التعرض للهجوم وفي نفس الوقت استغلال المناطق التي يتركها العدو مكشوفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) استاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية(CSIS) في واشنطن (D.C).
أصدرت في October 1, 2005 9:29:00 AM

ليست هناك تعليقات: