الأربعاء، 29 ديسمبر، 2010

مكارثية العراق الجديد


أمير جبار الساعدي

يقول الكاتب (أرثر ميللر) "ما نفع الكاتب إذا لم يختزن في كتاباته الطاقة الاستقرائية لزمانه الحاضر والمقبل؟".
فمن الطبيعي أن يوجه أي شخص انتقاده لظاهرة أو حكومة، شخصية قيادية، مسؤول عن مؤسسة، عمل ما، السياسة، الإعلام أو أي شيء يرى به ضرورة ذلك. فالنقد صفة في طبع الإنسان وقانون أيضا. وليس التشويه فإذا كان النقد خيرا فذاك من الشر. فالنجاح عدو الشخصية الضعيفة، وما أن ينجح العراقي فعليه أن يستعد لمواجهة الاتهامات والتقولات التي ما أنزل الله بها من سلطان. يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (ما أضمر امرؤ شيئاً إلا وظهر في قسمات وجهه، وفلتات لسانه). وإن كان هناك من دخان فيجب الإسراع بالبحث عن مصدر النار لإطفائها حتى لا تنتشر وتحرق الآخرين...

انطوت صفحات أحداث جسام من عمر العراق بعد مواجهات صعبة مع ما عاناه من النظام السابق، وما تلته من مآسي الاحتلال التي ما زال يعيش الكثير من مخلفاتها لهذا اليوم، والعمل على النهوض بعملية التأسيس لبناء دولة جديدة تأطر نظامها الوظيفي والسياسي أحكام القانون والعمل المؤسساتي الصحيح الذي هو أولى القواعد التي ينبغي الاهتمام بإرسائها خلال فترة المخاض التي مازلنا نراوح بها. ومما يرافق أي عملية تأسيس جديدة هو رشوح الكثير من سلبيات التطبيق أو بروز بعض الظواهر الغريبة التي تحاول الإطاحة بكل ما هو مختلف ومنافس، أو بارز ومعروف بجدية العمل وصدق النوايا للتصحيح والبناء من غير أي انتماء أو تحيز لجهة على أخرى وهذا ما نلاحظه كثيرا في حياتنا اليومية ومنها الإدعاء على الآخرين من غير وجه حق ولا دليل مثلما فعلت المكارثية في أمريكا، ذلك أن غاية ما فعله السيناتور "جوزيف مكارثى" أنه أتهم بعضا من موظفي الخارجية الأمريكية ومن أختلف معه من الجيش بالتعاطف مع الشيوعية، عبر تشريع قانون يبيح محاسبة المواطن الأمريكي على انتمائه للحزب الشيوعي مما فسح له المجال أن يتهم كل من أختلف معه بهذه التهمة وتقديمه الى المحكمة لغرض الخلاص منه، كما لم يفته إلصاق هذه التهمة بمن لا يتفق معه.
وها نحن نسمع ونشاهد اليوم نوع من المكارثية الجديدة على طريقة التسقيط نفسها ولكن بعناوين مختلفة تحمل أسماء (الإرهاب، البعث، الميليشيات و.....الخ)، ويبدو أننا أمام مرحلة جديدة يساق فيها الإعلاميون للذبح بتهم جديدة ومبتكرة هي أنهم أصبحوا على رؤوس الأشهاد ولهم من الانتشار والحضور أكثر ممن بقى يراوح في مكانه من المدعين والمتصيدين في الماء العكر، ويحملون قلم ينطق بالحق من غير أن تخيفهم السلطة ولا الجاه .. على اعتبار أن هؤلاء المنافقين الذين لا يأتيهم الباطل من أمامهم ولا من خلفهم، هم من يمتلكون الحقيقة دائما وأن ما يروجونه من أباطيل في كثير من الأحيان هي دعاوي كيدية وحاقدة لا تمت لعين الصواب بأي رابط يثبت صحة الصورة التي يعرضونها للناس، بل على العكس فهي غالبا ما تكون مزيفة ببرامج الفوتوشوب ومزينة بمعسول كلام المنصب الذي يشغلوه، وليس بمنظور الحق الذي ينظروه، والسعي لتحقيق أكبر المكاسب الطائفية والحزبية والشخصية، على حساب الحرفية والمهنية الوطنية ومصالح الآخرين. علينا أن نكثف الجهود لتنمية الوعي الحضاري المدني والديمقراطي ومغادرة كل ما يمت لأساليب النظام السابق البوليسية بصلة، فمازال البعض يعيش ويعمل على جذور الماضي ويمارس نهج قد ولى، ظنا منه أنه يجيد التعاطي مع الآخرين بآليات متحضرة بحكم موقع مسؤوليته. وأتلمس بهذا القول بعضا مما يجري«الى من يغرسون بذور الديمقراطية تحت اسوار الاتهامات الجائرة، ويصوغون وطن الجموع»( احمد حسان).
وعودا على ذي بدء، نحتاج اليوم وغدا أن نترفع عن إلصاق التهم جزافا، والتوجه الى حماية حقوقنا وأبعاد المسيئين والمتهمين بالإرهاب أو الأجرام عبر النوافذ القانونية وليس عبر التجني من دون دليل ولا بينة، فالعراق يحتاج الجميع، ونحن أولهم، وقد وصل الكثير من أهلنا الى مواقع دعم صانع القرار السياسي في العراق، ولكن مازال هناك الكثير الذي ننتظره منهم. وأختم ببعض أبيات الأمام الشافعي(رحمه الله) التي تصور جزء من الحالة التي نشاهدها في واقع حياتنا اليومية.
(ولا خير في ود امرئ متلون...إذا الريح مالت، مال حيث تميل
وما أكثر الأخوان حيـن تعـدهـم... ولكنهم في النائبات قليـل).
(نعيب زماننا والعيـب فينـا... وما لزمـاننا عيـب سوانـا
ونهجوا ذا الزمان بغير ذنبٍ ...ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ... ويأكل بعضنا بعضا عيانا)

ليست هناك تعليقات: