الاثنين، 7 سبتمبر 2009

التراث الديمقراطي العراقي


أقدم للقارئ نص افتتاحية الملف العراقي للاستاذ الدكتور غسان العطية في العدد (144-145) في ايلول 2005

مقدمة الطبعة الثانية (كتاب التراث الديمقراطي)
صدرت في بريطانيا قبل عشرة سنوات الطبعة الأولى من هذا الكتاب، والعراق يعيش في ظل نظام دكتاتوري رافض للمراجعة والإصلاح. واليوم نعيد إصدار الكتاب مع إضافتين هامتين تعكس موقفاً كرديا وأخر حكومي متمثلا بشخص نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك. ولا تزال كافة الوثائق والدراسات يعود تاريخها لما قبل استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1968.
شهد العراق إبان هذه الفترة رحيل شخصيتين ساهمتا في تأليف هذا الكتاب وهما الدكتور فاضل الجمالي والأستاذ حسين جميل، ولكن الأهم من ذلك هو التحول الجذري الذي شهده العراق نتيجة الاحتلال الأمريكي وسقوط النظام وما تبعه من انقسام أبناء البلد على أنفسهم إلى حد التهديد بالانزلاق نحو حرب طائفية وعرقية.
إن الأحلام التي كانت تعيشها الأوساط السياسية المناوئة لدكتاتورية النظام السابق، سرعان ما تحولت إلى كوابيس في ظل حالة العنف والعنف المضاد التي يعيشها العراق اليوم، وبدلا من السعي نحو وفاق وطني يؤسس للتحول الديمقراطي سعت بعض أطراف الصراع إلى فرض صياغة جديدة للعراق تناسب طموحاتها الفئوية - طائفية أو أثنية.
تصور البعض إن الديمقراطية وصفة سحرية سهلة التطبيق، وان مجرد سقوط الدكتاتورية سيفتح أبواب الحرية والديمقراطية في العراق. ولكن الواقع اثبت إن عملية التحول نحو الديمقراطية شاقة خاصة في بلد منقسم طائفيا وعرقياً لم تعرف أجياله الحاضرة الممارسة الديمقراطية لا على صعيد الحكم ولا المعارضة، فسقوط الدكتاتورية في يوغسلافيا فتح الطريق واسعا نحو التقسيم والاحتراب الأهلي وهذا ليس تبريرا لاستمرار الدكتاتورية ولكن تحذيرا من مخاطر الانقسام كالتي نشهدها في عراق اليوم.

إن البناء الديمقراطي يحتاج إلى أساس اجتماعي وثقافي وحضاري قادر على اعتماد أصول الممارسة الديمقراطية من مساءلة ومشاركة شعبية و تداول سلمي للسلطة وحكم القانون والمؤسسات واعتماد المواطنة أساسا للانتماء، ولكن كل هذه مفردات غريبة على الجمهور العراقي وكذلك على معظم قيادته التي تحكمها مصالحها ومنطلقاتها الطائفية والقبلية والأثنية والدينية، وفي غياب المجتمع المدني سيبقى من الصعب قيام الديمقراطية في العراق او في غيرة من دول.
وما زاد من تعقيد عملية التحول نحو الديمقراطية في العراق هو سياسات دولة الاحتلال التي كرست الانقسام الطائفي، إضافة إلى التأثير السلبي لبعض دول الجوار التي أراد البعض منها تحويله ساحة لتصفية حساباته مع الآخرين وبالذات الولايات المتحدة.

السؤال: هل التحول الديمقراطي في العراق لا يزال ممكناً، أم انه مهدد بالتآكل والانقسام وبالتالي التلاشي؟
إن إصدار الطبعة الثانية والموسعة من هذا الكتاب هي مساهمة في إنضاج فكر سياسي ديمقراطي عراقي مستفيدا من تجربة رواده الأوائل.
غسان العطية-بغداد – ايلول 2005

المقـدمة
ان الديمقراطية مفهوم سياسي ، حديث النشأة يعتمد المواطنة اساسا للمساواة بين ابناء شعب الدولة الواحدة ، ويضع قواعد لتنظيم دور السلطة في ادارة شؤون المجتمع بما يسمح للمواطن عبر مؤسسات دستورية اختيار الحاكم ومساءلته ومن ثم ضمان تداول السلطة سلميا.
فالديمقراطية بهذا المعنى تفترض المواطنة القائمة على اولوية الانتماء للوطن على انتماء اخر، طائفيا او عرقيا او قبليا. وتعتمد اللعبة الديمقراطية السياسية رضى اغلبية المحكومين وحقهم في المشاركة في صنع القرار وتنفيذه من خلال مؤسسات تمثيلية وتنفيذية تسمح بالتعددية وحرية الرأي الامر الذي يجعل من القانون المشرع برضى الاغلبية وليس الحق الالهي او ارادة الحاكم الفرد او الحزب القائد مرجعية السلطة الحاكمة.
- ان عراق اليوم هو احد نتائج الحرب العالمية الاولى التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية واحتلال ولايات الموصل وبغداد والبصرة من قبل بريطانيا.
- وان المصالح الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية لبريطانيا ساهمت اكثر من أي عامل اخر في خلق العراق الحديث من وحدة الولايات الثلاث ، الموصل وبغداد والبصرة.
- الا ان هذا لا يلغي اهمية الدور الدولي وافكار التحرر والاستقلال وحق تقرير المصير التي بشرت بها دول الحلفاء في حربها ضد دول المحور ودور الحركات السياسية المحلية الداعية للاستقلال التحرر كما تمثلت في ثورة العشرين في بلورة قناعات عراقية مشتركة ولكن دون ان تصل هذه الافكار والممارسات الى حد صهر ابناء شعب الولايات العثمانية الثلاث في كيان سياسي واجتماعي موحد الامر الذي جعل من الانتداب البريطاني القاسم المشترك الاهم بين ابناء هذه الولايات سلبا وايجابيا.
فمن الناحية السلبية كان الرفض الشعبي للسيطرة الاجنبية عامل توحيد للعراقيين كما تجلى في ثورة العشرين ولكن كان لبريطانيا دور ايجابي في بناء الدولة من خلال الشروع في بناء مؤسسات عصرية بدءاً من ترشيح فيصل بن الحسين ملكا للعراق. وبدلا من فرضه مباشرة لجأت الادارة البريطانية الى استفتاء ابناء العراق الجديد , فكانت تلك اول ممارسة ديمقراطية في تاريخ الشعب العراقي من خلال اختيار نظام الحكم والحاكم بما كرس حق الشعب في اختيار نظام الحكم والحاكم في الفكر السياسي العراقي المعاصر.
وكان القانون الاساسي العراقي ( الدستور) لعام 1925 قفزة في البناء العصري لدولة العراق الحديث فقد كان ولا يزال ذلك الدستور هو الاكثر ديمقراطية واحتراما لحقوق الانسان من أي تشريع دستوري صدر فيما بعد تاريخ العراق الحديث.
والاهم من ذلك ان هذا الدستور تم اعتماده من قبل جمعية تاسيسية منتخبة . ومرة اخرى يمكننا ان نقول وبانصاف بان ذلك البرلمان كان الاكثر حرية في اسلوب انتخابه والأكثر امانة في تمثيل ابناء العراق من أي برلمان منتخب لا حق في تاريخ العراق الملكي او الجمـهوري.
هنا اود ان اوضح ان التجربة الدستورية والبرلمانية الاولى لم تخل من عيوب ، وربما عيوب كثيرة ولكنها تبقى قياسيا بما لحق من تجارب الاكثر تقدما . سعى المشروع الفيصلي الى بناء دولة عصرية برلمانية ومن هنا تكمن اهمية مذكرة الملك فيصل الاول بشان الاحوال السياسية والاجتماعية في العراق التي وضعها لمناقشها مع نخبة من رجالات العراق المسؤولين.
ان وفاة الملك فيصل الاول المبكرة عن عمر لا يزيد عن الثانية والخمسين كانت خسارة كبيرة لا اعتقد استطاع العراق تعويضها وتاسيسا على انجازات الحكم الفيصلي الاول قامت اول تجربة حزبية عراقية في اطار برلماني سمحت بقيام معارضة وطنية الولاء.
ان الوثائق والبيانات المنشورة في هذا الكتاب والصادرة عن شخصيات سياسية عراقية بارزة هي نماذج مختارة من الادب السياسي العراقي المعارض كتبها اصحابها وهم خارج الحكم او في صفوف المعارضة . وقد تفاوتت هذه الشخصيات في مشاركتها في الحكم فرغم ان جميعها استوزر مرة او اكثر ابان العهد الملكي الا ان محمد فاضل الجمالي اصبح رئيسا للوزارة اكثر من مرة وان جميعهم من جيل تعود ولادته الى العقد الاول من القرن العشرين أي قبل ولادة الدولة العراقية.

وجميعهم شاركوا في التجربة البرلمانية كنواب منتخبين ، اشترك الجادرجي والجميل بالانتماء للحزب الوطني الديمقراطي بينما نشط الشبيبي والجمالي كمستقلين. اما على الصعيد الاجتماعي فان الجادرجي والجميل ينتميان للانتليجنتسيا ومن عوائل بغدادية لها دور في مؤسسات الدولة العثمانية بينما الشبيبي والجمالي فهما نتاج مناخ ديني - الكاظمية والنجف ومن عوائل اوليائها رجال دين بعيدين عن العمل السياسي ورغم اختلاف مشارب هذه الشخصيات الفكرية والسياسية والاجتماعية الا انهم التقوا في ايمانهم في العراق كوطن والعراقية كولاء بعيدا عن الايديولوجية وعوامل التفرقة الطائفية والعرقية.
واذا كان البناء الديمقراطي هو حصيلة تراكم لممارسة ديمقراطية فان تاريخنا العراقي المعاصر محطات وقد تكون محدودة ولكن بدون شك تصلح للدراسة والمراجعة من اجل تاسيس لنهج ديمقراطي جديد.
ان نشر هذه الوثائق والبيانات هي مشاركة في احياء ذكرى شخصيات عراقية خدمت شعبها وبذات الوقت احياء ذاكرة جيل عراقي جديد لم يعرف سوى الانظمة الدكتاتورية والعسكرية.
ولا تستقيم أي تجربة ديمقراطية بدون ديمقراطيين – في الحكم وفي المعارضة – والمعارضة بهذا المعنى مسؤولية وطنية لابد من تاطيرها في مؤسسات حزبية واعلامية يضبط عملها الدستور فالأحزاب الديمقراطية هي التي تعتمد الدستور وحمايته منطلقا لعملها وليس الوصول للسلطة باي ثمن كالانقلاب العسكري وغيره.
ومن هنا اهمية الوثائق المنشورة في هذا الكتاب والصادرة عن عدد من احزاب المعارضة العراقية ابان العهد الملكي . فهذه الاحزاب كانت تدين بالولاء للوطن ولنظام الحكم كما نص عليه الدستور وتنطلق في معارضتها للحكومة من نقد تجاوزاتها على الدستور.
كما ان رد الوصي وولي العهد الامير عبد الاله على عرائض هذه الاحزاب انطلق من الاحتكام للدستور واحترام حق هذه الاحزاب في مخاطبته ورفع مطاليبها. ان الممارسة الديمقراطية، كالتصفيق بحاجة ليدين حاكم ديمقراطي ، ومعارض ديمقراطي.
واذا كان الكثير من الحكام متهمين بحجب الحرية والديمقراطية التي نص عليها الدستور، فان العديد من المعارضين الذين طالما تشدقوا وتباكوا على الديمقرطية تحولوا بمجرد وصولهم للسلطة الى عتاة مستبدين وتاريخنا العراقي الحديث يشهد تكرار هذا المشهد عبر ماعرف
بـ "الثوارت" التي تاكل الواحدة منها ماسبقها بحجة لا "حرية لأعداء الشعب" ، حيث نصب قادتها انفسهم حكما وحاكما بذات الوقت.
أن مسيرة العمل الديمقراطي وحال الديمقراطية اشبه بحال سير وليام كرايفورد الذي قال في صناعة الاعلان: أن مهمتي اقناع الناس بسلعة لايعرفونها ولايقدرون على دفع ثمنها، وليس امامي الا التركيز والالحاح واثقا ان ذلك سيفعل فعله بالنهاية تماما مثلما نقطة المياه التي تسقط في نفس الموضع عل الحجر وتؤدي في يوما ما الى التأثير فيه وينفلق هذه الحجر الصلد.
وختاماً اعبر عن خالص شكري وتقديري للاستاذ حسين جميل الذي تفضل بتزويدي بالبعض من اوراقه الخاصة، والتي يطلع القارئ على البعض منها للمرة الاولى في صفحات هذا الكتاب. فله وللدكتور محمد فاضل الجمالي خالص الدعاء بالصحة والعمر المديد.
وان اصدار هذا الكتاب هو عرفان بدورهما ودور كافة الرواد الأوائل في انطلاق مسيرة العمل الديمقراطي في العراق.
غسان العطية - رئيس تحرير الملف العراق
لندن - 8 نيسان 1996
اصدر March 16, 2006 6:55:00 AM

ليست هناك تعليقات: