الأربعاء، 17 سبتمبر، 2008

امريكا والكيان الصهيوني صانعا سلام غير محظوظين (1-2)

ترجمة: امير جبار الساعدي

امريكا تدفع ثمن جرائم اسرائيل
يمكنك اليوم ان تجد في كل عاصمة من العواصم الدول العربية اشخاصا يؤمنون بالنظرية التي تقول بان الكيان الصهيوني هو من دبر الهجمات الارهابية على امريكا في الحادي عشر من شهر ايلول الا ان النقاد الغربيين الذين يتقدون الكيان الصهيوني لم يبلغوا ذلك المبلغ ، ومع ذلك فان العديد منهم يجادلون بقولهم ان الكيان الصهيوني ملام لوما غير مباشر وذلك بسبب الحماية التي يتلقاها من امريكا ، مما يجعل امريكا نفسها هدفا ينصب عليه الغضب الاسلامي ، وبعبارة موجزة فان امريكا تدفع ثمن جرائم الكيان الصهيوني .
ان الرواية الصريحة لهذا الجدال الفكري هي - لو لم يغضب الكيان الصهيوني العرب، لما حدث الهجوم - يمكن ان تسوي الدال بسرعة . وفي الفتوى التي اصدرها اسامة بن لادن ضد امريكا في عام 1998، بعد الاحتلال الامريكي لاراضي المملكة العربية السعودية في حب الخليج واعتداءتها المستمرة على العراق ، فانه ادرج الكيان الصهيوني بانه السبب الاخير من بين الاسباب الثلاثة التي يذكرها في حربه ضد امريكا . وكان اول عمل شنيع اقترافه هو تفجيره للسفارتين الامريكيتين في كينيا وتنزانيا في عام 1998 متزامنا مع فترة تفاؤل غير مالوفة في مسيرة التسوية بين الكيان الصهيوني وفلسطين قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية بكثير . ولقد ابدى اهتماما ضئيلا بالفلسطنيين ، ولسمعتهم فانهم ابدوا اهتماما ضئيلا به حتى الان .
ويرى لونا اخر امن الوان الجدال الفكري ان الدعم الذي تقدمه امريكا للكيان الصهيوني يشوه سمعة امريكا في العالمين العربي والمسلم ويعقد محاولاتها لبناء تحالف ضد الارهاب تعقيدا كبيرا .
وان هذه الحقيقة لا يمكن انكارها فلو لم يتم ايجاد الكيان اليهودي. لكانت علاقات امريكا مع العرب بخير حال . ان هذا ما تنبا به جيمس فوريستال وزير الخارجية الامريكي في عام 1948 عندما حاول اقناع الرئيس الامريكي هاري ترومان بعد الاعتراف بالكيان الجديد مخافة ان هذا ربما يزرع العداوة مع العرب ويعيق الوصول الامريكي لنفطهم . ولكن بما ان الكيان الصهيوني موجود فعلا وله شهادة ولادة صادرة من الامم المتحدة ، فان لامريكا كل الحق في ان تدعمه .
ان التهمة ذات الاهمية هي ان الدعم الامريكي كان ولا يزال دعما لطرف واحد ومفرطا فيه ومن خلال وجهة النظر هذه فان امريكا ساعدت الكيان الصهيوني ماليا ، ودججته بالسلاح وشجعت توسعه وغضت طرفها عن النداءات التي يوجهها ضحاياها المضطهدون وبالاخص الفلسطنيون.
وينما يدرس جورج بوش ( الصغير) الان التكلفة المحتملة في حربه ضد الارهاب ، فان معظم العرب يعتبرون هذه الحقيقة ، حقيقة بديهية . الان ان الامر ليس كذلك . والتاريخ دوما ما يعيد نفسه .
بداية بطيئة
متى قدر لهذا التحالف اللعين بين الكيان الصهيوني وامريكا ان يبدأ؟ ليس مباشرة . ففي السنوات العشرين الاولى من عمر الكيان الصهيوني كانت امريكا صديقا متعاطفا معها اكثر من حليف حميم . فالرئيس الامريكي ترومان ابقى الكيان الجديد ضمن مدى الاسلحة الامريكية . وفي عام 1957 اجبر الرئيس الامريكي ايزنهاور الكيان الصهيوني على الخروج من شبه جزيرة سيناء التي غزاها الكيان كجزء من العدوان الانجلو _ فرنسي على قناة السويس . وحتى منتصف الستينيات فان فرنسا ، وليس امريكا ، زودت الكيان الصهيوني باسلحتها . ولم تطا قدم رئيس من رؤساء الاولايات المتحدة الامريكية ارض الكيان الصهيوني الى ان ، قام ريتشارد نيكسون بذلك.
حدث التغيير في عام 1967 ، فان النصر الكبير الذي احرزه الكيان الصهيوني في حرب الايام الستة استقطب مخيلة اليهود الامريكيين ، اذ دفع بدوره الكيان الصهيوني الى تشكيل جماعه ضغط (Lobby )
[1] له في شؤون السياسة المحلية في الولايات المتحدة الامريكية وغرس لدى بعض الساسة الامريكيين الفكرة التي مفادها ان الكيان الصهيوني يمكن ان يكون عونا ذي نفع في الحرب الباردة .
وبصفته كيانا متغربا
[2] ديدنه الديمقراطية , فان الكيان الصهيوني ابلي بلاءا حسنا في امريكا اكثر مما ابلته الديكتاتوريات العربية في مصر وسوريا ذاتها التوجه السوفيتي. لكن امريكا لم تقر الفكرة التي تقول بان الاراضي الفلسطينية التي احتلتها الكيان الصهيوني في عام 1967 يمكنه الاحتفاظ بها قانونيا , ومنذ عام 1967 دعمت الولابات المتحدة الامريكية صيغة الارض مقابل السلام التي كلفها قرار مجلس الامن ذي الرقم مائتان واثنان واربعون ولقد اعلنت ادارات امريكية متعاقبة بان المستوطنات اليهودية في الاراضي الفلسطينية غير قانونية بموجب القانون الدولي وهي بذلك تعتبر عائقا للسلام .
هل ان امريكا قامت بامور اخرى بعد عام 1967 غير الكلام المنمق , لتنفيذ القرار المرقم 242؟ الا ان اولئك الذين يقولون ذلك ينسون كيف ان القضايا بين الكيان الصهيوني والعرب قد ارجئت طوال السنوات , ومنذ عام 1948 الى ان حلت مصر عقدها في عام 1979 لوحدها من بين الدول العربية فان الدول العربية الاخرى والفلسطينين رفضوا الاقرار بحق الكيان الصهيوني بالوجود تحت اي ظروف وضمن اية حدود على نحو سواء , وبالنسبة للقرار رقم (242) فان الفلسطنين رفضوا فورا , وقالت جامعة الدول العربية التي كان مقرها في الخرطوم في ذلك العام , بانه لن يكون هناك تفاوض او اعتراف او سلام مع الكيان الصهيوني اليهودي.

اربعون عاما من الرفض
طوى عدد من الحكومات العربية صفحة التصلب , ماعدا العراق وايران اللذان ما انفكا يخططان لمحي الكيان الصهيوني بيد ان للتاريخ عواقبه :فاولهما : تقديم تسهيلات اكثر للكيان الصهيوني كي يشيد مستوطناته فسابقا كان بناء العديد منها امرا بررته اسباب ستراتيجية فكان هذا شيئا منطقيا عندما كان بعض جيرانه عازمون على تدميره.
وثانيهما : كان ايقاف الدبلوماسي .
فكيف لامريكا ان تكون عادلة عندما يكون مسعى احد الاطراف هو محو الطرف الاخر ؟ استمر مسلسل الرفض العربي لفترة غير معقولة فان ياسر عرفات زعيم حركة التحرير الفلسطينية انتظر حتى عام 1988 , بعد مضي اربعون عاما وانقضاء خمسة حروب – قبل تخليه عن (الارهاب ) واعترافه بحق الكيان الصهيوني بالوجود.
كان القرار الذي ايخذه السيد عرفات عام 1988 انجازا وعندما ولدت مثل هذه الانجازات فرصا للوساطة فقد حاول معظم الرؤساء الامريكان اغتنامها فلقد نظر الرئيس الامريكي رببشارد نيكسون الى الصراع من خلال موشور حرب باردة يكون الشرق الاوسط بمثابة المكان الذي يكسب فيه عمالة دول وتتجنب حرب قوى عظمى , بل انه حتى حاول دفع انفاقيات عدم اشتراك بعد الحرب -1973
[3](Yom-Kippur war)الى شئ اكثر جوهرية . فالرئيس الامريكي جيمي كارتر, الذي يحدوه ايمان قوي في امكانية التوصل الى حل سلمي وسط , سعى سعيا حثيثا الى تحويل الرحلة المدهشة التي اجراها انور السادات الى القدس الى تسوية عربية صهونية اوسع.
فلقد كتب اتفاقية كامب ديفيد وطال التامل في خرائط صحراء سيناء , ومكافاة للطرفان على عقدهما عام 1979 يقدم مجلس الشيوخ الامريكي (الكونغرس ) سنويا مساعدة مالية قدرها ثلاثة مليارات دولار امريكي للكيان الصهيوني وملياري دولار اخرى لمصر.
[1] جماعة ضغط ( لوبي Lobby) :- وهي جماعة تمارس التاثير على اعضاء الهيئة التشريعية في مجلس الشيوخ الامريكي .
[2] متغربا (Westernised) :- وهو اتياع الاعراف والثقافة والسمات الغربية في ميادين الحياة كافة.
[3] الحرب التي شنت على الكيان الصهيوني في السادس من شهر تشرين الاول من فبل مصر وسوريا والتي انتهت بتدخل الامم المتحدة فب الرابع من نفس الشهر , و(يوم كيبور) هو مناسبة سنوية عند اليهود وتعني بالعربية يوم التكفير.
*صدرت عن مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد عام 2002

ليست هناك تعليقات: