الخميس، 24 سبتمبر، 2009

وجهات نظر في الدستور (1-2)

الباحث: أمير جبار الساعدي

المقدمة

إن إدراكنا الأهمية البالغة لصياغة الدستور الدائم للعراق، ثم إقراره من الشعب بإرادته الحرة، كونه عقداً اجتماعياً يمثل الحجر الأساس لبناء دولة المؤسسات والقانون وحق المواطنة، التي يطمح إلى إقامتها كل العراقيين، وليس الديمقراطيون وحدهم، بعد عقود من القمع والإرهاب الفاشي والدكتاتورية. كما تكمن أهمية صياغة الدستور في كونه استحقاقاً قانونياً وسياسياً حسب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية. ويشكل إنجازه في 15 آب ، ثم طرحه بعد شهرين للاستفتاء العام (بحلول 15 تشرين الأول)، حلقة حاسمة في العملية السياسية الجارية، إذ انه يهيئ الأرضية لإجراء الانتخابات الدستورية بحلول نهاية العام، لتنتهي بذلك المرحلة الانتقالية ويستعيد العراق سيادته الوطنية الكاملة وفقاً للشرعية الدولية المتمثلة بقرار مجلس الأمن(1546).

ماهو الدستور
إن الدستور هو القانون الأساسي للبلد والمشرع للقوانين الأخرى فهو بداية سلم عمل الدولة ونهاية الارتقاء بها، والوثيقة التي يستطيع بها المواطنون ممن لديهم الحقوق والسلطات برفد بعض القرارات إلى الحكومة. ويقوم بالإعلان عن هوية أية حكومة ستحظى بها الدولة والطريقة التي ستنتخب بها ودورها. يعرف الدستور ماهية الدولة و ما تستطيع القيام به وحدودها ، وما لا تقدر الحكومة من القيام به ويضمن الدستور حماية حقوق الإنسان ، تحديد سلطات الحكومة ، استجابة الحكومة للمواطن، جعل كل أفراد المجتمع العراقي متساوين أمام القانون، توضيح دور الدين في الحكومة ، التعريف عن الاتحادية (الفيدرالية) وماذا يعني ، فصل السلطات ، حماية ممتلكات المواطنين وحماية منشات الدولة. وبذلك فان الدستور يضع العديد من المبادئ المهمة التي تحكم الدولة من خلالها ،ولكن احد أهمها هو عملية الحكم استناداً إلى السيادة الشعبية أي الحصول على حكومة منتخبة من قبل الشعب إلى جانب الحكم بالقانون. مبادئ عامة لمسودة الدستور أن سقوط النظام السابق وأعتى نظام دكتاتوري والذي أزيح بتدخل أجنبي قد خلف الكثير من ألازمات التي تعصف بالبلاد حالياً لا تنتهي بإقرار الدستور العراقي المقبل والاستفتاء عليه والسبب أن العراق يمر بظروف قاسية ومريرة ، حيث يواجه أشرس هجمة إرهابية والتي تحاول بطريقة أو أخرى أن تعطل مسيرة الديمقراطية، والمضي نحو الاستقلالية والحرية. ومن هذه ألازمات ، أزمة الارتداد للثقافة الطائفية والمذهب ، والعرق ، والقومية ، وذلك يعود بالأصل إلى ضعف بل وحتى تدعيم ثقافة الانتماء العراقي الوطني التي افرزها النظم الفردي الشمولي الذي حكم العراق لثلاث عقود خلت وما لحقه من تغير على الساحة السياسية العراقية التي ساعدت على نشء هذا التوجه لوجود العديد من القوى والكتل الحزبية والسياسية التي اعتمدت في وجودها على أساس طائفي أم عرقي أم قومي إضافة إلى أن هناك من سعى لتوظيف هذه الفكرة أما غطاء له ، أو للسير مع التيار السائد. أما ألازمة الوطنية والقومية. فما هو السبيل لإزالة الاحتلال؟. هل بالانقسام الطائفي والقتل العشوائي والإرهاب البربري الذي يطال كال أطياف الشعب ولا يفرق بين طائفة أم مذهب أم عرق. أم هل يتم تحقيق رحيل هذه القوات ونحن نذبح بعضنا ، ام بالوحدة الوطنية والتعاضد في جبهة عراقية واحدة لنقول للمحتلين لقد خلعتم النظام المقبور فشكراً لكم فعليكم الجلاء عن العراق وسوف نقيم معكم علاقات تعاون متكافئة. فالخيار أمامنا هو اعتماد دستور عراقي عصري و إنساني ديمقراطي وتعددي ، فعراق المستقبل هو لجميع العراقيين يقوم على المبادئ التالية:

1. بلد حر ومستقل بدون احتلال أو هيمنة من قبل احد.

2. عراق يضم مجتمعاً يتكافأ فيه العراقيون (رجالا ونساء) متساوون في الحقوق والواجبات ويكتسي نسيجه المتين من روابط الانتماء إلى العراق أو لا وقبل كل شيء.

3. يضم مجتمعا حراً يبني مؤسساته المدنية وثقافته الوطنية والقومية بدون وصاية من فئة او حكومة ، بلد لديه مجتمع مدني يقوم بتغيير سياسية الاعتماد على الدولة نحو سياسة الاعتماد على الذات من خلال منظماته المدنية والسياسية والاجتماعية.

4. بلد ينتمي إلى أمته العربية ويتطلع إلى وحدتها تحت خيمة الديمقراطية لا الاستحواذية مع ضمان كافة حقوق القوميات الأخرى وتطلعاتها المشروعة: كما هو الحال في الاتحاد الأوربي.

5. تمتعه بدستور يضمن جميع الحقوق الإنسانية والوطنية والقومية لجميع مركبات المجتمع العراقي.

6. يقيم ديمقراطية ذات مضمون اجتماعي وذلك لصون وحدة المجتمع ولتوفير تكافئ الفرص في التعليم والصحة والضمان الاجتماعي ضد العوز والفقر والبطالة.....

7. يقيم ديمقراطية اتحادية مع الإخوة الكرد تحافظ على الوحدة الثقافية والجغرافية الدولية ومن دون تفريط بحقوق الأقليات الأخرى مع اعتماد أساليب إدارة الديمقراطية وفي مقدمتها اللامركزية في ادارة المحافظات.

8. يقيم برلمان دستوري يقوم على فصل السلطات وحكومة يعينها نواب منتخبون بالاقتراع السري المباشر من قبل جميع أبناء العراق البالغين دون استثناء. بلد تسود فيه الحرية الدينية وينتهل من الأديان وفي مقدمتها الإسلام قيم العدل و الأخلاق والفضيلة.

هذه أهم معالم المجتمع العراقي الذي نريد وعليه فلابد من دستور يعكس هذه المعالم ويصونها فمن يصنع مثل هذا الدستور؟ ومن يكتبه؟ ومن يصونه؟ ومن يعدله لمواكبة تطورات الحياة والتغيرات في مجرياتها الوطنية والقومية والعالمية.

المسألة الدستورية
إن هناك فرقا كبيرا بين ما يعرف بالعملية الدستورية من جهة وصياغته من جهة أخرى ، وإذا كانت الأخيرة فنية لا تحتاج وقتا طويلا في حال توصل أطراف العقد الدستوري لاتفاق، فان العملية الدستورية خاصة في بلد خارج من حرب أو ثورة سياسية فإنها تتطلب الوقت الكافي لمشاركة مكونات الشعب في حوار وطني شامل يفسح المجال لبحث القضايا الخلافية سعيا لإيجاد أرضية وقناعات مشتركة تؤسس لعقد سياسي سيكون بمثابة دستور للبلاد تلتزم به كافة أطراف العقد. اعتقد أن المسألة الدستورية هي التي ستلبس طبيعة ثوبها للعراق الجديد. ويمكننا ان نفرز اتجاهين أساسيين وتيارات متعددة يشكلها صراع القوى العراقية حول المسألة الدستورية:

أولا: الاتجاه الديني الذي يجمع كل القوى والأحزاب الدينية الشيعية والسنّية والتي يجمعها برغم كل الفوارق الدينية والطائفية موضوع (الشرع الإسلامي) والذي تريد تكريسه عن إيمان حقيقي به او لاستخدامه ورقة من اجل مصالح معينة، وسواء كانت تلك القوى والفئات متزمتة المواقف ام إصلاحية الرؤى فإنها جميعا تستمد قوتها من القواعد الشعبية التي يغيب عنها الوعي الدستوري والمفاهيم السياسية الحقيقية.

ثانيا: الاتجاه المدني الذي يجمع كل القوى والأحزاب السياسية والنخب العلمانية التي يجمعها برغم كل الفوارق السياسية والايديولوجية موضوع (فصل الدين عن الدولة) والذي تطمح عن إيمان حقيقي به او لاستخدامه ورقة من اجل مصالح معينة، وسواء كانت تلك القوى والنخب راديكالية المحتوى ام ليبرالية الرؤى ام قومية النزعة...فانها جميعا تستمد قوتها من حداثة تفكير النخب السياسية والمثقفة التي تتمتع الى حد كبير بالوعي السياسي والمفاهيم السياسية الحديثة. ان اي عراقي يخرج عن هذين السربين ليغّرد بعيدا عنهما فأما يكون غير مؤمن بالعراق جغرافية ومستقبلا، واما يكون مغاليا ومتعصبا لموقف او عهد او ايديولوجية ودين...واما يكون من أنصار العهد السابق الذي افتقد مصالحه ويطمح ساعيا بشتى الوسائل لإيقاف عجلة العملية السياسية برمتها (وبضمنها العملية الدستورية)...

واما ان يكون قد تضّرر جدا من كل هذه التحولات وافتقد الوعي بأهمية متغّيراتها ولم يعد يهمّه أصلا كل ما يجري من تطورات او تراجعات معا!. لا يكفي ان ندعو الناس او ممثليهم الى المساهمة في وضع الدستور أي للتعبير عن تصوراتهم لما يرغبون فيه من حياة اجتماعية وسياسية واقتصادية. اذ لابد من طرح رؤى وبدائل نظرية وعملية حول المجتمع السياسي الاجتماعي الاقتصادي الساعين لبنائه. فإذا كان الخيار الواضح هو اقامة نظام ديمقراطي تعددي فما هي طبيعته ؟ وما هي مضامينه ؟ وما هي الحدود والأفاق لتحقيقه في مجتمعنا المتعدد الأطياف والأعراق؟ وعليه لابد من ان تنشط الأحزاب والمنظمات والمرجعيات الفكرية والثقافية وكل الاختصاصات العليا لتوضيح او حتى للدعوة الى النظام الديمقراطي وماهيته وحدوده، حتى وان اختلفوا في قناعاتهم حول آليات بل وحتى حول جدوى تطبيق النظام الديمقراطي بالكامل وربما تتطلب الحكمة الفكرية عدم الوثوق بالأفكار المجردة والعامة لابد من الإدراك بان الدستور هو ليس النظام الديمقراطي بذاته بل هو مجرد نصوص رصينة تعرف عناصر ومواصفات النظام الديمقراطي فتنص على الحريات مثلا بعد تشخيصها وتحديدها او اطلاقتها حسب أنواعها وعلى ذلك فان وضع الدستور يستلزم مايلي:
أصدرت: Wednesday, September 21, 2005

ليست هناك تعليقات: