الأحد، 8 فبراير 2009

النظام الراسمالي الجديد في البرازيل لا سبيل للعودة(1-3)

ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

تلقي هذه الترجمة الضوء على السياسيات الاقتصادية في امريكا الجنوبية متمثلة بالنموذج البرازيلي الجديد مثالا على هذه السياسيات وما تواجه من صعوبات واصلاحات من قبل رجال السياسة والاقتصاد.

بقلم خوان دو اونيس
[1]
لا سبيل للعودة
ولجت البرازيل في العقد الماضي المراحل الاولى من اعادة تنظيم النظام الراسمالي الحديث وعلى الرغم من ان التحول الاقتصادي في البلاد كان تدريجيا الا ان البرازيل تمكنت من تفادي النكسات التي شلت اقتصادها ومع ذلك فان البرازيل تبدو للعديد من المراقبين انها تعيش طور سحب نفسها من عقدين محبطين تميزت بالركود الاقتصادي والاضطرابات السياسية على الرغم من ذلك ليس كل المراقبين يقبلون هذه التغيرات بحماسة خالصة , فاليسار السياسي يمقت ما يصوره على انه دمار ليبرالي جديد للتنمية القومية في البرازيل عن طريق النظام الراسمالي الدولي. ولكن اذا ما استثنينا ما يفضله اليساريون فان الجميع يتفق ان التغيير في النهاية سيحدث. وكما يقول المؤرخ الاقتصادي البرازيلي ريكاردو بيلجوسكي ان النموذج الاقتصادي البرازيلي الجديد يختلف اختلافا جذريا عن سابقه . ففي النموذج الاقتصادي الجديد يملك المستثمرون الحرية للقيام بخياراتهم الاستثمارية المستندة على متغيرات السوق, وبالطبع فان استخدام المستثمرون حريتهم الجديدة لتعيين المصادر الفعالة يبقى غير اكيد.
ان ما يجعل التحول الاقتصادي في البرازيل تحولا هو ان الاصلاحات اليوم في البرازيل تخالف النموذج الاقتصادي الذي ساد لمدة 50 عاما تقريبا , لقد علقت البرازيل امالها في الفترة الواقعة بين 1940-1989 على صيغة الروح التجارية القومية
[2] Mercantilisim والتي عملت من خلال سيطرة الدولة على التجارة والاعتمادات وتدير الدولة مركزيا المشاريع التي تصب على البنى التحتية والخدمات بينما تحمي وتقدم الاعانات المالية للصناعة والزراعة وتشكل قطاع خاص تابع لها.
وصف ايجيو كدين وهو من مناصري الليبرالية الاقتصادية
[3] في العام 1974 هذا النظام الاقتصادي الفريد على انه راسمالي في المبدا ولكن يتميز بسيطرة اكبر للدولة من اي بلد اخر غير شرعي.
ويشجع النموذج القديم التنمية الصناعية معتمدا على الاسواق الداخلية الكبيرة للبلد كما يقدم بعض التحسينات الهامة والاستراتيجية في النفط والطاقة والزراعة حيث وصل معدل النمو الاقتصادي الى اكثر من (6%) خلال السنة الواحدة وفي غضون ثلاث عقود.
ولكن في العام 1980 بدا نمو البرازيل النشيط بالتعثر عندما تعرض اقتصادها لموجات من التضخم المفرط, وما يجعل الامور اسوء هو جبل من الديون الخارجية غير المدفوعة وفساط مستوطن وتبديد مزمن لراس المال جميعها قوضت النظام المالي ، وعندما اغلق الباب بوجه البرازيل للاستفادة من القروض الخارجية خلال ازمة الديون في الثمانينات فان المركز الاقتصادي للدولة اتجه نحو الافلاس ، ولم تستانف البرازيل دعم نمو النموذج القديم منذ ذلك الحين.
اما اليوم فالحالة هي العكس حيث ان اصلاحات النموذج الجديد قدمها الرئيس فرناندو هنيريكو كاردوسو ميزت الاقتصاد السياسي الذي اخدت فيه المشاريع الخاصة بما فيها الاستثمار الاجنبي على عاتقها مسؤولية واسعة في التنمية الاقتصادية ولقد بدا دور الدولة البرازيلية في السوق الحرة ياخذ تعريفا جديدا حيث بدا التركيز في الانفاق العام يتحول باتجاه تحسين التعليم الخدمات باداراتها التسهيلات الائتمانية العامة المهمة وانتاج النفط والطاقة الكهربائية وتنظيم الخدمات العامة ولكن المنظمون يعترفون بحقيقة ان المستثمرون في القطاع الخاص يجب ان يكونوا قادرين على الحصول على الارباح اذا ما قاموا بتوسيع عرض السلع والخدمات في سوق سريعية النمو.
وعن طريق هذه الشراكة الجديدة بين القطاعين العام والقطاع الخاص ستصبح الدولة قادرة على تسهيل مبادرات القطاع الخاص التي توفر راس المال والكفاءات العامة . واتضحت علامات نشوء الراسمالية باعادة تنظيم: حركة الاموال ، تحرير التجارة ، الخصخصة وتقليص دور الدولة في قطاعات الانتاج الاقتصادي ، تقوية نظام البنوك الخاصة، نمو اسواق المال والاستثمارات الخارجية الكبيرة.
ويبقى تحول البرازيل الى بلد اقتصادي راسمالي متطور امرا غير تام حيث ان العديد من التقويمات الحالية لاقتصاد البرازيل هي ذات طابع حذر ويخيم عليها ظلال البرازيل الطويل المؤلم من البدايات الزائفة باتجاه الاستقرار النقدي والاصلاحات الاقتصادية. ان انجاز اي من اهداف البرازيل الاقتصادية المرجوة يعتمد على التنفيذ الناجح لاصلاحات كاردوسو والجارية الان. وان اي شئ يوقف اندماج كل من الاستقرار النقدي والذي يعتمد على النظام المالي واستئناف النمو الاقتصادي من دون تضخم سوف يترك البرازيل ضعيفة جدا لان تلعب دورا اقليميا او عالميا.

مستقبل البرازيل يبشر بخير
لماذا تجتذب البرازيل اهتمام العالم ؟
اولا: لان فرص الحصول على الاموال الكبيرة. حيث يبلغ سكان البرازيل اكثر من 165 مليون نسمة وان اقتصادها يحتل المرتبة العاشرة – اكبر حتى من اقتصاد روسيا.
فللبرازيل سوق محلية تخدمها انظمة ائتمان متطورة ويحوي قطاع الاتصالات الالكترونية عشرة ملايين مستخدم للانترنيت. وقاعدة البلد الصناعية الى حد بعيد هي الاكبر والاكثر تنوعا في امريكا اللاتينية وتتحرك بسرعة باتجاه التكنلوجيا المتقدمة ، اما الزراعة التجارية فهي الاخرى حديثة وتنافس عالميا في منتجات السكر وعصير البرتقال والقهوة والبروتينات الحيوانية المعالجة صناعيا وهناك امال كبيرة في توسعها. ومن بين الاسواق الكبرى الناشئة والتي تضم الصين والهند واندونيسا تمتلك البرازيل افضل الامكانيات الاقتصادية والسياسية لان تصبح حديثا "الاولى عالميا" اقتصاديا ، وهذا هو الرهان الذي يراهن عليه المستثمرون الاجانب والذين استثمروا ما يقارب 300 بليون دولار امريكي في الاسهم والقروض حتى هذا اليوم.
ثانيا: تغطي مساحة البرازيل طبيعيا اكثر من بصف امريكا الجنوبية وتشترك بحدودها مع تسعة دول مجاورة فهي بذلك تصبح مفتاح امان القارة.
ان هذه السياسة الجغرافية تجعل من البرازيل البلد الحيوي في تعزيز وتطوير سوق اقليمية مشتركة مجتمع مستقر سياسيا في امريكا الجنوبية . وعلاوة على ذلك ان اتحاد هذه المنطقة واندماجها بالاقتصاد العالمي كمنطقة تمر من خلالها التجارة يدخل في صميم المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الامريكية واوروبا.
ثالثا: ان البرازيل واحدة من اهم البلدان التي يجري عليها الاختبار للتحول الى الاسواق الحرة في العالم النامي اضافة الى التجارة المفتوحة والمشاريع الخاصة ، فنجاح هذه الانظمة في البرازيل سيكون له تاثيرا سياسيا تصل ابعاده خارج حدود المنطقة خصوصا الى افريقيا التي تربطها بالبرازيل روابط عرفية وثقافية وتاريخية اضافة الى التقارب الجغرافي ، وكانت البرازيل تطور علاقتها سلفا مع نيجيريا وجنوب افريقيا وموزمبيق والتي ترى فيهم بشائر نجاح الشراكة التجارية.

اللوم يقع على خطة الواقع Reals plan
تم اعادة انتخاب الرئيس كاردوسو لولاية جديدة اربعة سنوات وباغلبية ساحقة في شهر تشرين الاول من عام 1998 وكانت هذه المرة الثانية التي يهزم فيها مرشح اليسار المفضل لويز ايناسيو الرئيس الاقدم لاتحاد عمال السيارات والذي يراس حزب العمال. ومع ذلك لم يكن طريقه الى النصر هذه المرة مفروشا بالورد. فبينما فترة ولايته الاولى على وشك الانتهاء كان كاردوسو-وهو عضو في الحزب البرازيلي الديمقراطي الاشتراكي PSOB يمتطي صهوة نجاح خطة الريال في عام 1994 Real plan والتي عملت في ان واحد على تذليل التضخم وتحسين القوة الشرائية من ذوي الدخول المحدودة الواطئة حيث هزمت خطة الريال التضخم ابتداء بالغاء فهرست الاسعار والاجور ولقد تتحقق الاستقرار النقدي بسبب فرض الضرائب العالية ورفع اسعار الفائدة والتي شملت طلب المستهلك.

[1] خوان دواونيس هو مراسل سابق لصحفتين نيويورك تايمز ولوس انجلس وحاليا يعتكف على كتابة كتاب عن البرازيل.
[2] الروح التجارية: وهو نظام اقتصادي نشا في اوربا خلال تفسخ الاقطاعية لتعزيز ثروة الدولة عن طريق التنظيم الحكومي الصارم لكامل الاقتصاد الوطني وانتهاج سياسيات تهدف الى تطوير الزراعة والصناعة وانشاء الاحتكارات التجارية الخارجية.
[3] نظرية في الاقتصاد تؤكد على الحرية الفردية وتقوم عادة على المنافسة الحرة وقاعدة الذهب.
علما بأن جميع النصوص قد تم نشرها قي مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد كلاُ حسب سنة أصداره.

ليست هناك تعليقات: