السبت، 26 سبتمبر، 2009

الماء لا النفط ديدن أزمة القرن الحادي والعشرين(1-2)

الماء لا النفط ديدن أزمة القرن الحادي والعشرين(1)
بقلم: ناروتام كان
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

كان هناك وعياً متزايداً في السنوات الأخيرة حول العلاقة بين تدهور الوضع البيئي وندرة الموارد من جهة، وبين ما يترتب عن ذلك من صراع على المستويين الإقليمي والدولي وسيكون الماء الذي يعد مورداً متجدداً سبباً رئيساً للصراع في القرن الحادي والعشرين.
بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي صرف العالم تركيزه عن الصراع السياسي العسكري بين الدولتين العظيمتين إذ برز قلق متنام حول العلاقة بين تدهور الوضع البيئي وندرة الموارد من جهة والسياسات والنزاعات الإقليمية والدولية من جهة أخرى وتطلب هذا تدارس أساس التفكير التقليدي والعسكري بحد ذاته وطرح جدالا قوياً يصب في مصلحة الربط بين المشاكل البيئة مع الخلافات السياسية وحالات التوتر المستقبلية أو حتى حالتي الحرب والسلم، وفي خضم النقاش الدائر يزداد التأكيد شيئا فشيئا على إن ندرة الموارد وتدهور الوضع البيئي هما عاملان غاية في الأهمية في المساهمة في الاضطراب السياسي أو الصراع العنيف على المستويات المحلية والإقليمية وتلك التي بين الدول المتجاورة لقد أصبحت العلاقة بين الصراع العنيف(الإقليمي والدولي) وبين تدهور الوضع البيئي أو ندرة الموارد قضية ذات صلة بالحقل الدولي وظهر في الوقت الحاضر العديد من المصادر حول هذا الموضوع، إما أقدم الوثائق التي حذرت من الصراع فكان تقرير براند لاند بعنوان(مستقبلنا المشارك) إذ ذكر فيه يعد الإجهاد البيئي سبب ومسبب بفعل حالات التوتر السياسي والصراعات العسكرية، فالدول تتقاتل فيما بينها لغرض بسط سيطرتها أو لمقاومتها محاولات دول أخرى في فرض سيطرتها على الموارد الأولية ومصادر الطاقة والأراضي وأحواض الأنهار والممرات البحرية والموارد البيئية الرئيسية الأخرى "ويضيف التقرير" من المحتمل إن تزداد مثل هذه الصراعات كلما أصبحت هذه الموارد أكثر ندرة وكلما ازداد التنافس عليها
(2) ويطرح ليبزيفسكي تعريفا أدق للصراع البيئي بقوله "إن الصراع" البيئي هو صراع ناجم عن الندرة البيئية لمورد معين، وهذا يعني بأنه ناجم عن اضطراب في المعدل الطبيعي لإعادة تولد ذلك المورد يعود ذلك المورد يعود سببه إلى تدخل الإنسان. ويمكن أن تنتج الندرة البيئية بفضل الاستخدام المفرط للمصدر المتجدد أو جراء استنزاف قدرة النظام البيئي على توليد هذه الموارد إلا إن ذلك هو التلوث وكلا الأمرين يحيلان الحياة على الأرض إلى خراب.

الشح البيئي ورداءة الماء
أصبحت ندرة الموارد الصفة الشاخصة أمام الوجود الإنساني وبالحقيقة أصبحت ندرة الموارد المتجددة شديدة جداً بشكل يمثل تهديداً خطيراً على بناء الجنس البشري ويقول هومر ديكسن إن هناك ثلاثة عوامل قد تودي إلى الندرة في الموارد هي
(3):
1. الندرة الناجمة عن العرض.
2. الندرة الناجمة عن الطلب.
3. الندرة التركيبية.
1. الندرة الناجمة عن العرض تحدث وتزداد سوءاً عندما تتقلص قاعدة المورد بفعل تردي النوعية ونفاذ الكمية وان أي زيادة في الندرة الناجمة عن العرض التي يسببها الإنسان هي في الواقع حصيلة ثلاثة عوامل هي:
‌أ. إجمالي عدد البشر القاطنين في المنطقة.
‌ب. الاستخدام الفردي لكل ضرب من ضروب التكنولوجيا المتاحة للسكان.
‌ج. مقدار ما يستهلك وما يستنزف من الموارد نتيجة لاستخدام كل وحدة من وحدات التكنولوجيا فقد تنضب او تستنفذ الموارد المتجددة لا بفعل الاستهلاك المباشر فحسب بل بفعل العمليات التكنولوجية التي تضر بالموارد ضرراً غير مباشر أيضا.
إن أنموذج التنمية الغربية الذي يعتمد على التصنيع واستخراج الموارد غير المتجددة قد يشكل تأثيرات هائلة وغير مباشرة على الموارد المتجددة جراء رداءة الماء والتلوث.


2. وتظهر القدرة الناجمة عن الطلب عندما يشكل السكان الآخذين بالتزايد طلباً على موارد محدودة إذ إن زيادة الطلب من قبل الفرد أو السكان تؤدي الى زيادة إجمالي الطلب على الموارد وعلى سبيل المثال فعند ازدياد العدد الكلي لسكان يعيشون في منطقة جافة مع بقاء جميع الأشياء الأخرى متساوية، سيزداد عندئذ إجمالي الطلب على الماء، أو إن عدداً ثابتاً من السكان يزيدوا من طلبهم الكلي على الماء نتيجة لتبني تقنيات زراعية حديثة ففي كلتا الحالتين وعند توفر مورد مائي ثابت أو محدود ستزداد ندرة الماء، إما إذا تردت نوعية الماء أو تلوث تلوثاً صناعياً ستتضاعف عندئذ مشكلة ندرة الماء، وهكذا فان الزيادة في حجم السكان والزيادة في طلب الفرد على مورد محدود قد يؤدي الى نضوب الموارد ورداءتها.

3. إما الندرة التركيبية فتحصل بسبب التوزيع المتفاوت للموارد: أي تجمع الموارد لدى بعض الجماعات البشرية بينما تعاني الجماعات الأخرى من وقوعها دون متوسط معدل الندرة ويمثل التنافس المتزايد على الماء العذب تهديداً كبيراً للأمن البشري في شتى أرجاء المعمورة ويذكر (ميكياسو ناكايامو) "إن الماء قد يثبت نفسه كمصدر الصراع في القرن الحادي والعشرين"(4).
ومن المؤكد أن تتزايد ندرة الماء الناجمة عن العرض طالما استمرت الزيادة في عدد سكان العالم والازدياد المطرد لمستويات الاستهلاك.
وطبقاً لإجراءات أجراها المعهد العالمي للموارد ( WRI) في عامي (1990-1991) فسوف يستهلك الإنسان قرابة 4250 كم2 من الماء العذب سنوياً من موارد مختلفة ويعيد قرابة 1700 كم2 من هذه الموارد بحالة ملوثة ويزداد هذا المعدل للاستهلاك بمعدل 2-3% سنوياً، وتصل القيمة الإجمالية لموارد الأنهار الى قرابة 2000كم2 في كل مرة ولكن نظراً لدورة الماء المستمرة بين الغلاف الجوي وسطح الأرض فأن الكمية السنوية التي توفرها الأنهار تبلغ 40000كم2 تقريباً، ورغم إن الأرقام الإجمالية تشير إلى وجود مياه غزيرة، إلا إن هنالك اختلافات كبيرة في وفرة المياه بين المناطق إذ توجد عدة مناطق بضمنها اغلب دول أوربا وأجزاء واسعة من الولايات المتحدة والأقاليم الشمالية الغربية من الصين وحوض الكانكا في الهند وسكان هذه المناطق في الواقع يستهلكون جميع مياه الأنهر النابعة في أراضيهم ويهدد النمو السكاني المطرد في عدد من الدول النامية ذات الأراضي الجافة بتخفيض حصة الماء الى اقل من 1000كم2 من الماء للشخص الواحد سنوياً والذي يعد أدنى مما هو ضروري لحياة ملائمة في بلد متقدم نسبياً.

وكمعدل فأن حصة الماء تنخفض تحت مستوى 1000كم2 في الدول النامية مما يعني إن نسبة كبيرة من السكان ستعاني مشاكل خطيرة من المياه كما ستحدد رقعة أرواء المساحة المزروعة مستقبلاً مما يضطر العوائل الريفية أن تقطع مسافة بعيدة عن قراهم سيراً على الأقدام لجلب المياه من البرك والجداول وسيعاني المقيمون غير الشرعيون في المستوطنات الحضرية وفي الأحياء الفقيرة من عدم توفر الماء الكافي للحاجات الصحية الأساسية.
ويبرز الغموض في هذه التوقعات لاحتمال تغير المناخ بفعل الغازات السامة، إذ سيقلب مجمل تجهيز المياه، ويواجه الشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا شح في المياه لان سكان هذه المناطق يزدادون ازدياداً مطرداً بينما المياه فيها شحيحة جداً.
وإذا أخذنا العالم بنحو الإجمال، يقول توم كاردنر في كتابه "الماء المتجدد يقلص الشح: تحديث ثان "إن عدد السكان الذين يعيشون في بلدان تعاني من ضغط مشكلة الماء أو من شح مياه مزمنة قد وصل الى 430 مليون تقريباً عام 1997، أي انه بحلول عام 2025 وإذا أخذنا بالاعتبار متوسط توقعات الأمم المتحدة بشأن السكان فمن المتوقع أن يزداد العدد إلى ثلاثة مليارات، ويظهر الجدول (1) المناطق الأكثر احتمالاً لبروز أزمات المياه في العقد القادم بسبب النمو السكاني.
ثم تخمين الحصة المائية لعام 2025 باللجوء الى متوسط توقعات الأمم المتحدة التي تم الحصول عليها من قسم السكان التابع للأمم المتحدة، توقعات السكان في العالم، مؤشرات الإحصائيات السكانية المنقحة لعام 1996 و1950، 2025 ديكوز-1-4 (نيويورك، الأمم المتحدة، 1996).
إن تأثير حالات الندرة الناجمة عن العرض في الماء العذب على إنتاجية القطاع الزراعي والصحة والتنمية الاقتصادية تأثيراً خطيراً جداً كما إن ملوحة وتلوث الماء فيه يؤثر تأثيراً خطيراً على الإنتاج الغذائي إذ يشكل ذلك ضرراً بالصحة، وتساهم تجهيزات المياه غير الكافية والملوثة بتفاقم حالات عدوى أمراض الجهاز الهضمي والأمراض الطفيلية.

الشح البيئي وأثاره الاجتماعية:
ترتبط الأنواع الثلاثة لحالات الشح البيئي مع بعضها البعض ويظهر نموذجان من التفاعل فيما بينها وهما:
انتزاع وتهميش المورد ، ويحصل انتزاع المورد عن حدوث تدهور في نوعية وكمية المورد المتجدد إلى جانب النمو السكاني وهذا يدفع بالجماعات القوية داخل المجتمع إلى تحويل توزيع الموارد لصالحهم معرضين. بذلك الجماعات الفقيرة والضعيفة إلى ندرة بيئية خطيرة بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية الأخرى التي تولد ضرراً صحياً إما التهميش البيئي فيحدث عندما يؤدي إلى الاستخدام غير المتساوي للموارد مقترناً مع النمو السكاني مسبباً الهجرة إلى مناطق مثل المنحدرات العالية والغابات المطرية الاستوائية والمناطق الحضرية ومناطق أخرى ذات بيئة تعد هشة من الناحية البيئية وقد تسبب الندرة البيئية وأنواع تفاعلها المختلفة بما فيها النوعين المذكورين أعلاه تغيرات لا حصر لها في المجتمعات النامية.
وقد حدد هومر دكسون خمسة أثار اجتماعية قد تؤدي بمجموعها أو كل على حدة إلى زيادة نسبة العنف في المجتمعات النامية(5).

* الإنتاج الزراعي المقيد.
* انخفاض الإنتاج الاقتصادي.
* هجرة الأشخاص المهمين للبحث عن فرص حياة أفضل.
* تقطيع اكبر للمجتمع الى جانب الانقسامات العرقية الموجودة أصلا.
* تمزق المؤسسات الحكومية منها خاصة.
ترتبط هذه الآثار غالباً مع بعضها البعض وأحيانا تربطها علاقة استرجاعية وعلى سبيل المثال إن الهجرة التي سببها الانخفاض في الإنتاج الغذائي قد تقلص عدد العمال الموجودين للعمل في الحقول وتسبب انخفاضاً اكبر في الإنتاج الغذائي وقد يدفع التدهور الاقتصادي الأشخاص ذوي الشهادة والثروة للسفر الى داخل أو خارج البلاد وهذا بدوره يضعف الجامعات والمحاكم ومؤسسات الإدارة الاقتصادية التي تمثل ركائز الاقتصاد القوي.
الصراع العنيف هو احد الآثار السلبية للشح البيئي، ويمكن فهم صراع الدول حول المواد الطبيعية وفق النموذج الواقعي التقليدي (أو ميزان القوى) لنظرية العلاقات الدولية، ويقول كل من نازلي كورسي وروبرت نورث إن الدول التي تواجه طلبات عالية على الموارد ومحدودية
وفرة الموارد داخل أراضيها ستسعى إلى الموارد الضرورية من خلال التجارة أو الاستيلاء على ارض خارج حدودها. يبدو إن أربعة من الموارد في الأخص هي الأكثر احتمالاً لإشعال صراعات الندرة البسيطة وبالتحديد هي الأراضي ذات الإنتاج الزراعي والغابات ومياه الأنهار وصيد الأسماك. ينشأ صراع الشح البسيط مباشرة من الاستخدام المفرط للموارد الطبيعية المتجددة أو تلويثها أو تدميرها أو كلاهما معاً.

* مركز الدراسات الدولية/جامعة بغداد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة الشؤون الدولية العدد الثالث الصادر في اب 2002، (Water not Oil Crisis of the Twenty first Century)
(2) تقرير براند لاند 1987
(3) ديكسن، توماس، اف هومر ، البيئة والندرة والعنف، برنستون، نيوجرسي، برنستون ونفيرستي بيرس 1999/ ص48.
(4) ناكايامو، ميكياسو، الماء والقرن الحادي والعشرين، 5 النفط، العمل في تقدم، جامعة الامم المتحدة المجلد الخامس عشر، العدد الثاني، شتاء عام 1998، ص8.
(5) (دكسون، توكاس اف هومر، البيئة والشحة والعنف، بدنستون، نيوجرسي، بدنستون يونفيرستي بريس، 1999، ص48).

ليست هناك تعليقات: