السبت، 3 أكتوبر 2009

أربعة حروب والعد مستمر (2-10)

إعادة النظر في المعنى الأستراتيجي للحرب على العراق
أنتوني . كورد سمان
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي


خامساً: لقد كان استعراض تقرير الدفاع المنجز لاأربع سنوات، محقاً في تأكيده على خطر الحرب غير المتكافئة ضد الولايات المتحدة على الرغم من قوتها التقليدية. مع ذلك أخفق في تجاوزالتعريف الضيق لمشاكل القتال الى مشاكل الأحتواء والردع وأنهاء النزاع والبناء المسلح للدولة. إذ تنبع أغلب المشاكل الحالية في العراق من حقيقة أن وزارة الدفاع وادارة بوش لم يتهيأ بصورة جيدة لأنهاء النزاع وبناء الدولة والتهديدات المحدودة بعد هزيمة القوات العسكرية النظامية لصدام على قدر ما تهيأوا جيداً لتنفيذ هذه الهزيمة. كما تشمل فاتورة الثمن أكثر من مجرد دولارات. أنها تقاسم المسؤولية عن كل حقيبة جثة أمريكية تنقل بالطائرة من العراق ونفس الشيء يقال وأن كان بدرجة أقل عن الوضع في أفغانستان والمشكلة ليست بجديدة. فقد فشلت أمريكا في كل من بناء الدولة و"فتنمة" الشعب في فيتنام. وفشلت في لبنان مطلع الثمانينات وفشلت في هايتي وفشلت في الصومال.
وقد يكون مستوى رهانات الأشتراك وتكاليفه للولايات المتحدة أقل بكثير من بعض هذه الحالات ولكن تبقى الحقيقة أن الولايات المتحدة فشلت.

سادساً: أن مجرد زيادة القوات أو الاسلحة لن تحل مشاكل أمريكا بل ما سيفعل ذلك هو أكثر من محاولة أستخدام التكنولوجيا لجعل القوات الأمريكية أصغر وأكثر فعالية فقد أدت الحرب في أفغانستان الى التأكيد على أسلوب استخدام القوة الجوية التي أخفقت الأن بوضوح لأنها لم تتمكن من فرض الأمن في البلد أو التعامل مع قوات طالبان والقاعدة التي تكيفت وأنتشرت بسرعة. وبدأت حرب العراق بقوات برية تقليدية قوية ثم تحولت الى معركة جوية برية شديدة. لقد اشتركت كل القوة الجوية، القوات المدرعة، الاستخبارات الأمنية والصواريخ والدقة في شهر نيسان واظهرت بذلك أن القوات التي تستخدم التقنية العالية يمكنها هزيمة القوات التقليدية ذات التقنية الأقل هزيمة نكراء بغض النظر عن عدد القوات وأنواع نسب القوة التي كانت حاسمة فيما مضى من نزاعات.
مع ذلك لا يمكن التعامل مع مشكلة القوات وتكلفتها من خلال تحويل القوة الى نوع واحد من قتال الحروب. وكما ناقشنا سابقاً فقد أجبرت الولايات المتحدة أخيراً الى اعادة اختراع طريقة تستخدم بواسطتها قواتها منذ سقوط نظام صدام. لقد فشلت التكنولوجيا والتأكيد على تدمير الأهداف الصعبة للعدو وأنظمة الاسلحة المهمة عندما أصبحت المشكلة هي أنهاء النزاع والبناء المسلح للدولة والحرب المحدودة.
ويتطلب البناء والواجبات البارزة الأن قوات بارعة للغاية ذات مهارات ميدانية ممتازة ويتكلمون لغات عدة ومتدربين على العمل المدني وبناء الدولة الى جانب قتال حرب العصابات. مع ذلك فمثل هذه القوات ستحظى بقيمة قليلة في الحالتين الطارئتين في كل من كوريا وتايوان. وتحتاج الولايات المتحدة الى التوقف والتفكير بمسألة النوعية قبل أن تفعل أي شي بشأن عدد القوات. والحقيقة أن قوات تبلغ 200 الف جندي تحت التدريب في العراق ليس بأفضل من 150 الف جندي. كما أنه لاجدوى من أمتلاك مقاتلات F.22 بدلاً من مقاتلات F15.

سابعاً: على الولايات المتحدة أن تتعلم من قضيتي العراق وأفغانستان أن تحول القوة على أساس التكنولوجيا والثورة في الشؤون العسكرية هي أدوات ذات قيود صارمة واحيأناً مدمرة. فأن القدرة على تقديم تغطية العالم بنظام الاستخبارات والصواريخ ذات قيمة كبيرة، لكنها لا تعني القدرة على فهم العالم والتعامل مع القضايا السياسية المعقدة والقتال بضراوة في مواجهة الإرهاب والعديد من اشكال النزاع المحدود والحرب غير المتكافئة والحاجة الى التعامل مع مسائل أنهاء النزاع وأحلال السلام أو حماية بناء الدولة.
كما أن القدرة على استخدام الأسلحة الدقيقة وتقنيات المروحيات والعربات المصحفة لتدمير قوات العدو التقليدية وتوجيه الضربات على الأهداف الثابتة على مدار الساعة هي كذلك ذات قيمة تكتيكية كبيرة، لكنها لا تعني أن هزيمة قوات العدو التقليدية هي تعد أنتصاراً حقاً، كما أن قلة معرفة الولايات المتحدة بما تضربه في مجال القصف الأستراتيجي وجوانب عدة من إصابة خطوط التموين هي ذاتها التي كانت اثناء الحرب العالمية الثانية.
وهناك أيضاً اسباب وجيهة للسؤال عما إذا كانت العديد من جوانب حرب مركزية التكنولوجيا هي أكثر بقليل من اسطورة تصورية، وعن أخفاء المكافئ العسكري لـ"ملابس الامبرطور الجديدة" في غابة كثيفة من الرقائق المبهمة لبرنامج
"power point" لا يمكن ترجمتها الى أنظمة يمكن الحصول عليها، وواجبات بشرية عملية وخطط دفاعية سنوية مستقبلية يمكن تحملها. وعملياً ربما تكون هناك حاجة لاستخدام فاعلية أكثر للأنظمة الموروثة والتحسينات التطورية في الاسلحة والتكنولوجيا من أجل دعم اشكال "المركزية البشرية" للعمل العسكري التي تتطلب ذكاء بشرياً وبراعات ميدانية واسعة وتدريب وخبرة بمستويات فائقة وقيادة فعالة ليس في هزيمة العدو في المعركة فحسب، بل أيضاً في أحلال السلام.
وهذا بدوره يعني أنشاء قوات عسكرية ذات خبرة واسعة في العمل المدني والعسكري والتي يمكنها استخدام المعونات بنفس فعالية استخدامها للاسلحة – المال الى جانب السلاح ، ويعني أيضاً اعادة تعريف الإمكانية المتبادلة لادراك أن القوات المتحالفة ذات التكنولوجيا البسيطة غالباً ما تكون بنفس فعالية القوات الأمريكية ذات التكنولوجيا المتقدمة وربما أكثر فعالية في قيامها بمهام كهذه.
ثامناً: على الولايات المتحدة أن تتخذ بعض القرارات المصيرية بشأن الموارد.فرغم الزيادات الحالية الكبيرة في ميزانية الدفاع، إلا أن الخطة العسكرية الحالية ليست طويلة الأمد تماماً. وستكون ميزانية الدفاع الحقيقة في السنة المالية
(2004) بمستوى أقل من قيمة الدولار الحقيقية في التسعينات لكن حصة المشتريات والبحوث التكنولوجية الالكترونية المتقدمة ستكون أقل بنسبة (10-15 %) من قيمة الأنفاق كما تزداد قيم الدولار الثابت للبرامج الكبيرة ازدياداً مطرداً.
أن حقيقة أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تقترب من تمويل كل من المستويات المدروسة للقوة وخطط تحسين القوة واضحة جداً أنها لا تناسب مستوى السر الأسوء كتمانا. لقد توقف الجميع رغم تجاربهم البسيطة من الاعتقاد عن التكاليف المتوقعة للتجهيز منذ زمن طويل كما يتضح أيضاً أن الولايات المتحدة تواجه سنوات من النزاعات غير المتوقعة والعديد منها يشمل حفظ السلام المسلح وبناء الدولة، والعديد يعيد التفكير في مسألة الردع من خلال التسلح. وهذه ليست مسألة مليارات الدولارات، بل مسألة عدة نسب من الناتج القومي الاجمالي للولايات المتحدة.

تاسعاً: لا تتحمل الولايات المتحدة فرعاً تنفيذياً يسمح ببروز أقسام بارزة بين الوزرات الكبيرة مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس أمن قومي لا ينفذ التنسيق بينهما أن "الاشتراك" ليس مجرد قضية في اعادة هيكلة الجيش الأمريكي. بل يجب أن يحدث داخل الفرع التنفيذي برمته وكذلك على المستوى المدني – العسكري. وقد كشفت حرب العراق أن الغاية النهائية من السماح لكوادر صغيرة في مكتب وزير الدفاع ونائب الرئيس ومجلس الأمن القومي، كان السماح لكوادر غير كفؤة فكرياً بأهمال عملية الأمن القومي الأمريكي بطرق أدت الى أخفاقات فضيعة في المهام الأستراتيجية البارزة كانهاء النزاع وبناء الدولة مع ذلك فقد حدثت أخفاقات في نطاق واسع فعلياً في كل جوانب التزامات الولايات المتحدة الأستراتيجية ودبلوماسيتها ومنها الجوانب الحاسمة مثل التسلح المضاد وعملية السلام العربية – "الإسرائيلية".
وهذا الافتقاد "اللاشتراك" في فريق الأمن القومي لادارة بوش يجعل منه أسوء فريق لحد الأن بين الفرق العملية منذ ادارة جونسون وفيتنام وفشلت مستشارة الرئيس للأمن القومي في إظهار قيادة فعالة وتنفيذ التنسيق فيما يخص عملية الأمن القومي الأمريكي وقد أخفقت النزاعات غير المحسومة بين القادة مثل الوزير باول والوزير رامسفيلد واقصاء وزارء أخرين من المهام الرئيسة، والعرض غير الكفوء للخطة العسكرية ومنح مزيد من الصلاحيات لعناصر صغيرة داخل وزرات معينة كل هذا أضعف جهود الولايات المتحدة وأنصرف عنها حلفائها بطريقة لاضرورة لها. لم تعد الولايات المتحدة تتحمل مستشاراً استشارياً للأمن القومي ينبغي أن يتجاوز"الاشتراك" الجانب العسكري ويجب تطبيقه على كافة عمليات الامن القومي.

عاشراً: تواجه الولايات المتحدة تهديدات مستمرة من الإرهاب والتطرف الأسلامي العنيف الى جانب تهديدات خطيرة في اسيا ولا يمكنها أن تتحمل التعامل مع أي من هذه القضايا على أساس التحامل الفكري ولا تحتاج الولايات المتحدة الى أفكار المحافظين الجديدة أو التحررية الجديدة. إنها بحاجة الى فكرة الذرائعية(pragmatism) والواقعية الجديدة وعودة الى "الدولية" التي صاغت أنجح جهودها في سياسة الأمن القومي منذ الحرب العالمية الثانية.
أن الولايات المتحدة مشتركة في أربعة حروب معقدة للغاية وكل منها يتطلب أقصى ما يمكن من الاستخبارات والتحليل الموضوعيين ولا يوجد مجال للشعارات الفكرية أو حلول مستنبطة لحد الافراط. كما أن تحول القوة لا يمكنه حل بعض المعضلات. ولا تتحمل الولايات المتحدة أن تندفع نحو أي نزاع على أسس فكرية أو البقاء فيه. ولا تتحمل تجنب أي التزام ضروري بسبب المثالية. فما تحتاجه هو ذرائعية معلومة.
وتنص أبسط قاعدة على أن تتوقف عملية التبسيط المفرط وحماس الشعارات وتحتاج الولايات المتحدة أن تتعامل مع التهديدات الأمنية بهدوء والتركيز على قاعدة بلد بعد بلد وحركة بعد حركة. ولا تتحمل سوء الأستخدام المهمل لكلمات مثل "الأسلام "والعرب" أو تتجاهل خصوصيات أبرز حلفائها مثل كوريا الجنوبية في التعامل مع التهديد من الشمال. ولا تتحمل أن تصرف حلفائها الأوربيين أو تخسر الدعم في الامم المتحدة بسبب رمي بلدان مثل أيران في "محور شر" خيالي أنها تحتاج المملكة السعودية كحليف في حربها ضد حركات مثل القاعدة ولا تتحمل أن تخلط بين منظمات ارهابية تدفعها اعتقادات مختلفة أغلبها من السلفية الجديدة وبينها مصطلحات كالوهابية. كما لا تتحمل أن تتحرك وكأن القاعدة تسيطر بشكل ما على مزيج معقد للغاية من التهديدات المختلفة.

ليست هناك تعليقات: