31 ديسمبر, 2011

ضربة كتلة الأحرار ... الأستباقية


أمير جبار الساعدي

تأزم الوضع العراقي وتصاعد حدة السجالات الإعلامية التي كانت سببا مضافا لصب الزيت على النار وصنع حالة من التنافر بين الفرقاء السياسيين في الوقت الذي كان عليهم التواصل والجلوس على طاولة الحوار وسط عدة مبادرات أبتدأت برئيس الجمهورية جلال الطالباني ومشروعه الوطني، وتبعه السيد عمار الحكيم بمبادرة الجلوس الى الطاولة المستديرة، ومع تصاعد التناكف السياسي بين الشركاء في حكومة الشراكة الوطنية دعى السيد مسعود البارزاني الى أستكمال مبادرته التي تمخضت عنها تشكيل الحكومة والتي بقت ناقصة بخلوها من الوزراء الأمنيين الى هذه الساعة، فجاءت مبادرة السيد مقتدى الصدر بوثيقة الشرف الوطني العراقي والتي وقع عليها أغلب قادة الكتل البرلمانية والتي شدد بها التيار الصدري على ضرورة الانتقال الى حيز التطبيق والابتعاد عن الخطب والتنابز الإعلامي والتوجه نحو حقن دماء العراقيين وأبعاد البلد عن الأنجرار نحو طوفان الانزلاق الطائفي مرة أخرى.. وعبر كل هذه المبادرات يسعى رئيس مجلس النواب العراقي وفي حركة مكوكية بين السلطات الأربع في العراق لأحتواء الازمة بمبادرة أخرى لعله يطفئ فتيل الأزمة.
ووسط التحديات التي يعيشها العراق ومنها إنسحاب قوات الولايات المتحدة الأمريكية وأعتماد العراق على نفسه في إدارة كامل شؤون دولته، كان تفاعل الأزمة إقليميا ودوليا مدعاة للولايات المتحدة بالسعي لتجاوز العراقيين أزمتهم وكانت عبر وسائل الاتصال المباشر من قبل المسؤول عن الملف العراقي نائب الرئيس جو بايدن وكذلك عبر أكثر القادة معرفة بالشأن العراقي ورئيس جهاز المخابرات الأمريكية " C.I.A " ديفيد بترايوس حين زار العراق قبل أيام  بالحضور الى ساحة الحدث ومناقشته الحلول الممكنة لهذه الأزمة مع بعض أطراف العملية السياسية في بغداد وإقليم كردستان.. وبعد كل هذا يبدو بأن الولايات المتحدة تحاول أن تعيد دورها كصمام الأمان في تخفيف الضغط والتوتر الذي كان يحصل في الساحة السياسية العراقية كلما أستدعى ذلك تدخلها، ولهذا هي تعمل على أيجاد سيناريوهات لحلول أنية يمكن أن تجد صدىً لدى بعض الكتل السياسية النافذة بالساحة العراقية وغالبها يصب في إعادة المشهد السياسي الحالي وتغيير رأس السلطة التنفيذية ببديل من نفس التحالف الوطني أو بإعادة تشكيل الكتل المؤتلفة بالحكومة الآن... وأبعادا للتدخل الأمريكي مرة أخرى وبشكل كبير مثلما كانت تفعل سابقا قبل إنسحابها العسكري من العراق .. وتذكيرا بأن العراق مازال تحت طائلة الفصل السابع والذي يسهل للولايات المتحدة بأن تحرك الملف العراقي دوليا وأمميا بعد فشل الفرقاء السياسيين بالوصول لحل هذه الأزمة وتصاعد تدهور الملف الأمني وتضعضع حالة الاستقرار العام في البلد، والتي تستوجب من أمريكا التدخل كونها الراعي الأول لملف العراق وخوفا على المنطقة التي تزدهر مصالحها فيها، وتأمينا "للمكاسب" التي تقول بأنها تحققت برسم صورة عراق ديمقراطي جديد في المنطقة سيزور جو بايدن العراق مرة أخرى زيارة طوارئ مستعجلة إلا دليل على ذلك...
وبناء على ذلك حاولت كتلة الأحرار توجيه ضربة أستباقية للسيناريوهات الأمريكية المحتملة أولاً بأبعاد البيت العراقي عن الرضوخ مرة أخرى لوصايتها وجعل الحل بأيدي عراقية خالصة عبر إجراء انتخابات مبكرة وثانيا إشهار ورقة ضغط بوجه الشركاء السياسيين، وقطع الطريق عن تأجيج الحرج والتأزيم بموضوع سحب الثقة عن المالكي، وتحييدهم عن التعنت وتقديم التنازلات بدل أن يخسر الجميع كل ما تحصل لهم من مكاسب تنفيذية وسلطوية والذي قد يحل الكثير من الأزمات العراقية.
ولأستكمال نجاح هذه الضربة نحتاج أن نبتعد عن خلق أزمة جديدة ومستدامة في ساحة التقارب السياسي العراقي عبر إقرار قانون الأحزاب، وتعديل قانون الانتخابات حتى لا يتكرر سيناريو الانتخابات السابقة في عام 2010 .. إنهاء ملف مفوضية الانتخابات المستقلة العليا ولاسيما وأنها على اعقاب أنتهاء ولايتها وأستبدال أعضائها، كما أن وجود الكثير من مواد الدستور التي تحتاج الى التعديل وعلى رأسها احتساب الكتلة الأكبر والتمديد لأكثر من مرة لرئيس الوزراء، والذي لا يوجد ما يحدده دستورا، والأنتباه بشكل دقيق الى فحوى المادة 142 في إجراء التعديلات المناسبة للدستور بما يخدم العملية السياسية في العراق، والتخلي عن التوافقات السياسية التي كانت الدواء والداء لبناء الديمقراطية والركون الى دولة القانون والمؤسسات في العراق...

20 ديسمبر, 2011

"الحسنة بعشر... سيئات"!!ِ


أمير جبار الساعدي

المشهد السياسي العراقي المرتبك بعدم التوافق الداخلي وكثرة التجاذبات بين قادة كتله وأحزابه وأختلاف رؤاهم حسب ما يدعون لقيادة البلد الميمون الى سبيل أفضل، وليس الأختلافات الشخصية ما يفرقهم ولا الأجندات الخارجية سوف توحدهم ... ويسير بذاك الركب المنفلت دعوات الأقلمة المتوشحة بسيناريو الدستور والمؤطرة بالتهميش والقصور من الحكومة الاتحادية صوب تلك المحافظات المتأقلمة بين رفضٍ قاطع وتوافقٍ كاملٍ وسط عشائرها ومثقفيها ووجهائها، وأنسلاخ حدودها الإدارية قطعا قطعا... وفوق هذا وذاك شد وجذب بين حكومة إقليم العراق الأوحد كردستان عراقنا الأمجد وحكومتنا الاتحادية التي تنادي بالمركزية النفطية كونها موارد طبيعية وحصة كل العراق المجزية، داعية أياه لإعلان دولته إن كان هذا مبتغاه.
وعلى الصعيد الخارجي فلم نصل لحل كبير فيما يتعلق بميناء الفاو الكبير والقرش الذي يحوم حوله في ممرنا المائي الصغير، والذي نخطو صوبه خطوة وتخطو الكويت عشرة خطوات بأتجاه بناء مينائها الذي تقول بأنه مبارك ليس لكويتها وحسب بل للعراق وموانئ سندباده المبعد عن الدخول الى ثغر العراق وفيحائه بحرية ومجد.
وبعد ذاك يأتي صراع الاضداد على ساحة العراق فالاحتلال مغادر والأمن يبحث عن جيش وقوات أمن مغامر يثبت الاستقرار ويقهر المليشيات والمسلحين ويدحر الإرهاب والمجرمين ... وسط فراغ جوي لحماية سماءه بدفاع أرضي وطائرات محلقات بفضاء العراق الأبي.
ومع بدء العد العكسي لرحيل فلول الاحتلال من أرض الرافدين بأنتظار السيادة الكاملة والتي مازالت ناقصة المعاني كوننا نرزح تحت طائلة الفصل السابع، فأن الولايات المتحدة الأمريكية تخاف على أمن العراق وساحته السياسية من التدخلات الإيرانية، والذي بالأصل هي من فتحت الباب على مصراعيه أمام هذه التدخلات، ولكنها لم تخشى من التجاوزات والخروقات التركية من تقليل الحصة المائية، صعودا الى الخروقات السيادية بالدخول الى الأراصي العراقية وقصف القرى الحدودية وتحليق وهجوم الطائرات الحربية، وأخرها قطع مياه نهر هيزل الذي يصب في نهر الخابور الذي يمر بمدينة زاخو، ولم تبخل الجارة إيران والحمد لله بكل ما تقدم من الخروقات فكلاهما متفق بشأن المسألة العراقية ..
فنحن نعيش يوم جديد ومرحلة جديدة بعد "حسنة" التغيير في عام 2003 ، والتي خلصت الى عملية زرع الديمقراطية التي مازالت تعاني الكثير من المخاضات وتواجه التحديات نتيجة الصراعات والتناكفات الفئوية والحزبية والمحاصصات بأختلاف مسمياتها المعلنة، يقف الشارع العراقي حائرا متفرجا على ماذا حصد من هذه الحسنة... والتي يبدو بأنها تركت عشر سيئات على الصعيد الإنساني والثقافي والتدهور في البنى التحتية والاجتماعية فعلى سبيل المثالتراوحت نسبة السكان الذين يعيشون في الاحياء الفقيرة أقل من 20 بالمئة، أما في يومنا الحالي, أرتفعت هذه النسبة الى 53 بالمئة.
تعثر التعليم في العراق حيث لخص تقرير اليونسكو "التعليم في اطار الهجوم" الصادر في 20 شباط/ 2010, بأن "على الرغم من تحسن الوضع الأمني في العراق, إلا أن الحالة التي تواجهها المدارس والطلاب والاكاديمين لا تزال خطرة".
الأضرار بالطبقة الوسطى الذي نتج من تفاقم الوضع الأمني الذي دفع الجزء الأكبر من الطبقة الوسطى المتعلمة للهجرة - والتي تعد العامل المهم في البناء والتطوير في الدول الحديثة. ومثال ذلك إن عشرون ألف طبيب مسجل عراقي من أصل 34.000 غادروا العراق بعد غزو الولايات المتحدة. ومنذ نيسان 2009, عاد أقل من 2,000 وهو نفس عدد الذين قتلوا خلال الحرب. ولكم أن تروا حجم الفجوة التي يتركها هذا العدد على الوضع الصحي ونوع الخدمة المقدمة للمواطن العراقي.
السوء الذي لحق المجتمع العراقي والذاكرة الوطنية من خلال الهجمات التي استهدفت المحفوظات والمعالم الوطنية التي تمثل الهوية التاريخية للشعب العراقي. من خلال أمريكا إذ ما علمنا ان بأن الأف من القطع الاثرية أختفت خلال "عملية تحرير العراق". وتحتوي هذه القطع على ما لا يقل عن 15.000 قطعة نفيسة تعود الى حضارة وادي الرافدين التي كانت موجودة في المتحف الوطني في بغداد, بالإضافة الى العديد من القطع المأخوذة من 12.000 موقع تاريخي الذي تركته قوى الاحتلال بدون حراسة، كما قامت قوات الولايات المتحدة بتحويل سبعة مواقع اثرية على الأقل الى قواعد أو معسكرات للجيش, من ضمنها اور, واحدة من أقدم المدن في العالم وهي أيضا مسقط رأس النبي ابراهيم عليه السلام, إضافة الى أثار بابل الاسطورية حيث أسفر معسكر قوات الولايات المتحدة عن أضرار لا يمكن إصلاحها في هذه المدينة التاريخية. ومع وجود حراسات من الجهد الحكومي ضعيفة جدا فإن السرقات مازالت مستمرة لهذا الأرث الحضاري الإنساني.
الخطر الذي لحق العراق نتيجة تفكيك جميع المؤسسات الكبرى، عسكرية وصناعية ومدنية والتي بدأت معها حملة مطولة لإعادة التشكيل السياسي والتي مازالت لحد هذه الساعة في طور البناء، والذي أبتدء بقوانين بريمر المئة التي حولت العراق الى كابوس يصارع للخلاص مما وضع به من حالة تفشي النهب والفساد والدمار على أوسع نطاق في عموم الدولة العراقية.
أيجاد أجواء عنفية وغير مستقرة تحولت الى صراعات طائفية مقيتة أكلت الأخضر واليابس في الكثير من المدن العراقية، والتي أوجدت حالة من التجاوزات على حقوق الإنسان بدءً من أبو غريب وقتل العراقيين بأسلحة الشركات الأمنية، والأعتقال بالشبهات وضياع كرامة الإنسان العراقي على أرضه وبيد أهله. حيث كانت حكومة الولايات المتحدة وبريطانيا ترفض بصورة واضحة أن تفي بواجباتها أمام القانون الدولي كقوة محتلة بحكم الأمر الواقع.
حيث صرحت وزيرة حقوق الانسان السابقة وجدان ميخائيل بأن وزارتها تلقت أكثر من 9000 شكوى من عراقيين حول أختفاء أقاربهم خلال سنتي 2005 2006 فقط. لقد أساء الجيش الأمريكي استخدام القوة الهائلة ووضعوا أنفسهم فوق القانون، من خلال أعطاء الأوامر لارتكاب جرائم شنيعة. وقد وضعت اتفاقية جنيف من أجل جرائم من هذا النوع تحديدا، ولهذا فإن اتفاقية جنيف بالغة الاهمية في يومنا هذا، والتي غيبت من قبل الجميع.
ناهيك عن تدمير مدن عراقية بشكل متعمد وكبير جدا، وما لحق بها من أضرار اقتصادية واجتماعية وبيئية وصحية مازال سكانها يعاني الى الأن من تداعيات الأسلحة التي أستخدمت عليهم.
ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة عن هذه المأساة الرهيبة التي ألحقتها بالأف المواطنين العراقيين ويجب أجبارها على دفع تعويضات ملائمة للضحايا، فعلى السلطات الثلاث أن تضع الاجراءات المناسبة لملاحقة تعويض الشعب العراقي والعراق كدولة عن جميع هذه الخسائر والدمار والاضرار التي تسببت بها الحرب والاحتلال لهذا البلد.
لا يمكن أن يكون الوضع العراقي قاتما وحسب في مسيرة التغيير الحاصلة منذ تسع سنوات ولكنها تخطو خطى بطيئة جدا نحو بناء دولة القانون والمؤسسات التي هي حلم كل العراقيين، الذي أنتظروه مدة طويلة ولم يتحصلوا على الكثير منه سوى أسم الديمقراطية وحرية الانتخاب، والوعود السياسية التي ينتظر أن نراها تتحق نتيجة مستحقة لعملية التغيير.
وعودا على ذي بدء، فبالوقت الذي تعهد به الرئيس الأمريكي باراك اوباما بأن يكون الإنسحاب من العراق إنسحاباً مسؤولاً ... نتمنى أن يكون تعاطيه مع المشاكل التي خلفها الاحتلال بأتباع سياسة مسؤولة أيضا...

30 أكتوبر, 2011

هل هناك من حل لخروقات الحدود؟؟


أمير جبار الساعدي

الخروقات السيادية على الحدود والأراضي العراقية لا يمكن حلها الآن، لأنها ليست مشكلتنا وحدنا حتى نتحمل عواقب وزرها.. بل هي بالاساس مشكلة الجوار التركي - الإيراني الكردي.. وللوصول الى حل وسط يخفف عبء هذه المشكلة على الأطراف المتضررة منها وهي العراقي الكردي والجانب التركي الكردي وكذلك الإيراني، ينبغي على إقليم كردستان العراق إيقاف دعمه لتلك "الاحزاب المعارضة" أولا، ولا يتاجر بأسم الحركات الكردية لنيل المزيد من المنافع من هذه الدعوة، وأن لا يسمح لنفسه بالمزايدة بدماء العراقيين ثانيا، فالأكراد في الجانبين الكردي والتركي- الإيراني في وسط تقاطعات التوافقات السياسية بين أستحواذ الاتراك على وسائل وأدوات التحكم بالمنطقة وما يمليه الفاعل الدولي الأمريكي بالتحديد من هذه الرؤى التي تخدم مصالحه ومصالح حلفائه يكون الاكراد في بحث دائم عن حليف يخدم تحصيل حقوقهم وتحقيق فكرة اقامة دولتهم الموعودة، وهذا هو حلمهم وطموحهم للمستقبل الذي ينتظرون أن يروه حقيقة واقعة.. ولكنه يصعب تحقيقه إن لم يقدموا الكثير من التنازلات وأولها عدم المساس بلب وحاضن هذه الفكرة وهي إقليم كردستان العراق .. وعليه فهو يسمح للاتراك والإيرانيين بدخول الأراضي العراقية لضرب بعضا من خلايا تلك الحركتين.. وإلا كيف يتم التوافق بين وزيري الخارجية الإيرانية والتركية على ملاحقة تلك الحركات (بيجاك وبى كى كى) من دون حراك دولي أو أممي على حق تقرير المصير أو نيل حقوقهم الإنسانية ومآربهم الديمقراطية المحرومين منها طوال عقود عديدة وحتى وإن كانت دولة تركيا قد منحتهم بعض الحقوق الاجتماعية إلا أنها لم تتصالح معهم على طول الخط، فبالوقت الذي يطالب الاتراك والإيرانيين من حكام العرب أن يمنحوا شعوبهم الحقوق والحرية والديمقراطية ويسعون لمباركة الشعوب التي تحررت ويقفون بصفهم نراهم يقومون بالعكس تماما مع أبناء شعبهم وأقلية عندهم تحرم من حقوقها يوميا في بلدانهم وهم الأكراد، وبالتالي على من ينادي ويدعم الحرية أن يوجه تلك الدعوة للداخل التركي والإيراني على السواء وهذا الجزء الثاني من الحل ... وبالعودة الى محور المشكلة وهي حقوق الأكراد في تركيا التي أصبحت ورقة ضغط يتلاعب بها كل من لديه مصلحة وسلطة وفاعلية قوية في منطقة الشرق الأوسط لكي يضغط بها على كل الاطراف الداخلة بهذه اللعبة ليس الان ولكن منذ أمد بعيد.. وعليه فأن الوصول الى حل، يستوجب من الأكراد أنفسهم اللجوء الى ربيع كردي أخر قد يتعرضون فيه الى الكثير من التضحيات والخسائر ولكنه سيصبح علامة مميزة مضافة لما قدموه في سابق عهدهم لنيل بعضا من حقوقهم .. ووسط شهور هذا الربيع عليهم خلق معركتهم الخاصة بهم لكي يفضحوا تلك الأزدواجية المتواجدة في صلب العالم الديمقراطي الذي بقى ولمدة طويلة يتعامل معهم على أنهم سلعة يمكن المتاجرة بها في عالم السياسة البخس .. وكذلك فعلت تركيا أيضا.. وإن كانت هذه الحقيقة معروفة للجميع.
وعليه فأن جزءا من الحل يكمن في تعاطي الأكراد مع مشكلتهم بأنفسهم ولا يسعون الى توريط الاخرين بها، كما يفعلون الآن مع أكراد العراق .. نعم قد يكون لهم بعض الدعم والمساندة الكردية العراقية أو الإيرانية الكردية ولكن ليس بأستخدام العمليات المسلحة وحدها.. وعليهم اللجوء الى الحلول التفاوضية وأستخدام ورقة الدبلوماسية والقانون الإنساني والعدالة الدولية والتوجه صوب المحافل الدولية من أمم متحدة وأتحاد أوربي وغيرها لكي يثبتوا حقهم وبالتالي إحراج الاتراك ولا سيما وهم يراوحون منذ سنين على باب قبولهم في الاتحاد الاوربي.
 وعودا على ذي بدء.. يحتاج العراق الى فعل جمعي موحد من قبل حكومته الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بالتوافق على وضع الحلول الناجعة للتعاطي على حل هذه المشكلة .. وليس قيام كل طرف منهم بوضع حلوله التي تتوافق مع ما يراه مناسبا له ولتمثيله العرقي والسياسي وبالتالي سوف يتقاطع أصحاب البلد الواحد فيما بينهم، وهذا هو الحاصل الان، وهذا ما نراه جليا في ما تطلبه الحكومة الاتحادية من ضرورة تحرك الجيش العراقي لمعالجة هذه المشكلة بدل الخسائر التي يقدمها العراقيون بأرواحهم وأموالهم وأمنهم وسلامهم .. ولكن حكومة الإقليم بالوقت الذي ترفض هذا الحل تتعاطى بغض الطرف عن الخروقات السيادية التي يقوم بها الاتراك والإيرانيين على حدٍ سواء.
فهي ليست أزمة علاقات كما يبدو وإلا لماذا هذه الزيارات الدبلوماسية التي لم تتوقف يوما.. ومع الأسف نرى بأن هناك أهمال واضح من قبل أغلب أطراف العملية السياسية في العراق للتعامل بجدية أكبر مع هذه المشكلة، وإلا ما تفسير زيارة وزير خارجيتنا هوشيار زيباري الى تركيا قبل أيام من بدء العمليات التركية في إقليم كردستان العراق؟؟ والذي لم يوقف أيا من هذه الخروقات .. بل على العكس تماما، مما يوحي للمراقب بأن هناك بعضا من التوافق الكردي على هذه التداعيات السيادية..
ولا يمكن أن ننسى هنا بأن هناك حرب باردة قائمة الان بين تركيا وإيران على الاستحواذ والسيطرة على المنطقة ولكن مع ذلك نراهم قد توحدوا في هذه المشكلة التي تهدد الطرفين .. وهذا ما يجب على الاطراف الداخلة في الصراع من فهمه والعمل على وفقه مثلما فعلت تلك الدولتين، وكذلك الحال مع العراقيين أنفسهم ينبغي عليهم توحيد جهودهم ومصالحهم بعيدا عن التقاطعات الفئوية الضيقة والتي ستحرمهم الكثير من حقوقهم ومصالحهم على المدى البعيد... والتي ستعود حتما بالسلب على أستقرار وأمن العراقيين أولا وأخيرا...
وهناك الطرف الذي غالبا ما يتهم في تحمله جزء كبيرا من المشكلة وتتوفر لديه الحلول أيضا ولكنه لا يتفاعل معها إلا وفق ما تمليه مصالحه الاستراتيجية في المنطقة وهو المتغير الدولي متمثلا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وحليفتهما "إسرائيل"، والتي تقف موقف المتفرج وسط كل هذه المعمعة (أي أمريكا) مع أنها حليفة تركيا ولديها اتفاقية أمنية لم تنتهِ صلاحيتها بعد وأخرى طويلة الأمد مازالت مستمرة النفاذية تستوجب عليها التدخل إن لم يكن ردعيا فينبغي أن يكون دبلوماسيا وهذا ما نراه قد تعطل حتى من خلال أجتماعات دول الجوار العراقي التي لم نسمع أيا من مقرراتها قد دخلت حيز التطبيق على أرض الواقع بشكل يخدم مصالح العراق وشعبه....
وأخيرا وليس أخرا، وحدة الصف العراقي والوقوف على مصالحه وخدمة شعبه والتغاضي عن المنافع الآنية للكتل السياسية التي تحكم العراق الآن .. واحدة من الحلول الناجعة التي قد توصل العراق الى بر الآمان وحسن الجوار مع جميع دول الاقليم العربي والتركي  والإيراني....

19 أكتوبر, 2011

شعبٌ مبتلى بالأزمات !!!


أمير جبار الساعدي

يشن بعضهم البعض ويكيل التهم حربا بعد حرب إعلامية متواترة مع كل الأطراف الداخلة في العملية السياسية من أجل الحفاظ على المكاسب التي تم تحصيلها بعد التوافق الأربيلي وتشكيل الحكومة الناقصة منذ مايقارب السنة، والتي شجعت من يطلق تصاريح الأنفصال وإقامة الأقاليم وفق قائمة الحقوق التي ضمنها الدستور، ومازالت الكتل السياسية مختلفة وغير متوافقة فيما بينها حول أهمية مصلحة الوطن والمواطن أكثر من مصالح فئوية أضيق ما تكون في أفق بناء البلد، كما أن الوقت لا يسعها لمدة طويلة، فكل من يأتي لتنفيذ مشروع ناخبيه الوطني الذي وعدهم به لمدة أربعة سنوات سيواجه المعضلات الجسام، وإذا تمكن من تحصيل الدعم المناسب داخليا وخارجيا فأنه سيعمل على الشروع "بخطط البناء" لأربع سنين أخرى، والذي مازال هامشيا ويعاني من عدد من الآفات وعلى رأسها الفساد بكل أنواعه.. وبالتالي فإن كل ما تمر به مشاريع الإعداد الأستراتيجي غير واضحة المعالم وسط التناقضات السياسية وأحتدام التنافس بين الفرقاء السياسيين حول أحقية وبرنامج كل كتلة بتنفيذ رؤيتها في البناء المغيب، ومع وجود الكم الكبير من التحديات والقرارات المصيرية التي ينبغي على الحكومة التعاطي معها وأولها مسألة جلاء القوات الأمريكية وبقاء الخبراء للتدريب، والخروقات على السيادة العراقية من قصف مستمر وتجاوزا على الاراضي العراقية وخرقا سياديا للاجواء وقطع للمياه من قبل الجانب الإيراني ويلحقه متابعا ومتفقا حد التوافق الأخوي والمصيري الجارة تركيا بنفس الهجمة الشرسة من التعدي على حقوقنا السيادية، حيث سمعنا بأن هناك تخطيطا لشن هجوم بري منسق من قبل الجارتين الى داخل الأراضي العراقية بعد تمديد البرلمان التركي تفويض الجيش للقيام بعمليات خارجية عاما أخر، بحجة ملاحقة الحركات المعارضة لهما (بيجاك، Pkk)، والذي نتيجته المأسي لأبناء الشعب العراقي.
ناهيك عن تحدي التوافق على معرفة حقيقة ضرر ميناء مبارك الذي لم تفتي الحكومة به بعد... وغيرها الكثير من التحديات وعلى رأسها وأهمها الملف الأمني الذي غالبا ما يلقي تعثر الملف السياسي ظلاله القاتمة على تردي الأوضاع الأمنية والتي تتحمل الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية الملزمة بالاتفاقية الأمنية بين البلدين على المساعدة وتقديم الدعم اللازم لتوفير الحماية للعراق وأهله.. فقبل أيام سمعنا تصريح الناطق بأسم عمليات بغداد وهو يرجئ تسليم الملف الأمني في داخل المدن من الجيش العراقي الى وزارة الداخلية وشرطتها الاتحادية مع أقتراب إنسحاب القوات الأمريكية في نهاية العام الحالي كما كان مخطط له في السابق لأنها لا تمتلك الجاهزية على نحوٍ تام لحفظ أمن المدن وبالتالي استمرار الحاجة الى الجيش في إسنادها بهده المهمة، وإنه يحذر من عودة العنف، فإذا ما علمنا بأن أغلب المواقف الحكومية المعلَنة في السابق تؤكد جاهزية قوات الجيش والشرطة على حفظ الأمن الداخلي بعد العام 2011 دون الحاجة لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي، وكان أخرها تصريح القائد العام للقوات المسلحة بذلك الأمر.
وهنا يجب أن نضع أيدينا على الجرح .. أين هو الخلل إذن؟؟! إذا كان الجيش يساند منظومة الأمن الداخلي وحجم الخروقات والخسائر بالارواح والممتلكات مستمرة وبشكل يستهدف من كلف بحمايتنا أولاً وهي مراكز الشرطة ونقاط السيطرة وأفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية .. فماذا يعني هذا؟؟؟ بأن الجيش والشرطة غير جاهزة بشكل كافٍ وموازٍ لحجم ما يواجهه العراق من تحديات كبيرة، والخاسر دائما هو المواطن الذي يناشد من حملهم الى كراسي السلطة أن يوفروا الأمن والحماية له .. بعيدا عن إلهاءه بقضايا سياسية يدفع هو ثمنها لكي تسير العملية الديمقراطية بالعراق بهذا الشكل المتعرج .. ويحافظ كل ذي حظٍ على مبتغاه.
فهل هناك أجندات إقليمية وعناصر مسلحة أستقوت الأن مع قرب الانسحاب الأمريكي لتعلن وتفرض سلطتها وتثبت وجودها على بعض مناطق بغداد؟؟ أم أن القاعدة وإرهابها الأعمى تمكنت من إعادة نشاط خلاياها الحية والنائمة بهذا الشكل الكبير الذي ضرب أكثر من منطقة محمية نشرت الرعب والخوف لدى سكان بغداد على مدى الأيام الماضية. والذي لن تنفعه لجان التحقيق التي مللنا من سماع تشكيلها وعدم وصولها الى نتائج تشفي غليل المتلوعين بنار الإرهاب...
ووسط هذه الاخفاقات من حقنا أن نسأل أين هي جهود القوات الأمنية في الحفاظ على أرواح العراقيين؟؟.. أيهم أهم؟! .. المكتسبات والتوافقات السياسية الداخلية والخارجية التي فرضت هذه اللوحة الواقعية الزائفة ومن دون أن تكتمل الرسم بالوانها غير المتناسقة، أم الحفاظ على حياة الشعب العراقي، فما كنا ننتظره هو دولة مؤسسات وحكومة خدمات قوية تعمل على خدمة المواطن وتكون قادرة على إعادة العراق الى مكانته الطبيعية بين الدول، وحيث أنها حملت اسم الشراكة الوطنية فإن نجاحاتها ستحسب لصالح الجميع، عبر العمل على أساس احترام الدستور وتفضيل المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية والشخصية. فمن يعمل لخدمته وحسب، سيترك في أسفل الركب ومن يحرص على خدمة هذا الشعب المبتلى بالأزمات هو من سيكسب صوته في قادم الأيام....

15 سبتمبر, 2011

الثـلاثـاء مـوعـدكـم...

أمير جبار الساعدي

قد يكون تضارب حدود الصلاحيات التي تخص السيادة العراقية كدولة وبين المحافظات حكوماتً محلية لديها صلاحيات السلطة التشريعية والتنفيذية تحت بند اللامركزية ... هو من يتركني أتسأل ما هو دور الحكومة المركزية في السيادة على المنافذ الحدودية ؟؟ وهل لوزارة الداخلية وحدها سلطة غلق هذه المنافذ أم وزارة النقل ؟؟ فحتى وزير النقل عندما هدد بغلق منفذ صفوان لم يقم بغلقه بل حذر بأنه سيتوجه للحكومة للعمل على غلق المنفذ الحدودي بين العراق والكويت ولم يتخذ هذا الاجراء الدبلوماسي بعد .. وذلك لأن، لا مجلس الوزراء العراقي ولا مجلس نوابه قد أقر حجم الضرر من عدمه الذي سيقع على الموانئ والاقتصاد العراقي نتيجة تشييد ميناء مبارك الكبير، وتأخر بناء ميناء الفاو البعيد عن العين والذي مازال يرواح في دفع الجهة ذات الاختصاص لأنجاز الرسوم الهندسية لميناءنا الموعود بأقل مدة ممكنة وهي ستة عشر شهر، ولكم أن تروا متى سيتم البدء بدق الأسس لمرسى السندباد .. فقبل أن تبت الحكومة برأيها الصريح والرسمي تجاه بناء ميناء مبارك الذي كان ينتظر أن تسمعنا تصريحها قبل هذا الوقت، لسعيها لأن يكون القرار الذي ستتخذه بناءا على الرأي الفني بعيدا عن أي ضغوط أو تحليلات سياسية أعلنت بأن قرارها سيكون على الملأ في يوم الثلاثاء المقبل .. سارعت الحكومة المحلية في محافظة البصرة وهددت بأنها ستتخذ القرار بغلق المنفذ الحدودي الوحيد بيننا وبين الكويت وأنها ستسد الباب أمام الحركة الاقتصادية والتجارية بين البلدين.. وأستمرت بجرأتها بأنها ستوقف أستثمار الشركات الكويتية في حقل السيبة النفطي بإتجاه الضغط عليها لمنع إكمال المراحل الأربعة لتشييد ميناء مبارك أو تغيير مكان أنشاءه.. من دون أن نسمع صوتا للسلطة التنفيذية أو التشريعية عن أحقية الحكومة المحلية بأتخاذ مثل هكذا قرار يتعلق بشكل كبير بالعلاقات السيادية بين العراق والكويت وهناك وجهة نظر الحكومة الاتحادية المغيبة ويُتنظر أن نسمع رأيها في اليوم الموعود في ثلاثاء تحقيق وحدة القرار والرأي الذي أختلفت عليها كتلنا السياسية.
إذا ما تذكرنا بأن العراق يكابد الكثير من قتل وتهجير يومي نتيجة القصف الإيراني والتركي ولكن مع الأسف لم تتخذ لا حكومة الإقليم ولا الحكومات المحلية في المحافظات التي أستهدفت حدودها وقراها ولا حكومتنا العتيدة في المركز أي قرار موحد مثل ما هدد أن يتخذه مجلس محافظة البصرة .. فأيهم أكثر ظلما وتقتيلا للمواطن العراقي البسيط فهو الوحيد المتضرر من جراء تلك الأعمال إن كان قصفا أم قطع منافذ حدودية .. أفلا يستلزم وحدة الصف والقرار بأن يكون هناك رأي موحد لمجلس الوزراء ومجلس النواب صوب تحديات الحدود وقطع المياه بشكل أكبر من بناء ميناء الكويت والذي لا نريد أن نخفف من حجم الضرر الذي سيقع علينا إن لم تكن الاراء والتقارير الفنية بصالحنا...
والى ثلاثاء موعود أخر يمكن أن ننتظر منه حل معضلة التوافق السياسي بين أكبر كتلتين في البرلمان العراقي حيث ستنهي اللجنة القانونية الأثنين المقبل من إجراء التعديل والتوافق على مشروع قانون مجلس السياسات الاستراتيجية الذي أجل أكثر من مرة بعد قرأته الاولى في مجلس النواب نتيجة عدم التوافق عليه سياسيا بين أقطاب العملية السياسية في العراق. وبعد هذا يمكن أن نسمع خبرا بأن الحكومة حان وقتها لأن تكتمل بباقي حقائب الدفاع والأمن إذا ما أكتمل التوافق على المجلس المنتظر...
وعودا على ذي بدء، هناك ثلاثاء أخر ننتظره من حكومة إقليم كردستان العراق حيث دعى السيد مسعود البارزاني ممثلي التحالف الكردستاني في مجلس النواب والحكومة الأتحادية للتداول معهم حول توحيد القرار والرأي تجاه التحديات الخارجية وقانون النفط والغاز وأتخاذ موقف من حكومة المركز لتمريرها قانونا غير ما أتفق عليه بين الشركاء السياسيين.. فأين هذا القرار تجاه التجاوزات والتحشيدات على الحدود من قبل إيران وتركيا .. والذي سبق وأن أرسل عدد من قوات البيشمركة والاليات المدرعة الى المناطق التي لم يتفق على تقسيماتها الإدارية بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، فأيهما أهم أبناء الشعب الكردي ومصالحه التي تنتهك يوميا!!، أم مشروع المصالح النفطية الذي يمكن تعديله ضمن لجنة النفط والغاز في البرلمان، حيث هناك ضررا أقتصاديا لحق بسكان تلك القرى الحدودية بحرق الاراضي المزروعة وأجتماعيا حيث معاناة ترك منازلهم وتخلف المئات من أبنائهم الطلاب من الالتحاق بمدارسهم نتيجة التهجير وغيرها الكثير ... فأين وحدة القرار ما خلا الزيارات البرتوكولية بين حكومة الإقليم وإيران ومثلها تركيا ومن غير أي تحسن نراه على الحدود بل العكس من ذلك وهو زيادة عديد القوات المتحشدة على الحدود العراقية... وإن كان تصريح دولة المالكي بأنه إذا أضطر فسيلجأ الى استخدام الجيش العراقي لأيقاف تلك المجاميع المسلحة من على الحدود العراقية التي تستهدف دول الجوار به شيئا من قوة الفعل للحكومة المركزية، ولكن هل يمكن تطبيقه وسط هذه التجاذبات بين حكومة الإقليم والمركز؟؟؟. فأي منهم هو جهة صنع القرار؟؟ وأيّ منهم صاحب السلطة بالتهديد تحت غطاء رسمي وحكومي موحد؟؟ وأيّ منهم هو المخول بالغلق والتحدي والمواجهة الدبلوماسية المرخصة؟؟ ألا ينبغي أن يكون هناك وحدة بالقرار والتصدي بالتهديد وفق النظام السياسي المعمول به في العراق أم هناك قولا أخر لديكم؟؟!.
وبين أسم يوم معلوم وأخر مصون يبقى حق العراق وشعبه وسط المجهول ينتظر أياما موعودة إن كانت ثلاثاءً أو غيره من أيام الأسبوع التي لم تعد يرى فيها تاريخ واحد نعتمد عليه...

12 سبتمبر, 2011

مينـاء .. ومـاء .. وحـدود

أمير جبار الساعدي

بعد تفاعل مشكلة ميناء مبارك بين الأوساط السياسية العراقية والكويتية، وعدم الوصول الى قرار واضح حول مدى تضرر الاقتصاد والبيئة العراقية من انشاء ذاك الميناء، وسط ضبابية وجود اتفاق على رأي واحد لحد الآن، للوقوف على ما توصلت اليه هيئة المستشارين في مكتب رئيس الوزراء التي زارت الكويت لكي تصل الى نقطة الفصل في مسألة الميناء... أنبرت الجهة التنفيذية ذات الاختصاص الصريح بأعطاء رأي واضح وثابت بأن الميناء يضر بكل المصالح العراقية عبر تصريح وزير النقل العراقي هادي العامري إن "رأينا الفني الخاص كجهة متخصصة ومسؤولة بان ميناء مبارك حتى بمراحله الثلاثة سيؤثر على العراق، وإن هناك تأثير بيئي وتأثير موجي واقتصادي وقد يسبب تصادم وتضييق في حركات الملاحة البحرية" وأنه سيسعى من خلال الحكومة العراقية لأصدار قرار بغلق المنفذ الحدودي الوحيد بين العراق والكويت لإشهار ورقة ضغط على الكويتيين لأيقاف العمل ببناء ميناء مبارك... وهكذا نرى الحرص الكبير والبيّن لوزير النقل على المحافظة على حقوق الشعب العراقي في الملاحة ودفع عجلة نمو الموانئ العراقية لما فيه مصلحة الاقتصاد العراقي، بالوقت الذي نرى تباطؤ الحكومة العراقية وسلطتها التنفيذية ذات الاختصاص المباشر بالتصدي لمشاكل هي أكثر تأثيرا على حياة المواطنين العراقيين في سعيهم للحصول على أبسط مبادئ العيش الكريم وهو وصول الماء الى أراضيهم التي تقتل كل يوم بفعل فاعل خارجي والسلطة التنفيذية تتفرج ولم تتخذ فعلا جديا يتوافق مع حجم الضرر الذي أحرق الأخضر واليابس في مناطق خانقين وغيرها من مناطق العراق نتيجة قطع ماء الأنهر الداخلة الى الأراضي العراقية التي تزود أنهرنا وروافدنا التي تتغذى من تلك المصادر المائية بحسب الأعراف والاتفاقيات الدولية والتي مازالت معطلة الى الآن لعدم التوصل الى اتفاقات جدية بين الطرفين العراقي والإيراني والتركي، ولا يمكن أن ننسى التحذيرات التي أطلقتها منظمات مدنية وبرلمانيون، من تفاقم التلوث في مياه شط العرب، ويصاحب ذلك كله أيضا قلة الحصة المائية الواردة الينا من الجارة تركيا والتي تتحمل نفس عبء المسؤولية عن تضرر الكثير من الأراضي الزراعية وحتى هجرها بسبب قلة المياه التي يطلقها الجانب التركي والسوري الى نهري دجلة والفرات وإن نسبة العجز فيهما ستتجاوز 43 في المئة بحلول 2015.. والتي سببت الكثير من النزاعات القبلية بين المزارعين العراقيين نتيجة فقر حصة المياه الواصلة الى أراضيهم الزراعية مما خلق بيئة اجتماعية مختلة التوزان وأضرارا واضحة بالجانب الاقتصادي على مستويات مختلفة لأرتباطها بسلسلة واحدة، إن حصل قصور بجانب فأنه سيجر على باقي جوانب الحياة في تلك المناطق الضرر ومن ثم إلحاق الأذى بالاقتصاد العراقي. وما يخلفه قطع المياه أكثر ضررا بالحياة والاقتصاد بكل جوانبه من أذى وجود الميناء في غير محله.
 وفي الوقت الذي تتعرض فيه القرى الحدودية يوميا الى القصف المدفعي والجوي من قبل الجانبين الإيراني والتركي غير أبهة بسلامة الأبرياء من مواطني الشعب العراقي والى حجم الضرر الذي لحق بأبناء تلك القرى الحدودية، التي قُتل بعض أبنائها وهُجر الكثير من العائلات من مناطق عيشهم بنيران الدفاع عن المصالح الوطنية التركية والإيرانية غير ملتفتين الى مصالح جارهم العراق الذي تعصف به شتى أنواع التجاذبات السياسية والتحديات التي تتهدد كيانه السياسي والاقتصادي، والذي حتما ومن غير أدنى شك سيرجع بنتائج سلبية على مصالح تلك البلدان نتيجة حجم التبادل التجاري والاستثمارات بينها وبين العراق والتي وصلت الى مليارات الدولارات سنويا.. وكما نرى بأن الناشطون في منظمات المجتمع المدني يتظاهرون أمام مقر الأمم المتحدة، وقبلها أمام قنصليتا البلدين بمحافظة أربيل، احتجاجا على استمرار عمليات القصف الإيراني والتركي على القرى والمناطق الحدودية لإقليم كردستان العراق، مطالبين المنظمة الدولية بأداء دورها والعمل على وقف هذه الاعتداءات. ومع أن حجم القصف الإيراني والتركي يدمر حياة القرى في مناطق كردستان العراق، ويقتل البشر ويهجر الناس، إلا أن الحكومة في إقليم كردستان وبرلمانها ومن مثلهم الحكومة الأتحادية والجهات ذات العلاقة لم تصرح بأنها ستتخذ إجراءات رادعة لأيقاف القتل والتهجير كغلق المنافذ الحدودية بين البلدين ولا أيقاف التبادل التجاري بينهما أو حتى تقليل حجمه، وكل هذه التجاوزات خطر جلي أضر بالعراق أفرادا ومصالح، حيث نفى المتحدث باسم وزارة البيشمركة إرسال قوات، وقال انه "لا صحة للإنباء التي أشارت الى إرسال قوات من البيشمركة والقوات العراقية لحفظ حدود الإقليم". فبالمقارنة مع نداءات بعض الأكراد بالخروج في هذا الوقت وتحديدا في مدينة السليمانية للمطالبة بإعلان إقليم كردستان "دولة" وممارسة الضغوط على المجتمع الدولي للحصول على التأييد والدعم لهذا الأمر، والذي يناقض تصريحات القادة الكرد وأولهم السيد مسعود البارزاني بأن العراق والذي بضمنه إقليم كردستان "بلد ليس لديه جيش قادر على حماية أرضه ومياهه واجوائه لا قدرة لقواته الأمنية على حماية سكانه". وما نسمعه ونراه اليوم أكبر دليل على ذلك.
ويمكن أن نرى تداعيات هذه التصريحات وعدم تناسقها مع مصالح العراق أحزابا وقادة، وشعب ينتظر أن تكون مواقف حكومته موازية لحجم التضحيات والخسائر التي يقدمها ويمنى بها المواطن في شماله وجنوبه لا أن نتصفح ردود الافعال المجتزئة من مواقف تلك الكتل وليس موقفا موحدا للعراق كونه دولة ذات سيادة وحكومةً أُستنهضت للذود عن مصالح وحقوق الشعب العراقي .. وليس الانغماس في الخلافات وحتى وإن كانت وجهات النظر التي قد تفسد في الود قضية بحال العراق اليوم....

07 سبتمبر, 2011

دولـة المالـكي ودولـة الكـويت !!!

أمير جبار الساعدي

تمر الحكومة العراقية بعدد من التحديات وعلى عدة محور أولها دول الجوار الإقليمي  الذي يعاني العراق منها مشاكل الحدود والتعدي على السيادة العراقية جوا وأرضا، متمة أعمالها بالقصف المدفعي والجوي على مواقع داخل الأراضي العراقية من الجانبين الإيراني والتركي مضافا لها تحدي قطع مياه الأنهر عن الوصول الى الروافد العراقية من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية... ومحورا دوليا متمثل بالتمديد لبقاء القوات الأمريكية في العراق وكيفية التعاطي مع الالتزامات الثنائية المتمثلة في الجانب الاستراتيجي والاقتصادي لباقي الاتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية ... ومحور داخلي تمثل بأرضية عدم الثقة بين الفرقاء السياسيين وتحدي ترميم عدم أكتمال عرى تشكيل الحكومة التي مازالت ناقصة لهذه الساعة وعدم حصول التوافق السياسي، وتفاقم التجاذب بدلا عنه بالرغم من مؤتمرات الطاولات بشتى أنواعها ومن مختلف الوسطاء... ويضغط على هذا كله تحدي الشارع العراقي الذي مازال يطالب بحلول لكل ما يواجهه العراق من تحديات على مستوى الأداء الضعيف لتجاوز هذه المعوقات أمام مسيرة العملية السياسية، ووسط هذا كله برز تحدي أخر أمام هذه الحكومة توشح بالضغط الحاصل عليها من قبل الداخل والخارج للوقوف أمام بناء الكويت ميناء مبارك الكبير، لما يمثله من تهديد للمصالح العراقية الذي لم يتفق خبراء السلطة التنفيذية ولا التشريعية على مدى ضرره بالاقتصاد العراقي ومدى تعويقه لحركة بناء المشروع التنموي لقطاع الموانئ في العراق وسط ضائقة وقدم الموانئ العراقية الموجودة في الخدمة حاليا... ونتيجة ضعف سيطرة الحكومة وضعفها برز تحدي المليشيات المسلحة التي حاولت المتاجرة بشكل أو أخر بهذا المحور بين الفينة والاخرى، أولا لأبراز ضعف الحكومة ومن يسير بركبها، وثانيا لأثبات وجودها في الساحة السياسية العراقية، فمن المستغرب بأن يظهر دولة المالكي من على شاشة يدعمها ويمولها حزب الله في العراق وهي الجهة الاولى التي هددت باستخدام السلاح خارج إرادة الحكومة العراقية إذا ما لزم الامر لأيقاف ميناء مبارك .. ووسط تلقي الدبلوماسية الكويتية تصريح المالكي بخصوص انشاء ميناء مبارك بأنه لا يشكل ضررا.. لكني أراه حاول أن يكون ممسكا للعصا من الوسط، يستعرض جانب القوة في قيادته للحكومة التي تسري عليها عدوى الضعف ويرسل أشارة لمن يريد أن يحاور بأن الباب مفتوح ولمن يريد أستخدم أسلوب الضغط بأنه لديه المقدرة لاتباعه .. وهي رسالة صريحة للحكومة الكويتية بأنه قد يساند هذه التوجهات باستعمال القوة تجاه ميناء مبارك، وما الصواريخ الاخيرة التي أطلقت صوب الميناء وفق تحليل وزارة الدفاع الكويتية ونفي وزارة الدفاع العراقية التي قالت بأن مسارها قد يكون بأتجاه الحدود الكويتية إلا أشارة واضحة قد تتفاعل معها الحوادث وتتفاقم الامور للخروج عن الطور الدبلوماسي الضعيف من قبل الجانب العراقي الذي لم يستطع الى الآن حتى من فهم موقف الفاعل الدولي في الساحة الخليجية ولا سيما العراقية وهي الولايات المتحدة الأمريكية تجاه بناء ميناء مبارك وهل لدى الولايات المتحدة وفق منظومة الاتفاقيات بين الطرفين تصور واضح عن أن الميناء سيحدث خللا في منظومة تدفق الملاحة صوب الموانئ العراقية وبالتالي ضرب الاقتصاد العراقي في مقتل، وهذا ما أثبتته وزارة النقل العراقية وفق القراءات والتحليلات لفنييها ومستشاريها عبر الاطلاع على خرائط ومخططات بناء الميناء...
فهل يمكن لدولة الكويت أن تعتمد على تصريحات إعلامية لرئيس الوزراء العراقي وحسب؟... أم أن قوة دبلوماسيتها الخارجية التي أبرزت عناصر استخدام أدواتها وبشكل قوي ونافذ على الساحة الدولية ولمرات عدة أكثر من الدبلوماسية العراقية ستحاول أمتصاص غضب الجماهير العراقية قرب الحدود العراقية الكويتية وتحييد الدفع الداخلي المتمثل بأوساط شعبية ومنظمات مجتمع مدني مضافا لها العناصر المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الحكومة العراقية والتي ستفقد رهانها والكثير من تمويلها إذا ما خرجت الولايات المتحدة من العراق، فهي قد تحضر لأستدعاء ورقة جديدة لها تحرك مشاعر الشارع العراقي لها في حال أثبتت اللجنة الفنية بأن الميناء يضر بالعراق واقتصاده، والإقليمي الذي مازال يلعب بورقة الضغط بأيجاد ساحة جديدة تبعد عنه الاهتمام، وبنفس الوقت يهدد المصالح الجيوسياسية في منطقة الخليج في حال تهددته الاخطار ليشعل فتيل الازمات في المنطقة إذا ما عرفنا بأن هناك تلويح بأستخدام القوة ضده، فمدى قدرة دولة الكويت والحكومة العراقية على التواصل دبلوماسيا بأتجاهها لدرء خطر مواجهة عناصر مسلحة خارجة عن إرادة الحكومة العراقية.. وأرسال رسائل ايجابية الى الشعب العراقي عبر التعاطي بشكل مرن مع ما تعتبره تجاوزا على حدودها على سبيل المثال مع الصيادين العراقيين فحتى إن كان هناك تجاوزا يمكن التغاضي عنه بأبلاغ الجانب العراقي بذلك لا أتخاذ إجراءات متشددة مع الصيادين وهذا ما يشنج الشارع المحلي ويزيد من صب النار على الزيت من قبل المتصيدين عناصر وحكومات... أيقاف التصريحات من قبل البرلمانيين التي تلعب بالورقة السياسية عند الطرفين داخليا للاستفادة منها سياسيا إذا ما علمنا بان العراق والكويت لديهما بعض المشاكل الداخلية وإن أختلفت مستوياتها وطبيعتها عن الموجود في العراق، التأكيد على القنوات الاعلامية المعتدلة والمهدئة، لتوضيح موقف الدولتين وكيف ينظر له الطرفين من زواية مصالحه الوطنية، والتي بالتأكيد لن تعترض أو تعرض مصالح الطرف الاخر للخطر، إبعاد تأثيرات الأطراف الخارجية التي يحاول البعض إقحامها في التوصل لحل وسط بين الشقيقين، لكي لا نعيد سيناريوهات قديمة... التعاطي مع هذه الرؤى يمكن أن يفتح باب الحل لأيقاف تصعيد مشكلة بناء ميناء مبارك الكبير وتطمين العراق حكومة وشعبا بأن دولة الكويت لا يمكن أن تسعى للاضرار بمصالحه...