الأحد، 15 فبراير، 2009

عنف العراق الطائفي والعرقي وتطور التمرّد

أنتوني. كوردسمانِ*
بمساعدةِ إيما دافيس جدّدت:6 تشرين الثّاني 2006
*سيتم لاحقا نشر كامل التقرير لعام 2006 و2007 وتحديث بعض أجزائه في عام 2008
ترجمة الباحث:أمير جبار الساعدي

خلاصة التقرير
أَصبَحَ التمرّد في العراق "حرباً بعد حربِ" والتي تُهدّدُ بتَقسيم البلادِ وبَخلق نزاع مدنيِ بكل المِقاييسِِ. وادى الى العنفَ الطائفي والعرقيَ الذي يُسيطرُ على الكفاحِ لتَشكيل العراق بصورته الحديثة ، لقد ظَهرَ كأن التهديدَ يَتطور بأتجاه منطقةِ الخليجَ، وأَصبَحَ مُرتَبَطَ بالصراع الأوسعِ بين التطرّفيةِ الإسلاميةِ السنيّةِ والشيعيّةِ ، والإعتدال والإصلاح ، في كافة أنحاء العالمِ الإسلاميِ.
تَطوّرت طبيعة القتال في العراق منذ إستهلالِه في ربيع عام 2003 مِن صراع محدّد بشكل كبير إلى مجابهة بين "قوّاتِ التحالف" وموالي النظامِ السابقينِ إلى نزاع مستفيض أكثر بكثير، يتَضمن عدد مِن المجموعاتِ السنيّةِ، المليشيات الشيعيّة، والجهاديين من الخارج،والذي يَتضمّنُ النزاعَ المدنيَ الواسع الإنتشارَ الآن. بينما "قوّات التحالف" إنشَغلت في المبادراتِ لإستِئصال العنفِ ، وتُدرّيبُ القواتَ العراقيةَ ، وبناء إيمان شعبي عامِّ في المؤسسات السياسية ، وتدَفع التَوَتّراتَ العرقيةَ والطائفيةَ البلادَ بشكل أعمقَ إلى الحرب الأهليةِ في نفس الوقت.
كَانَ قصف المسجدِ الذهبيِ(الامامين العسكريين في سامراء ) في22 فبراير/شباط المحفّزَ الأولي للإشتباكاتِ السنيّةِ الشيعيّةِ. وعزّزت الفئاتُ المختلفةُ جيوشهم الشعبية (المليشيات)، وإخترقت قوّاتَ الأمن العراقيةَ الجديدةَ. حيث أصبحت فرقُ الموت الشيعيّةُ التحدي الأساسيُ الذي يُواجهُ رئيسَ الوزراء نوري كامل المالكي، والمجتمع الشيعي نفسه مُزّق إلى مجموعاتِ مُتنَافَسَة. والمتمرّدون السنّة، تحت القيادةِ الجديدةِ لأبو حمزة المصري،والذين واصلواَ تَكيّف وسائلِهم للبَقاء خطوة للامام متقدمين على منزلة التكنولوجيا العسكريةِ الأمريكيةِ. التَوَتّرات بين الأكراد،العرب، والتوركمان شدّدَت البُعدَ العرقيَ للحربِ. في النهاية، هذه التَطَوّراتِ كَانَ لها تأثيرٌ خَلط بين تهديدِ "التمرّدِ" والحرب الأهلية.
وواجهَ العراقيين في أوائل خريفِ عام 2006 مستويات عاليةَ ومستمرةَ مِن العنفِ، نفّذَت مِن قِبل مجموعات معقدة في شَنّ حرب فئاتِ. كطبيعة العنفِ أصبحت أكثر تعقيداً، والفرص للمصالحةِ الوطنيةِ إزدادت أكثر بُعداً. فالتغييرات في ديناميكى القتال ، وطبيعة التمرّدِ والنزاعِ المدنيِ، مركزَ بشكل كبير على المجموعةِ التاليةِ لظُهُور الإتّجاهاتِ التالية:
* القتال الطائفي ، تحت قيادة حوالي 23 مليشيا (جيش شعبي)متنامية حول بغداد، شكّلَ أساس الحرب الأهليةِ. بَقى التمرّدِ العربيِ السنيِ مُرَكَّزاً في غربِ محافظةِ الأنبار وإستفادَ من إنتقالِ القوات الأمريكيةِ لقَمع العنفِ الطائفيِ في بغداد.
* قُسّمت بغداد تقريباً بالكامل إلى معاقلِ طائفيةِ لكلا من السُنّة والشيعة الذين هَربوا من الأحياءِ التي كَانوا يشكلون فيها أقلية.
* واصلت أنماط الهجومِ التَركيز على المدنيين، حيث بلغ متوسط الوفيّاتِ تَرتفعُ بِاليوم تقريباً الى 100 حالة في تشرين الأولِ عام 2006. طبقاً لإحصاءِ خسائر إئتلاف العراق بلغ 3,389 مدني عراقي ماتوا في أيلولِ و1,285 ماتوا في تشرين الأولِ. رَأت الولايات المتّحدةُ زيادةَ أيضاً في الهجماتِ في العاصمة وهجمات الأدوات المتفجّرة المُرتَجَلة وَصلا أعلى مستوى في أيلولِ. وقتل 104 فرد من القوات الأمريكية في تشرين الأولِ،ويعد الأعلى منذ كانون الثّاني عام 2005. وثُلث مِن هذه الوفيّاتِ كَانت في العاصمة، لكن أغلبيةَ القوات الأمريكيةِ قُتِلت في محافظةِ الأنبار.
* التَطهير العرقي أجبرَ أكثر من 300,000 عراقي للإنتِقال منذ شباطِ أثر تفجير مسجدِ(مرقدي الأمامين) في سامراء.
* إنقسّم المجتمع الشيعي داخلياً، على نحو متزايد على طول خطوطِ دعمِ المقاومة الشعبيةِ (المليشيات).
* ركّزَ الإنتباه الأمريكي على كَبح التركيزِ المُتَصاعِدِ للعنفِ في بغداد، بينما العنف خارج العاصمة واصلَ تِصاعده، خصوصاً في المناطقِ الرئيسيةِ مثل البصرة، الموصل، والفلوجة.
* تَعهّدت تركيا بدعمِها لسكانِ الأقليةَ التركمانيَة في العراق وحَثَّ العراق لإتِّخاذ الإجراءِ ضدّ نشاطِ حزب العمال الكردستاني الثائر في الشمالِ الكرديِ. وواصلوا الأكراد التَضَارُب مَع العرب في المُدنِ الرئيسيةِ مثل كركوك والموصل.
إن حكومة رئيسِ الوزراء المالكي على الجبهةِ السياسيةِ كَانت غير قادرة على إحراز التقدّمِ الرئيسيِ في حوارِ المصالحةَ وسط أزمةِ الأمنَ. على أية حال، بَقى المالكي واثقاً بأنه يُمكِنُ أَن يُوجَد حَلً سياسياً لإيقاف إراقةِ الدماء طائفياً. فالتَوَتّرات بين المشرعين السنّةِ والشيعةِ وَصلت أعلى مستوى كما إن كلتا الطائفتين إتّهمت بعضهم البعض بنشر حالاتِ القتل الطائفيةِ بإسناد فرقِ الموت.
استطاعت الحكومة المُوَافَقَة على خطة من أربعة نقاط للمُسَاعَدَة على تَخفيض العنفِ.حيث دَعت الخطةُ إلى تكوين لجانُ في الحيِّ تألفت من السكّانِ المحليّينِ، الشرطة المحليّة، والزعماء الدينيون الذي يُناقشونَ الطرقَ الكفيلة بتَحسين الأمنِ في مناطقهم. تُقدم اللجان تقاريرها الى لجنة مركزية والتي تُنسّقُ مَع قوّاتِ الأمن العراقيةِ. وخطة الأربع نقاط كَانَ لدَيها دعمُ واسعُ في البرلمانِ، ولكن أكثر المشرّعين إعتقدوا بأنَّ النَتائِج تَكُونُ أقل ما يمكن.وقد نَجح بَعض المشرّعين الأكرادِ والشيعةِ في تمرير القانون الذي يَسمحُ بتكوين مناطق ذات حكم ذاتي في عام 2008. السُنّة والسياسيون الذين يَمثلونَ كتلةِ مقتدى الصدر السياسية قاطعت التصويتَ، ولكن المشرّعين الباقينَ شكلوا الأغلبية. سَمح مشروع القانون للمحافظاتِ للتَصويت بالإستفتاء العامِ للإِنضِمام إلى منطقة ذات حكم ذاتي. شَعرَ السُنّةُ بالخيانة بحكومةِ المصالحةِ الوطنيةِ، والتي وافقوا على دستورها بشرطِ بأنَّ قسّمُ المناطق ذات الحكم الذاتي تَكُونُ قد نوقشت بالكامل.
أخفقت المفاوضات السياسيةُ في إيجاد حَلّ لإيقاف العنفِ، لكن الولايات المتّحدةَ واصلت تَسليم سيطرةِ عملياتِ الأمنِ إلى قوّاتِ الأمن العراقيةِ. حيث سلّمت إيطاليا في أيلولِ، السيطرة على محافظةِ ذي قار الهادئة في الجنوبِ.وأعلنَ الجيشَ الأمريكي بحلول شهر تشرين الأولَ بأنّ حوالي 300,000 فرد من قوات الأمن العراقيةِ كَانوا قَد دُرّبوا وتم تجُهّيزهم. وعلى أية حال،الكثير منهم ترك الخدمة،عندما كَانوا في إجازةِ غير مخوّلةِ، وليسوا فاعلين، أَو ماتوا نتيجة العنفِ.

علاوة على ذلك، بينما عديد وقابليات قوّاتِ الأمن العراقيةِ إرتفعت عموماً،فإن ظروف الأمنِ في البلادِ كَانت تَهبطُ ، وهذا يَقُودُ البعضَ للتساؤل إذا كانت تركيبِة الأمنِ العراقيِ الجديدِ مُختَرَقِ بتشكيلةِ المليشيات يُمكِنُ أَن تَؤمنَ البلادَ بنجاح بدون الرُجُوع إلى القابلياتِ الأمريكيةِ. وأقرّت وزارةُ الداخلية بتسلل المليشيات وأَخذت عِدّة خطوات لتَطهير الوزارة من عناصرِ المليشيات، بضمن ذلك تبديل القادةِ وإرسال لواء إلى تدريب المصالحةِ الطائفيِ. لكن الوزارةَ إفتقرت إلى النفوذِ السياسيِ لتَقليل حجم المليشيات الشعبية بالكامل في قوّاتِ الأمن، والتي كَانت في أغلب الأحيان مدعومة من قبل السياسيين.
دَفعت حالاتُ القتل الطائفي والمأزقُ السياسيُ البلادُ بشكل أعمقُ إلى الحرب الأهليةِ. فعملية معاً للأمام الثّانية في بغداد َجعلت التقدّمَ بطيئَ في تنظيف الأحياءِ القلقةِ، والمبادرة إفتقرت إلى القواتِ الكافيةِ للمُحَافَظَة على السلامِ في المناطقِ البريئةِ. في النِهايِةِ، وضّحت المبادرةَ ثمانية أحياءَ. فالجيش الأمريكي لدَيهُ 150,000 جندي في العراق، ولكن 15,000 جندي فحسب كَانوا يُشاركونَ في عمليةِ معاً للأمام مَع 45,000 جندي عراقي.خطط الجيش الامريكي لإضافة مزيد من القوات تعدادها 2000 جندي الى المعركة في العاصمة في نهاية العام ، فضلا عن ثلاثة أضعاف ذلك العدد من مستشاري الولايات المتحدة يعملون كجزءا لا يتجزأ من القوات العراقية.
عرضت أحداث الخطف الجماعي لأكثر من 100 موظف من السنة التي تدير وزارة التعليم العالي والتفجير في مدينة الصدر الذي قتل فيه أكثر من 200 من السكان في تشرين الثاني/ نوفمبر لخطر نشوب هجمات انتقامية مماثلة لتلك التي ظهرت بعد تفجير مسجد سامراء في شباط/ فبراير. حيث أعد الشيعة والسنة فرق الموت التي أعدت لهجمات بقذائف المورتر والتفجيرات ، وأقامت نقاط تفتيش حول كل الاحياء. وهناك بعض الأدلة على أن "زمر" السنة لديهم علاقات بالقاعدة وجماعات من البعثيين السابقين ، لكنها لا تزال غير منظمة ومحلية.
كانت بغداد مركز الصراع الطائفي ، ولكن أعمال العنف امتدت الى البلدات المجاورة ِ، خصوصاً بعقوبة، بلد، والعمارة كما هدّدت الحرب الأهليةُ بإبتِلاع كامل البلادِ.وقُتلَ في إسبوعِ واحد في عنفِ مدينة بلد الطائفي80 عراقي وأجبرت العوائلِ السنيّةِ على الإنتقالَ(هُجرت).أن رؤية الجثث في بعقوبة على ما يبدو في الشارع أصبح يوميا لأن المسلحين السنة والميليشيات الشيعية يحاولون إجبار الطائفة الأخرى للخروج من المدينة. تدهور الوضع الامني في الجنوب بمحافظتي البصرة وميسان في الوقت الذي هناك قتال في الشمال بمدينتي الموصل وكركوك تضم الشيعة والسنة والاكراد ، والأقليات العرقية والتهجير الداخلي القسري. كان من المستحيل تحديد عدد من أفراد الميليشيات الشيعية أو السنية الذين لديهم روابط مع الجماعات المتمردة ، ولكن كان واضحا في نهاية عام 2006 إلى أن العنف الطائفي بدأ ينتشر خارج العاصمة -- ويلغي الاستراتيجية العسكرية الامريكية والعراقية للحد من العنف في بغداد في وقف الحرب الأهلية. وتقدر الامم المتحدة ان العنف الطائفي كان يقتل 120 عراقي يوميا.
ان العراقيين وسط اعمال عنف واسعة النطاق في البلد ، والظروف الاقتصادية مستمرة في التدهور، يواجهون أزمة وقود حادة والبطالة وارتفاع معدلات التضخم ، وازدهار السوق السوداء. وانتاج النفط ما زال أقل من مستويات ما قبل الغزو والكهرباء في المتوسط 6-8 ساعة في اليوم فقط في العاصمة في تشرين الثاني/نوفمبر. كما بدأت تظهر آثار الحرب الأهلية على التعليم والرعاية الصحية في العراق، حيث المتعلمين من حملة الشهادات إما فروا من البلاد أو اغتيلوا. وفي واشنطن أصبح المسؤولون تحت الضغوط لزيادة الشرح ، والتصدي للتدهور الحاد في البيئة الأمنية في العراق بعد انتصار الديموقراطيين في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. كما أعلن الرئيس بوش استقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وتعيين روبرت غيتس خلفا له.حيث أعلن الجيش الاميركي ان هذه الاستراتيجية لتأمين بغداد كانت تتهاوى وأصبح تغيير الاتجاه ضروريا. وعلى الرغم من تزايد الشكوك في الوجود الاميركي في العراق ، كانت الادارة الامريكية مصصمة على البقاء في البلد حتى يتم تأمينه.
فرق عمل عديدة في الولايات المتحدة أنتجت مجموعة واسعة من الخيارات لمنع الأزمة في العراق من أن تتصاعد إلى حرب أهلية واسعة النطاق.وكانت المواضيع المشتركة هي أن يتم الانسحاب التدريجي للقوات الامريكية ، وزيادة الجهود لتقديم المشورة لقوات الأمن العراقية، ودفع البرلمان العراقي للتوصل إلى تسوية سياسية ، وأجراء المحادثات الدبلوماسية مع دول الجوار -- وهما سوريا وايران. تنام القلق لدى الدول الإقليمية المعنية أكثر من أي وقت مضى في خريف عام 2006 حول انتشار الحرب الأهلية داخل العراق وخارجه. حيث صوت مجلس الامن الدولى بالاجماع يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني على تمديد تفويض الامم المتحدة لقوات "التحالف" في العراق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مركز الدراسات الاستراتيجة والدولية واشنطن(CSIS).علما بأن كل التقارير منشورة في مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد.

الأربعاء، 11 فبراير، 2009

الدور المستقبلي للدين والطبقة المتوسطة في السياسية العراقية[1]

الباحث: أمير جبار الساعدي
ان التفاعل الديناميكي البارز بين الدين والسياسة في العراق مربك لبعض العراقيين في الخارج ويثير الذعر للبعض الاخر. اذ يبدو ان العراق يختبر نهضة دينية،وقادة دينيين لاسيما القادة الشيعة الذين يمارسون تاثيرا سياسيا متناميا. ان دور الدين في الحكم اصبح الان واضحاً بالتحديد في الوقت الذي تجري فيه عملية كتابة دستور عراقي جديد[2]. وخلافا للأعتقاد السائد، فان النهضة الدينية في العراق بدأت قبل اكثر من عقد من الزمن. لقد كانت في جزء منها مصممة لغرض ستراتيجية الخلاص السياسي من صدام حسين الذي اعلن " حملة ايمانية " عام 1993 فقد طبعت الحكومة ووزعت خمس ملايين نسخة قرآن ، وشيدت مساجد كبيرة ومكلفة (أغلبها سنية) وفي عام 1994 اخذت الشريعة مكانها في القانون العراقي. وقد شجع سقوط نظام (صدام حسين) هذه النهضة للحصول على قوة دفع جديدة لاسيما بين الشيعة مع وجود تنامِ في التدين في ارجاء العراق كافة. لدى الشيعة اربعة او خمسة مراجع كبار، يجب اخذهم على محمل الجد لاسيما بالنسبة الى (قوات المتعددة الجنسيات) والحكومة الانتقالية. واهم هؤلاء المراجع هو (آية الله السيد علي السيستاني). والسيد السيستاني لا يعتقد بالجمهورية الاسلامية او الحكم الديني على النمط الايراني. لكنه يؤمن ان القيادة الدينية يجب مشاورتها بشأن القضايا السياسية الملحة. وقد برز المأزق اثناء الاعداد للحملة الانتخابية وكتابة الدستور اساسا لان خطة (القوات المتعددة) الاخيرة كانت مفاجأة للسيستاني الذي عارضها بقوة. ويرغب السيد السيستاني وزعماء شيعة اخرون ممن يعارضون اقامة جمهورية اسلامية بشكل حكومة ديمقراطية تاخذ بنظر الاعتبار الاغلبية السكانية للشيعة. وكذلك يريدون ان يلعب الاسلام دوره في اشكال الحكم الجديد. وعلى الاغلب فلا مناص من تفادي الفقرة التي تنص على ( ان الاسلام دين الدولة وهو جزء من دساتير العالم العربي) ، كما نصت عليه كل دساتير العراق السابقة. وهذا سيبقى الباب مفتوحا للسؤال عن معنى هذه الفقرة بالضبط في المجال التطبيقي ، وسيقترح السيد السيستاني في الاغلب ان تكون الشريعة الاسلامية احدى مصادر التشريع العراقي اما الاقتراح الاكثر اشكالية وهو ما ينادي به المتشددون هو ان تكون الشريعة الاسلامية مصدر التشريع الاساس وهذا ما رايناه في مسودة الدستور على إن (الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع). اما مقتدى الصدر فاسلامي اكثر اندفاعاً، فهو يحاول تاكيد هيمنة تراث عائلته، التي تركز اساسا على موقف والده المتوف ، على بقية العائلات الدينية الشيعية المرموقة.ويكافح مقتدى الصدر من اجل التفوق الديني لعائلة الصدر.ويرتكز هذا الجهد للفوز بالموالاة شأنه في ذلك شأن الحركات الشيعية الاخرى على انشاء العائلة لشبكات من الجمعيات الخيرية والمبتدئين. اعتمادا على الفكر الذي تطور على يد والده ، فقد استغل مقتدى المشاعر المناهضة لأمريكا لحشد الدعم ، مع ذلك فان خطابه يتسم بالارتباك وعدم التناسق ، وهو تحت تأثير معلمه آية الله (كاظم الحائري) ذو التيار الراديكالي ومقره في ايران. ان امثال السيد مقتدى الصدر ممن يعتقدون بالحكم الديني لن يفوزوا بالمنافسة السياسية ورغم الحاجة الى الاعتراف بالقيم الاسلامية في أي دستور جديد ، فهناك فرصة معقولة ان هذا الدستور سيعترف بفكرة الفصل بين الدين والدولة. اذ يؤيد بعض رجال الدين الشيعة اللبراليين فكرة الفصل بين الدين والدولة. وقد تبنى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بقيادته الحالية المتمثلة بالسيد عبد الغزيز الحكيم، برنامجا ذرائعيا في التعاون مع (قوات المتعددة الجنسيات)، والمشاركة في الحكم. وقد اعلن المجلس علاقته بـ(قوات الائتلاف) بوصفه يمثل " المقاومة السلمية". ويعتقد اغلبية الشيعة ان مذهبهم هو مسألة خاصة، لا يتدخل بشؤون الدولة والحكم . لكن قوات الائتلاف لم تعبأ بهذه الشريحة من السكان وتجاهلتها تماما. حين تظهر الاحزاب السياسية فسيقسم الشيعة انفسهم الى حركات سياسية متعددة. فالشيعة ليسوا وحدة متماسكة ، وبالاضافة للآراء المتباينة حول الدين والدولة، وهم منقسمون حسب العوائل والمناطق ، والحضر مقابل الريف، والعلمانية مقابل الدينية. وسوف يستمر الدين بكونه عاملا مهما في السياسة العراقية، بين كل الجماعات لاسيما الشيعة . ونظرا لعودة السنة للمسار السياسي. فسترجع الاصوات السنية الدينية الى الساحة وتختلف هذه الاصوات من الاخوان المسلمين ذوي المنهج الذرائعي الى السلفيين ذوي المنهج الراديكالي المتشدد وبعضهم من الوهابية. ورغم ان العلمانيين العراقيين لاسيما في الطبقة المتوسطة المتحضرة ليسوا بمستوى حزم القوى الدينية الا ان اعدادهم كبيرة، وحالما يصبحون اكثر تعبيرا فسيدعمون علمانية معتدلة. ويتميز الكفاح السياسي الحالي بعدة سمات رئيسة[3]: *ان اللعبة لا تمتلك قواعد واضحة وربما قد توجد معالم واهداف غير محدودة. *ان الفدرالية والمشاركة في السلطة هما " فوق الهوى" وحتى لو كان هناك تخصيص مؤقت للسلطة على تولي منصب الرئيس ورئيس الوزراء ونائبي الرئيس فهو فقط لفترة مؤقتة، ولا يؤثر على الكفاح من اجل المال والسلطة والارض...الخ. فان الانقسامات العرقية بين العرب والكرد والتركمان وبين الاقليات الاخرى لم يقرر به على نحو حقيقي. والشئ نفسه ينطبق على الانقسامات بين السنة والشيعة وبين الانقسامات العلمانية الدينية. حيث لايوجد دعامة اقتصادية للأستقرار السياسي والكثير من الوظائف تعتمد على المساعدات وعلى رواتب الوظائف الامنية المدفوعة. العراق الان يمتلك اقتصادا وهميا توجد حملات حقيقية لاعادة الاعمار. والعراقيون يعرفون ذلك تماما. حيث عبر 70 % منهم عن مخاوفهم في ضمان مستقبلهم الوظيفي وذلك في استطلاع اجرته قناة الـ ABC في شباط الماضي. *وتشير استطلاعات الراي العامة أنه لايوجد قائد عراقي يتمتع الان بدعم واسع، ومن ضمنهم السيد السيستاني، فالجميع لديهم ارء سلبية فعالة. والاراء السلبية هي اكثر من الايجابية، فنرى تضارب الفتاوى للمراجع العظام على مسودة الدستور وذلك عبر اعلام الاحزاب والكينات السياسية والمنظمات الشيعية التي تتصدر الصفحات الاولى لصحفها موافقة وحث المراجع الشيعية بالتصويت بـ(نعم) للدستور وبين التصريحات الرسمية للناطقين باسم المرجية بعدم صحة تلك الفتاوى. حيث توجد منافسة حادة بين أحزاب معينة وان لديهم حافز متنامِ لإظهار استقلالهم من التحالف. ويوجد الان فراغ سياسي حيث توجد بواعث قوية لمناشدة دعم الاحزاب العرقية أو الدينية وزعماء المعارضة لتشويق الطريق حتى تحقيق النصر. لايوجد حزب سياسي واحد في العراق يحظى بدعم شعبي هام، حيث ان 70 % من العراقيين يعارضون الاحزاب السياسية. فقد جاء ذلك من خلال الاستطلاع الذي اجرته الـ ABC في شباط الماضي وبشكل كبير بسبب الميراث السابق المتمثل بالأنتماء الواسع (لحزب البعث). معظم العراقيين يؤيدون قائدا قويا كحل مؤقت بدلا من "الديمقراطية" على الرغم من عدم وضوح الرؤيا حول من سيكون هذا القائد القوي. لايوجد لحد الان قائد عراقي يعد نفسه لسلسلة الانتخابات القادمة إلا أنهم يحاولون وعلى نحو عدائي الى تكوين احزاب سياسية شعبية او يبذلون جهودا للسيطرة على وسائل الاعلام. ان الجهود السياسية السلمية الكبيرة هي ضرورية لخلق قاعدة من اجل الديمقراطية لكي تكون خاضعة للكفاح السياسي ضمن نطاق الحكومة الانتقالية المؤقتة ناهيك عن التحديات القادمة من الخارج. *العديد من القادة المحتملين في العهد الجديد لديهم أسبابهم الخاصة من ان يخسروا في نضالهم القادم حول السلطة. ولا توجد خطط واضحة لأختيار المسلمين السنة والشيعة في النظام ، حيث تم استثناء وعلى نحو كبير المناطق المعادية والأحزاب من العملية السياسية تحت صورة خادعة على انهم جماعة صغيرة لمثل هكذا موضوع حقيقي، ويبدو ان امريكا ما تزال تحاول تنظيم انشاء ديمقراطية فيما يريده العراقيون وليس الشيء الذي تريده اميركا او الذي يريده المصلحون الغربيون. * لاتوجد فرصة ذات معنى " للأمن اولا "فعملية البناء السياسي والوطني يجب ان تمضي قدما وسط العمليات الارهابية والصراع المنخفض الكثافة خلال 2006. وستكون الانتخابات صعبة للغاية والمناطق المعادية ستواصل عملياتها القتالية لأثبات وجودها. * الاندفاع الى اقامة قوات عراقية مسلحة وقوات امنية ملائمة لفترة ما بعد الصراع الدائر في العراق حاليا، حيث يوجد في العراق الان عشرات الالاف من الرجال غير المدربين، والمسلحين بصورة ضعيفة تم تجنيدهم عملا بالقواعد العرقية والدينية والقبلية. ولايبدو ان هناك خطة واضحة لتدريـبهم. وتجهيزهم بالاسلحة والمستلزمات التي يحتاجونها في الوقت المناسب. * قد يفتتن السياسيون بالسياسية، الا ان العراقيين يرغبون بالعيش في ظل حكومة. وان تشكيل 25 – 27 وزارة ، ومحافظات وحكومات مدنية سوف يؤثر على كل مظاهر الحياة اليومية والامنية وان خطة اقامة حكومة مؤثرة سيمتد بعد الانتخابات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن بتاريخ 23/كانون الاول/2003 وترجمت بتصرف وتبعا لتغير الوضع العراقي.
[3] مجلة الشؤون الخارجية تحت عنوان (How To Build a Democratic Iraq). بتاريخ 8/6/2003

الدور المستقبلي للدين والطبقة المتوسطة في السياسية العراقية (2-2)

الباحث أمير جبار الساعدي

مفتاح الوحدة في يد الطبقة المتوسطة في العراق[1]
من المؤكد ان الولايات المتحدة الأمريكية ستواجه في سعيها لأرساء الديمقراطية تحديات تخص وحدة العراق الوطنية.اذ تؤثر الانقسامات الطائفية والعرقية على العملية الدستورية، وتشكيل تراكيب الحكم العراقي وعملية نقل السلطة الى حكومة منتخبة ودستور دائم. إن معالجة القضايا الطائفية والعرقية ليست حساسة لجهود اعادة الاعمار فحسب بل ايضا لوحدة العراق وسلامة أراضيه.
يجمع المنظرون السياسيون ان الطبقة المتوسطة متطورة بالكامل وهو أمر أساسي لديمقراطية فعالة وحيوية ولحسن الحظ مازال في العراق طبقة اساسية وذات تعليم ممتاز. مع ذلك لم تتقدم هذه المجموعة باتجاه ارساء الديمقراطية او الاصلاح. ويعود هذا الى ان الطبقة المتوسطة شأنها في ذلك شأن قطاعات اخرى في المجتمع العراقي دفعها قمع نظام صدام الى الخضوع والكسل
[2].
وتبرز اهمية المساعدة في توجيه الطبقة المتوسطة نحو الديمقراطية في ان الطبقة المتوسطة هي من تملأ المراتب والوظائف الادارية. ولا يمثل الموظفون والاداريون المعروفون بولائهم للقواعد القانونية, والتدرج الهرمي غالبا عناصر مثالية لتعزيز القيم الديمقراطية. اضافة الى ذلك تتفاقم هذه العوائق عند تفشي الفساد الاداري كما هو الحال في العراق. فمن المُلِح اذن تحسين وضع الموظفين الحكوميين في البلاد حتى لايقفوا عائقا امام التطور الديمقراطي.

العراق سيمر بازمة هوية
لقد شوه نظام (صدام حسين) البائد الهوية العراقية، تلك التي تشكلت في القرن العشرين... لكنه لم يقدر على محوها او تدميرها , فهي اليوم تلعب دورا اكبر بكثير من السابق ويرجع سبـب ذلك الى محاباة النظـام للأقليـة (السنية) وقمعه للمتمردين الاكراد والشيعة.
وتمثل قضية الاكراد في الشمال أولى تحديات الوحدة الوطنية. لقد ادى اكثر من عقد من الحكم الذاتي والقيادة الكردية الوطنية, بعيدا عن النظام البعثي الى تنامي الشعور بالهوية الكردية. ويدرك الاكراد ان مطامحهم في دولة مستقلة لن ترى النور في أي وقت قريب وأن الدفاع عن دولة مستقلة محشورة بين ايران وتركيا الاكثر عِداءاً، والعراق العربي سيكون صعباً للغاية. مع ذلك فان القضاء على المطامح الكردية الوطنية واعادة توحيد المحافظات الكردية الثلاثة وكذلك تفكيك المليشيات الكردية سيشكل تحديا خطراً.
كما أن المجتمع الشيعي هو الاخر قد تنامي شعوره بهويته وكيانه، وان كان ذلك ذا طبيعة دينية اكثر مما هي انفصالية ،وتتمثل المطامح الشيعية بالسيطرة على العراق, وليس تقسيمه لقد ادى القمع تحت نظام (صدام حسين) الى القضاء تقربيا على القيادة الشيعية العلمانية. وظهرت نتيجة لذلك نخبة دينية. رغم افتقار الشيعة للتجانس فهم منقسمون الى جماعات علمانية واخرى معتدلة واخرى دينية. وهؤلاء يتفقون على شئ واحد هو المطالبة بتمثيل نسبي في الحكومة العراقية التي تعطي للشيعة نسبة 60% او اكثر في البرلمان والمناصب الوزارية.
وأخيراً هناك شعور متنامي بالهوية السنية لا سيما بين الذين فقدوا امتيازاتهم التي كانوا يتمتعون بها في ظل النظام البعثي ،ويتضح هذا الاتجاه اكثر خارج بغداد، خاصة في المناطق الريفية فيما يسمى بـ "المثلث السني" وهناك حاليا تصاعد في الاصولية الدينية لاسيما بين الاجيال الشابة ،اما النخبة السنية الحضرية الذي يشكلون جزءا مهما من الطبقة المتوسطة العراقية فيظهرون توجهات اقل طائفية. ويشاركون في التفاعل عبر التيارات الطائفية والعرقية. وسيكون دمج هذه المجموعة من اصحاب الاختصاص ورجال الاعمال والنخب السياسية ذو اهمية بالغة لاعادة اعمار العراق.

تحولات عنيفة..
لقد جاءت الاحداث المتلاحقة في العراق بتغييرات جذرية فالفكر القومي العربي الذي اعاق بروز هوية وطنية عراقية ياخذ بالضعف ومن المحتمل ان تكون الهوية العراقية القادمة دينية اكثر في طبيعتها، ويمكن توقع مناظرات عنيفة بشأن دور الشريعة والمراة وقد يدفع الدور القوي للدين الى العنف الطائفي او بالعكس فقد يتوحد السنة والشيعة في معارضتهم لوجود القوات الاحتلال في العراق.
ومن الضروري ان يشهد العراق الجديد دورا اقوى للأكراد والشيعة مما كان عليه في ظل نظام البعث. وهذا سيوجه تحدي التـفوق التقليدي لوسط العراق على اطرافه كما ان مسألة العدالة مهمة للغاية اذ يعيش 50% تقريبا من اجمالي الشعب العراقي في خمس محافظات الوسط
و 30% في عشر من محافظات الجنوب و 15% في الشمال.
ان العراق حضري للغاية: اذ يعيش 75% من سكانه والاغلبية من الطبقة المتوسطة في المدن. لقد كانت معظم الطبقة المتوسطة السنية الحضرية مقربة من نظام البعث وهم الان مترددون في دعم جهود الحكومة الانتقالية. ونحتاج الى تعبئة هذا الاحتياطي الحيوي من الدعم الكامن لجهود ارساء الديمقراطية اذا ما رغبت كتلة الاغلبية في تحقيق اهدافها.

ما الذي يتوجب على الولايات المتحدة الامريكية فعله الان
[3]؟
في هذه النقطة، فإن أمريكا تفتقر للخيارات الجيدة...على الرغم من أنها لم تمتلك هذه الخيارات في ادارة بوش. فالخيار بتحويل العراق وبسرعة الى الديمقراطية الحرة الناجعة اولا لم يكن خياراً عمليا بل كان ضربا من ضروب الخيال لأن الفكرة لو نجحت في اهدافها ستحول العراق وبقوة سحرية الى مثال يحتذى به لاجراء التحول في منطقة الشرق الاوسط. ولغرض الوصول الى النجاح تأمل الولايات المتحدة الان الى انجاز بعض الاهداف الواقعية من الناحية العلمية وتحاول بناء تضامن سياسي يجنب البلد من حرب اهلية ويطور مستوى المشاركة الجماعية ويساعد العراقيين على المبادرة في مباشرة اقتصادهم بانفسهم وعلى هذا سيكون هناك تحول كبير من الابقاء على التأثير الأمريكي والقوة الفاعلة لمرحلة ما بعد السيادة الى مرحلة تبذل فيها الولايات المتحدة جهدا لتحويل النشاطات السياسية والأمنية والدعم المالي للعراقيين قدر الامكان وتركز على دعم الامم المتحدة في خلق افضل المستويات الممكنة لاقامة الشرعية السياسية العراقية.
أمريكا يجب أن لا تتخلى عن العراق لكنها يجب أن تتخلى عن الجهود التي تبذل لاقامة عراق مشابه للصورة الأمريكية.
ويمكن لجهود الولايات المتحدة، اما دعم هوية عراقية موحدة أو تقويضها دون قصد. إن قوات الاحتلال بحاجة لتوجيه جهودها في تعزيز القوى الموحدة وتقويض الاغراءات الطائفية.
وتوجد طرق عدة لفعل منها:
1. الابتعاد عن التوازن العرقي للمؤسسات السياسية نحو سياسات تهتم بجهود ارساء الديمقراطية.
2. بناء منظمات غير حكومية تتوسط الاتجاهات العرقية والطائفية.
3. توفير فرص اقتصادية واسعة، تشمل قروض للأعمال الصغيرة والمتوسطة لاسيما للأعمال النسائية والعائلية.
4. إظهار النجف وكربلاء ومدن أخرى بوصفها مراكز مستقلة مع الاهتمام بدور بغداد في المستقبل.
5. دعم الاحترافية (الاحتراف الوظيفي المتخصص) لاسيما بين الموظفين الحكوميين.
6. توفير التعليم المدني للمجتمع.
7. اصلاح التعليم بكافة مستوياته مع التاكيد على العلوم الاجتماعية والانسانية.
8. تشجيع انشاء الجامعات الخاصة وتنميتها.
9. انفتاح العراق على دول العالم.
أن الولايات المتحدة في مشروعها بدعم الطبقة المتوسطة سترى نفسها تدعم أعضاء سابقين في حزب البعث. وهنا يكمن الخطر. فالحكومة الجديدة تحتاج في نفس الوقت الى استثناء الاشخاص ذوي التاريخ الدموي ثم ايجاد طرق لتأهيل من كانوا مقربين لنظام البعث وادراجهم للمشاركة في بناء مستقبل العراق.
ان اعادة بناء النظام السياسي للعراق سيكون محملا بالصعوبات، ولكنه ممكن بالتاكيد. وفي ذات الوقت ينبغي ان يعكس جدول الاعمال العراقي نحو الديمقراطية المزايا الفريدة للمجتمع العراقي. إن ارساء المؤسسات السياسية الديمقراطية التي تؤدي مهامها بدقة وتلبي الحاجات الخاصة للمجتمع وتتحمل مسؤولياتها يمكنها بسرعة غرس العادات الديمقراطية في السكان وستخدم هذه النتيجة الجميع ... لاسيما الشعب العراقي الذي يستحق بعد طول المعاناة اكثر من ذلك
[4].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مركز الدراسات الدولية - جامعة بغداد
[1]معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن بتاريخ 23/ديسمبر /2003
[2] مجلة الشؤون الخارجية تحت عنوان. How To Build Democratic Iraq بتاريخ 8/7/2003
[3]النشرة الاستراتيجية CSIS الصادرة في 5/5/2004 Iraq: What Is Be Done
[4] مجلة الشؤون الخارجية في العدد الصادر في 8/7/ 2003 How To Build Democratic Iraq

الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

حكـام العـالم الجـدد (1)*


جون بيلجر*
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي


عندما فكر نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ان: الحرب ضد الإرهاب "قد تستمر خمسين سنة أو أكثر كان قد اقتبس كلمات من الكتاب التنبؤي" للكاتب جورج اوريل الموسوم (1984) لذلك يبدو ان علينا العيش مع تهديد وأوهام حرب أبدية لإرضاء اضطهاد الدولة والسيطرة الاجتماعية المتزايدة بينما تسعى الدولة العظمى لتحقيق هدفها في التفوق العالمي. لقد تحولت واشنطن إلى المدينة الرئيسة لمهبط الطائرات رقم(1)وترى ان كل مشكلة سببها العدو وهو"غولدستين" الشرير كما سماه اوريل وقد يكون إسامة بن لأدن أو خلفائه أي"محور الشر". هنالك في رواية اوريل ثلاث شعارات تحكم المجتمع وهي: الحرب هو السلام والحرية هي العبودية والجهل هو القوة؛ وشعار اليوم "الحرب ضد الإرهاب" أيضا يقلب المعنى فالحرب هي الإرهاب.ان أقوى سلاح في هذه الحرب هو الإعلام الزائف وهو يختلف شكلا فقط عما وصفه اوريل الذي يرجع الحقائق غير المقبولة والحس التأريخي إلى النسيان. كما ان الخلاف جائز ضمن حدود الأطماع "الرضا المتبادل وهذا يعزز الوهم بحرية المعلومات والكلام(الحديث). ان هجمات 11ايلول(سبتمبر)/2001 لم تغير كل شيء لكنها سرعت من تعاقب الأحداث إذ قدمت عذرا استثنائياً لنسف الديمقراطية الاجتماعية ويعد تعليق ميثاق الحقوق في الولايات المتحدة والتفكيك الكبير لمحكمة المحلفين في بريطانيا وزيادة الحريات المدنية ذات العلاقة شكل هذا وجزءاً من تقليص الديمقراطية إلى مجرد طقوس انتخابية أي بعبارة أخرى تنافس أحزاب غير مميزة من اجل إدارة دولة أحادية الإيديولوجية وتعتبر الدوائر الإعلامية مهمة لازدهار دولة الأعمال التي تحظي بنفوذ لا نظير له إذ تسيطر على التلفزيون ونشر الكتب وإنتاج الأفلام وقواعد البيانات وتقدم عالما افتراضيا إلى الحاضر الأبدي كما دعته مجلة تايمز السياسية بالإعلام والحرب والعدالة بالإعلام وحتى الحزن بالإعلام (وفاة الاميرة ديانا) "فالاقتصاد العالمي" أهم مشروع إعلامي.
والاقتصاد العالمي هو أيضا مصطلح حديث لاوريل. إذ ترى على السطح التبادل المالي الفوري والهواتف النقالة ومطاعم مكدونالد والستاربكس وقضاء العطل بالحجز عن طريق الانترنيت وتحت هذا البريق نرى عولمة الفقر نرى عالما لا يتمكن فيه معظم الناس من اجراء مكالمة هاتفية. ويعيشون بدخل أقل من دولارين في اليوم، عالما يموت فيه (6000) طفل يوميا بسبب الاسهال لان معظمهم لا يتوفر له الماء الصالح للشرب. وفي هذا العالم الذي لا يراه معظمنا في شمال الكرة الارضية ظهر نظام متطور من الاحتيال أرغم أكثر من تسعين بلداً على نهج برامج"التكيف الهيكلي"منذ الثمانينات ووسع بذلك الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة أكثر من ذي قبل وهذا ما يسمى بناء الدولة "والحكم الرشيد"من "الرباعي" الذي يبسط نفوذه على منظمة التجارة العالمية (الولايات المتحدة واوربا وكندا واليابان) وثلاثي واشنطن(البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والخزانة الامريكية) التي تسيطر حتى على أدق جوانب سياسة الحكومات في الدول النامية ، جاء نفوذ هذه الدولة اساسا من الدين الذي يرغم الدولة الفقيرة على دفع (100مليون دولار) يوميا الى دائنيهم في الغرب والنتيجة عالم تسيطر فيه النخبة وهي أقل من مليار نسمة على 80% من ثروة الانسانية. ومما ساعد على تنامي هذه الحالة المؤسسات الاعلامية متعددة القوميات في امريكا واوربا التي تملك او تدير ابرز مصادر الاخبار والمعلومات في العالم وقد حولت هذه الدوائر معظم جوانب "مجتمع المعلومات". الى عصر تتيح فيه التكنولوجيا المتقدمة التكرار المتواصل للمعلومات(الامنة) سياسيا والمقبولة لدى بناة الدولة([1]): تعلمنا في الغرب على ان نرى المجتمعات الأخرى من زاوية عدم الاستفادة منها وكذلك تهديدها "لنا" واعتبار الاختلافات الثقافية أكثر أهمية من القوى السياسية والاقتصادية التي نحكم من خلالها على أنفسنا ويكتم الاشخاص من ذوي المصادر النادرة لفهم هذا، وبضمنهم من يدرسون ويبحثون في أبرز الجامعات ويكتمون معرفتهم علناً، وربما لم يصادفوا أبداً مثل هذا الصمت المطبق.

ينطلق هذا الكتاب "حكام العالم الجدد" لايضاح بعض التفاصيل عن هذا النظام الجديد وأهمية كسر الصمت الذي يحمي القوة العظمى واستغلالها خصوصا هذه الحرب الجارية ، يتألف الكتاب من أربع مقالات تبدأ بمقالة "التلميذ النموذج" وهي تحكي قصة كيفية تورط الاقتصاد العالمي في اسيا بحمام الدم الذي أتى بالجنرال سوهارتو الى الحكم في اندونيسيا بين عامي(1965-1969) وتعتمد على وثائق كشف عنها النقاب مؤخرا تصف اجتماعا بالغ الأهمية بين ابرز أصحاب الشركات الكبرى نفوذا جرى في عام 1967 حيث رسموا فيه بنية الاقتصاد الأندنوسي قطاعا قطاعا. وقد أخبرني جيفري ونثرز الاستاذ في جامعة نورث ويسترن بولاية شيكاغو أنه جرى تنفيذ ذلك تنفيذا مثيرا جدا. فقد انقسموا الى خمس مجموعات مختلفة، التعدين في غرفة والخدمات في غرفة أخرى والصناعات الخفيفة في غرفة والصيرفة والمال في غرفة أخرى وترى رجال الاعمال هؤلاء يجلسون حول الطاولة ويقولون (الشعب سوهارتو) هذا ما نريده: هذا وهذا، كما بدأوا اولا بصياغة الاساس القانوني للاستثمار في أندونيسيا. وكانت النتيجة تسليم جبل من النحاس والذهب والنيكل والبوكسيت للشركات الأمريكية عابرة الحدود القومية واستحوذت مجموعة شركات أمريكية ويابانية وفرنسية على الغابات الاستوائية في سومطرة وغيرها. وسألت أحد ممثلي سوهارتو في الاجتماع عام (1967) ويدعى أيمل سليم قائلا:هل ذكر احدكم المليون شخص الذين لقوا حتفهم في أحداث العنف التي اتت بالاقتصاد العالمي الجديد الى أندونيسيا وأجاب "كلا لم يكن ذلك في جدول الاعمال اذ لم يكن لدينا تلفزيونا حينها". لم تجلب أبشع مجزرة في النصف الثاني من القرن العشرين ذلك الكم من الأخبار الذي يدعو الى الاحتفال. وعندما أصبح رابع أكبر بلد في العالم من حيث السكان"ملكنا". كانت سيطرة سوهارتو على الحكم من "أفضل التغطيات الأخبارية في الغرب لسنين عدة". وأخبر جيمس ريستون عميد المحررين الأمريكيين قرار(نيوروك تايمز) أن الاحداث الدموية في أندونيسيا كانت "وميض من نور في اسيا". ويتفق المثقفون الأندنوسيون في جامعاتنا على اعتبار كذبة سوهارتو الكبرى بشأن "الانقلاب الشيوعي" سببا في عمليات القتل، بينما تخفف المؤسسات الغربية من أزمة "استقرار" نظامه، لقد أستمر الصمت لاكثر من ربع قرن حتى كسرته صيحات ضحايا سوهارتو في تيمور الشرقية وهي المجزرة الثانية التي ترتكب بمساعدة القوات الغربية.
ويعرض هذا الفصل الذي يعتمد فلمي الوثائقي "حكام العالم الجدد" برنامجاً آذاعياً تم بثه عام2001 ومنه أخذت عنوان هذا الكتاب، والجديد هنا يحتاج الى تأهيل. فالرواية التي تدمج أربعة فصول هي ارث للامبريالية "القديمة" وعودتها الى واجهة الاحترام بعنوان "العولمة" "والحرب ضد الارهاب" وأحياناً يسيء البعض في فهم "الحكام الجدد" على أنها شركات متعددة القوميات وأغلبها أمريكية وهي التي تسيطر على "التجارة العالمية" من المؤكد ان ضخامتها ومستوى عملياتها جديد. إذ تفوق ميزانية شركة فورد للسيارات اقتصاد جنوب أفريقيا وتفوق ثروة جنرال موترز ثروة الدنمارك مع ذلك، فالاعتقاد السائد بين مناهضي العولمة أن الدولة قد "ذوت بعيداً" ما هو الا تضليل. وكذلك فكرة ان قوة الشركات العابرة للحدود القومية قد حلت محل الدولة وبشكل أوسع الامبريالية. كما ذكر الاقتصادي الروسي المعارض بوريس كانمالتسكي إن العولمة لاتعني ضعف الدولة ،ولكن تعني رفض الدولة لمهامها الاجتماعية لصالح مهامها القمعية ونهايات الحرية الديمقراطية. ويسعى فصل "اللعبة الكبرى" الى كشف الطرق التي تقدم بها قوة الدولة المتخفية هذه الشروط والامتيازات التي تحمي الأسواق الغربية في الوقت الذي تسمح فيه للشركات الغربية بالتدخل اينما تشاء في هذا العالم كما فعلت في أندونسيا. وتعمل القوة الثابتة للدولة الامبريالية اليوم"يدأ خفية" وكذلك القبضة الحديدية للراسمالية المتفشية. ولا جدال في قدرة الالة العسكرية الأميريكية على سحق الدول الفقيرة شرط تواجد القوات البرية الأمريكية وتبادلها مع قوات وطنية او متحالفة. اما الاستثناء فكانت فيتنام . فبالرغم من استخدام القوات الامريكية لقاذفات (B-52) وقنابل النابالم والمواد الكيمياوية والتفوق العددي للقوات، فلم يوفقوا بين المعرفة والتذكر ان هناك شعبا مستعدا لطرد الغزاة. كان هذا درساً للامبريالية.
وفي أفغانستان لم يقتل لحد الان سوى بضعة جنود أمريكيين. وأفادت تقارير قادة المجاهدين ان قاذفات (B-52) دمرت قرى من الصغر بحيث لا تظهر على أي خريطة وقتلت فيها حوالي 300 شخص في ليلة واحدة فقط. وذكر ريتشارد لليوباري في تقرير نشرته صحيفة الاندبيندنت ان هذه القاذفات قتلت عائلة مؤلفة من 40 فردا ولم ينجو منها سوى صبي صغير وجدتهِ. اما ما غاب عن انظار كاميرات التلفزيون،فقد قتلت القنابل (3.767) مدنيا على الاقل بين السابع من تشرين الأول والعاشر من كانون الأول أي بمعدل 62 مدنيا في اليوم ،وهذا طبقا لدراسة واحدة لا غير. كل هذا في بلد بلغت اخر ميزانية سنوية له 83 مليون دولار أي عشر كلفة القاذفات (B-52). وقد ورد هذا في الاعلام الداعم "كتبرير" او انتصار الافكار، انتصار الخير على الشر، بوجود المحررين والكتاب الثرثارين المنادين باعتذار من اولئك الذين يرددون الدعائية الإعلامية. وحتى كتابة هذا الكتاب لم يقبض أو يقتل حسب علمنا على أي فرد من قادة تنظيم القاعدة وبضمنهم الزعيم الأول بن لادن كما لم تتم تصفية الزعيم الثاني ملا عمر قائد حركة طالبان. ومن المؤكد ان لا أحد من تورط تورطاً مباشرا في هجمات 11 من ايلول/سبتمبر كان أفغانيا، فمعظمهم سعوديون تلقوا تدريباً في المانيا والولايات المتحدة، ولم يقدم أي منهم الى المحاكمة: ومع ذلك فالالاف من الابرياء في قرى يعلوها الغبار وغير منظورة قد صدرت بحقهم عقوبة الاعدام دون محاكمة او طبقا لاسلوب رعاة البقر في الغرب الأمريكي، والمزيد من الابرياء بانتظار بتر أعضائهم في السنوات المقبلة بفعل عشرات الالاف من القنابل العنقودية غير المتفجرة. فضلا عن ذلك فالتغيير الحقيقي في أفغانستان في مستواه الأدنى. فما زالت النساء لا يتجرأن على الخروج سافرات وما زال الشعب واعيا لعهد الاقطاع. وذكر وزير العدل الجديد من النظام الذي نصبته واشنطن ان حركة طالبان كانت تشنق وتعلق جسد الضحية أمام الناس لأربعة أيام، اما نحن فسوف نعلق الجثة لوقت قصير حوالي 15دقيقة بعد الاعدام العلني إن وصف هذا العمل بالانتصار وهو أشبه بالثناء على تفوق آلة الحرب الالمانية واعتبارها تبرئة للنازية.

وفي عصر الإعلام، نجد التجاهل هو القوة والفعل القياسي للاهمال. مجرد فحص دقيق للاسباب الحقيقية لاحداث 11من ايلول/سبتمبر يدعونا الى قذف العين بالافتراءات. وكتب ديفيد مكنايت الصحفي والاكاديمي الاسترالي ان "اشخاصا مثل جون بيلجر ونعوم تشومسكي ظهروا لتبرئة مرتكبي هجمات 11من ايلول/سبتمبر هو أن قتل الاف الابرياء ليس له ما يبرره سواء في أمريكا او أي مكان اخر. وبالنسبة لمكنايت ومن يقلدهم فان مسألة قتل الابرياء في أفغانستان هي "المكافىء العالمي لسياسة الاغارة على وكر المجرم" بضمنها المواجهة العنيفة التي لا مناص منها احيانا في اعتقال المجرمين". إن مسألة حق الفلاحين الأفغان في الحياة مثلما هو حق سكان نيويورك من القضايا التي لايصح ذكرها، بل هي تدنيس للمقدسات. اما مسألة التدمير الوحشي لقراهم رغم عدم وجود مقاتل واحد من طالبان او القاعدة، فهي مسألة "لا يمكن تجنبها". وبعبارة أخرى إن حياة بعض البشر أغلى من حياة أخرين وإن قتل نوع واحد فحسب من المدنيين هو ما يعد جريمة. لقد تغذى ارهابيو اسامة بن لادن وجورج بوش الابن على هذه الكذبة القديمة. وهما مرتبطان تأريخياً كذلك. فقد قامت وكالة الاستخبارات المركزية "بعملية الاعصار" التي دربت وسلحت من خلالها 35 الف (متعصبا) أصبحوا فيما بعد اعضاء في طالبان والقاعدة. وكما ذكر جون كولي في كتابه المميز الحروب غير المقدسة: أفغانستان وأمريكا والارهاب الدولي ان "حكومة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر دعمت الجهاد الممول أمريكيا بحماس شديد" ومعظمه جرى بتعاون ضابط الاستخبارات البريطانية في أسلام اباد. لقد أطلقوا العنان بحرية لاسامة بن لادن. وكلف هذا دافعي الضرائب الامريكان 4 مليارات دولار. ومن المفروض ان اعلان هذه الحقائق هو واجب الصحفيين والمفكرين، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. وفي أوج القصف الأمريكي على أفغانستان كرمت جريدة "الاوبزيرفر" ناشرها العظيم ومحررها ديفيد استور في ذكرى وفاته، الذي عبر عن معارضته للهجوم البريطاني على السويس عام 1956 بقوله ان صحيفة "دفعت الحكومة الى مهمة من أجل ان تستأسد ،وهي بذلك تعرف جريدة الاوبزيرفر بوصفها جريدة متحررة فكريا ومستعدة للسباحة ضد تيار التعاطف الشعبي". كما وصف استور "محاولة اعادة فرض امبريالية القرن التاسع عشر من النوع الاقسى". اذ ذكر "يقال ان الشعوب تحصل على ما تستحق من الحكومات. لنبرهن اننا نستحق ما هو افضل". وعلقت الاوبزيرفر على ذلك بقولها "ان غنى اللغة وصلة العواطف لها صدى واسع اليوم. فالكلمات كانت اقرب الى السريالية وتم اختيار السخرية بعناية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جون بيلجر الكاتب والصحفي والمنتج التلفزيوني الأسترالي المقيم في بريطانيا.
* كتاب (The New Rulers of The World. John Pilger, 2002) ترجم ونشر في مركز الدراسات الدولية جامعة بغداد سنة 2003.
[1] مفهوم جديد بدأ يدخل في الادب السياسي الامريكي ويعني وضع القواعد والاسس المقبولة غربيا (أمريكيا) لبناء دولة ما (في العالم الثالث خصوصا) على وفق النهج والقيم الامريكية Nation Building.

الاثنين، 9 فبراير، 2009

حكـام العـالم الجـدد (2)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي


لقد ساندت الاوبزيرفر"محاولة "حكومة بلير في أفغانستان. إن هذا الكتاب مكمل لسلسلة الكتب السابقة: الأبطال والأصوات البعيدة والملفات المخيفة التي قارنت أفعال السياسيين في ديمقراطيات الغرب مع أفعال الطغاة المجرمين والفارق عظيم في السبب والتأثير عن المجزرة والنشر لدعاية غادرة تقول أن الجريمة ليست بجريمة إن كان مرتكبوها "نحن". فليست جريمة أن تقتل أكثر من نصف مليون فلاح بقنابل تلقي بسرية وبلا شرعية على كمبوديا مشعلة مجزرة اسيوية. وليست جريمة لبيل كلنتون وجورج بوش الابن وتوني بلير وأسلافه المحافظين الذين تسببوا في العراق بموت "اكثر مما سببته جميع أسلحة الدمار الشامل في التأريخ" طبقا لما أوردته نتائج دراسة أمريكية.
فحربهم الصليبية ضد شعب يتألف من22 مليون نسمة ومنذ اثني عشر عاما هو محور "فصل دفع الثمن". والحقائق لاجدال فيها رغم ندرة نشرها. إذ ذكر تقرير للامين العام للامم المتحدة صدر في تشرين الاول/اكتوبر عام 2001 ان عرقلة حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا شراء ما قيمته 4 مليارات دولار من التجهيزات الانسانية كان السبب الرئيسي للمعاناة الشديدة وحالات الوفاة في العراق. كما ذكر صندوق الامم المتحدة للطفولة (اليونسيف) إن كل شهر يشهد وفاة6000 طفل والسبب في معظمها هو الحصار. أي ضعفي العدد الكلي لضحايا برجي مركز التجارة، ودليل حي اخر يثبت اختلاف قيمة أنواع الحياة. فضحايا برجي التجارة بشر، اما أطفال العراق فليسوا بشرأً!! وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، قد يتعرض العراق لهجوم الولايات المتحدة. لقد نجحت الاستخبارات الأمريكية عن طريق استخدام مقتطفات من الصحافة الأمريكية والبريطانية " قنواتاً " في خلق ما أعتادت وكالة الاستخبارات المركزية في الهند الصينية ان تدعوه "الوهم العظيم". وهذا الوهم هو تهديد "اسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق". وليس هناك اثبات او دليل دامغ على صحة هذا التهديد الذي أنكره سكوت ريتر مفتش الامم المتحدة السابق في العراق. مع ذلك "فتهديد العراق يأخذ الاولوية في ستراتيجية "الحرب الشاملة" التي تبنتها ادارة بوش بعد احداث الحادي عشر من ايلول. فتعليمات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد للبنتاغون "للتفكير فيما لا يمكن التفكير فيه" قد يدفع غير الأمريكيين على الأقل الى القلق من ان القوة العظمى الوحيدة في العالم قد دحرت على يد اصوليين، دلالات تعصبهم مجزرة بشرية هي مقياس للهاويين في حركة طالبان. وفي واشنطن يزداد تأثر "مجموعة النفط" برئاسة جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني(وكان جورج بوش الأب يشبه في ذلك حال تشيني وأخرون في حكومته، مستشارا في مجموعة كارليل التي اوصت بعائلة بن لادن) بمجلس سياسة الدفاع وهي هيئة شبه رسمية تعطي توصياتها الى رامسفيلد ووكيله بول وولفوفيتر. وتضطلع المجموعة المعروفة في واشنطن باسم "عصبة وولفوتز" بذات الوقت بالحق الاول برسم الحياة السياسية في أمريكا وهي مسؤولة كذلك عن حالة الالهام وراء "الحرب ضد الارهاب" وتحديدا مصطلح "الحرب الشاملة". وعرض احد "مفكري" المجموعة وهو ريتشارد بيرل، احد مخططي الحرب الباردة في ادارة ريغان،عرض هذا التوضيح قائلا "لا مراحل: هذه هي الحرب. فنحن نحارب اعداء متنوعين وهناك المزيد منهم في الخارج. وكل ما نتكلم عنه اولا هو البدء بأفغانستان فالعراق ثم نستطلع مجرى الامور. من الخطأ تماما التعامل بهذا الشكل... فاذا أطلقنا العنان لرؤيتنا للعالم ثم تقبلناها باجمعها، ولا نحاول جمع شتات المستقبل. لا يكفي مطاردة مرتكبي هجمات 11من ايلول/سبتمبر. فالارهاب يتطلب حربا لا نهاية لها. وعلى الاقل تم اكتشاف بديل "للرعب الاحمر" وهو ما يبرر الاستعداد للحرب وجنون الارتياب، وبناء أضخم الة عسكرية على الاطلاق واقصد به "برنامج الدفاع الصاروخي". ويقول قائد القوة الجوية الأمريكية ان "هذا سيضمن الهيمنة الكاملة" على العالم. وهذا يعني السيادة العسكرية المطلقة، التي يشبهها البنتاغون بهيمنة الاساطيل البحرية الأوربية على كل من النصف الشمالي والشرقي من الكرة الارضية في القرن التاسع عشر ولا تنتهي عند هذا الحد. فهذه الكلمات تم تطبيقها مسبقا في مجالات اخرى خاصة السيطرة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية، والتركيب او "الشبكة الداخلية" للحكومات الاجنبية كما تصفها صحيفة النيويورك تايمز، وكذلك اعادة تعريف المعارضة كـ"هاجس الامن الدولي". لقد تم التعبير عن ذلك تعبيرا اكثر انفتاحا وقسوة من ذي قبل خصوصا على لسان مجموعة منتخبة من البلهاء المثقفين في الصحافة الامريكية. ففي مقالة في صحيفة واشنطن بوست بعنوان "الاحادية مفتاح نجاحنا"،وصف تشارلس كراوثمر "العالم في الخمسين عاما القادمة عالما بدون حماية ضد الهجوم النووي او الدمار البيئي للمواطنين من أي بلد عدا الولايات المتحدة، عالم لا تعني "الديمقراطية" فيه شيئا اذا تعارضت نتائجها مع "المصالح" الأمريكية عالم يتهم فيه الشخص بالارهاب اذا ما أراد التعبير عن معارضته لهذه "المصالح"، عالم يبرر المراقبة والاضطهاد وحتى الموت. وكما أشار الى ذلك درووا يتورث ان هذه المعتقدات لا تختلف عن معتقدات اسامة بن لادن "التي ينقلها بضع رجال بلا تفويض".هناك صدى لـ"رايخ الالف عام" وحول هذا، تطور في البداية في سياق امريكي من خلال التصريح الجرىء لهنري ليوس في عام 1941في مجلة تايم عن"قرن امريكي".ويوزع الاكاديميون والمشاهير مرة اخرى في الولايات المتحدة وجهة نظر القاريء"عن العالم، مثل كتاب "صراع الحضارات" لصاموئيل هانتنغتون وصدر مؤخرا كتاب "لماذا انتصر الغرب" لفكتور ديفزهانون ودعوته "لسياسة الاستعداد العسكري العدواني للمدنيين". ولا يدرك أي نص من هذه النصوص التي تؤكد على "التفوق الثقافي" ان الدوافع الامبريالية للقرن الأمريكي قد أستهانت بأعظم المنجزات الغربية، اقصد بهذا السياسات العلمانية وسياسات إعادة التوزيع، وسمحت للأضطراب بالتقدم من العنف الأمريكي، برفقة الأفكار المبطنة والنزعة الى الانتقام الديني، كل ذلك لملأ الثغرات. ويدعو هذا الكتاب الى اننا في أمس الحاجة الى ترياق لدعاية تنذر بخطر ليس أقل شأنا من خطر الحرب الباردة. نحن بحاجة ان نعي العواقب المهلكة لسياسة المعايير المزدوجة: وهو ان كل من "القانون الدولي" و"المجتمع الدولي" غالبا ليس سوى محتكرين للقوة العظمى ولا يعبران عن الأغلبية. وتستطيع الولايات المتحدة ان تحشد الحشود (المعروفة بـ الإئتلاف) لمهاجمة الدول، بينما هناك عدد لا يحصى من قرارات الجمعية العمومية للامم المتحدة الداعية لتطبيق العدالة في فلسطين لا تساوي حتى الورق التي تكتب عليه. نحن بحاجة كذلك للنظر في الاستخدام الشائع لكلمة "نحن" وتخصيص القوة العظمى لها. فاذا أردنا "نحن" أن نحارب الارهاب فعلينا "نحن" ان ندعو الولايات المتحدة الأمريكية ان تضع حدا لارهابها في الشرق الأوسط وكولمبيا وأماكن أخرى. في ذلك الحين فقط نستطيع "نحن" ان نجعل العالم أكثر أمانا. أما الفصل الاخير "المختارون" الذي يقارن الخيال الأولمبي مع واقع الحياة الطبيعية في بلدي، استراليا، فانه بكملة يستعير من كتابي "بلد سري" الذي صدر عام 1989 وفلمي "مرحبا بكم في استراليا" الذي عرض عام 1999. كنت ومازلت أكتب وأصور كفاح السكان الأصليين لما يزيد عن 30 عاما، وما زال يهزني ويصدمني التمييز العنصري المستمر والمستتر وراء البطاقات البريدية لاستراليا. والخرق العالمي للصمت يضرب مثلا كفاح السكان الأصليين. فالصحوة بين عدد من السكان الأصليين في كل من السياسة والقانون والآداب خصوصا، ما هي إلا إنجاز لبعض الناشطين الأكثر شجاعة وثباتا من أي مكان آخر. وهم رجال النهضة ونساءها الذين يواجهون إحدى أكثر المؤسسات السياسية تصلبا وخبثا. وأحيانا يصبهم القنوط بعد خروجهم من إجتماع آخر مع سياسيين لا يفعلون شيئا سوى الإيماء برؤوسهم، ويموتون حتف أنفهم حالهم حال العديد من أبناء شعبهم الفتي. وكان روب ريلي أحد القادة الشجعان من السكان الأصليين، قد مات بهذه الطريقة. أما صديقي القديم تشارلي بيركنز الشبيه بمارتن لوثر كنغ في أستراليا فقد تجاوز عقد الستين من عمره وهو إنجاز مذهل لشخص لا يتعدى معظم أقرانه الثلاثينات والأربعينات وكان تشارلي، هو من قاد "مسيرات الحرية" في الستينات بطريقة الأسترالي المماثلة لما حدث في أقصة منطقة الجنوب الأمريكي، إذ ربط نفسه بسلسلة عند بوابات برك السباحة التي تمنع دخول الأطفال السود. وأنشر في هذا الفصل آخر مقابلاتي الطويلة معه. ففي أولى زياراتي الى منطقة أليس سبرنغس في عام 1969 إقترحت علينا هيتي والدة تشارلي وكانت ملكة شعب أرنتي، ان تكسب الدخول الى "الأرض المخصصة" للسكان الأصليين، وهو معسكر إعتقال في منطقة كثيفة الأدغال وذلك من خلال قيادة السيارات بسرعة وإختراق البوابة، وهذا ما فعلناه. وأقدم هذا الكتاب تحية لأمثال تشارلي وهيتي التي تمثل أفعالهم عاراً على الصمت وتطيح بأسطورة اللامبالاة.
هؤلاء الذين يمثلون الحركات الشعبية التي تنتشر عالميا، وأختصر هنا. في الهند إتحاد النساء الموظفات ذاتيا والمؤلف من 300 ألف إمرأة شجاعة، في البرازيل حركة شعب بلا أرض: وفي المكسيك الزاباتستاسيون. إن إنتصارات هؤلاء الغير معترف بهم في الغرب هي ملاحم بحق. وفي كوتشاباما، ثالث مدينة في بوليفيا، يسحب الناس العاديون الماء من مجمع شركات، بعد أن ضغط البنك الدولي على حكومة بوليفيا من أجل خصخصة الشركة العامة لتوزيع الماء. فبعد رفض البنك إعطاء قرض للشركة العامة لتوزيع الماء، طالب بتقديم إحتكار لشركة أغواس ديل تيوناري وهي نوع من شركة الماء الدولية المحدودة ومقرها بريطانيا وتسيطر شركة بيكتل الهندسية الأمريكية العملاقة على نصف هذه الشركة. وحال منح الشركة إمتيازا لأربعين سنة رفعت سعر الماء. وواجه الناس في هذا البلد الذي يصل أدنى أجر فية إلى أقل من 100 دولار شهريا، زيادات في فواتير الماء تصل إلى 20 دولاراً شهريا. أي أكثر مما يدفعه مستهلكوا الماء في ضواحي واشنطن الثرية حيث يسكن عدد من إقتصادي البنك الدولي. وحتى جمع مياه الأمطار دون إذن يعد أمراً غير قانونيا في كوتشاباما. لذلك نظم هؤلاء الشباب والكبار الناشطون، وأولئك الذين وصفتهم مارسيلا لوبيزفيلي بأنهم إنشغلوا جدا في السابق في الكفاح من أجل المشاركة. وتكلمت مع مارسيلو روجاز الذي أصبح أحد القادة. وقال "لم أهتم بالسياسة قط وكان والدي سياسيا وإعتقدت أن السياسة ما هي إلا عقد صفقات. ولكن رؤية الناس تكافح من أجل مائها وحقوقها، جعلني أدرك تماما أن هناك مصلحة عامة ينبغي الدفاع عنها وتعرض للإعتقال والتعذيب على يد الشرطة شأنه في ذلك شأن العديد من الشباب الذين نصبوا الحواجز وحموا كبار السن عند هجوم السلطات عليهم. وسيطر هؤلاء الشجعان على المدينة وانتصروا. اما الحكومة فمزقت العقد واخلت الشركة مكاتبها. ان الانتصارات الملحمية من هذا النوع في جميع انحاء العالم ليست جزءا من جدول وسائل الاعلام.اذ تفيد التقارير ان الارجنتين تشهد اضطرابا وليس كفاحا ذي روابط بحياتنا الخاصة. كفاح الصحفي في تركيا من أجل صحافة حرة، وكفاح أعضاء نقابات العمال في كولومبيا ونقابات "النمر" الجديد في غرب اسيا وقلما يعرف الغرب عن كل هذا. ففي أندونيسيا أطلق صندوق النقد الدولي رصاصة الرحمة على السفاح سوهارتو، لكن هذا الشعب كان بالفعل شجاعا بشكل لا يصدق، ومن هذا الشعب تبرز ديتا ساري ودانييل اندرا كوسوما، الذين أهدي لهم هذا الكتاب، الذين كسروا حاجز الصمت الطويل وواجهوا الاسلحة والمركبات المدرعة المستوردة من أصدقاء الدكتاتور خاصة الحكومة البريطانية.
وفي جنوب افريقيا كان الشباب امثال اولئك في سويتوفي عام 1996هم من واجهوا(الهيبوس)، أي المركبات المدرعة البشعة التي بواسطتها قتلت وجرحت الشرطة الناس دون تمييز. وتبين لنا الصورة التأريخية التي التقطتها ستدي باول وينبرغ وهي امرأة وحيدة تتحدى اثنين من هذه الوحوش عند دخولها الى محلها في البلدة: ونرى يداها مرفوعتان وقبضتها مربوطتان باحكام. لقد لعب المفاوضون دوراً، لكن أمثال هذه المرأة هم من هدموا سياسة الفصل العنصري. القائمة لا تنتهي وهي مصدر للتفاؤل في هذه الاوقات الغريبة (السريالية) سياسيا. فخلافا للاساطير، فان الشعوب قلما تذعن. ففي استطلاع في ثلاثين بلدا قامت به غالوب أظهرت فيه أن الغالبية عارضت ضرب أفغانستان والعنف العسكري وسيلةً لتقديم الارهابيين للقضاء. وأوجه كلامي لكل دعاية "الاخبار" فان محاولات تحويل عملية القتل التي تقوم به الدولة الى مسرحية أخلاقية تبقى مسألة مشكوك فيها للناس على الأقل. هناك إستخبارات إنتقادية عامة يسعى الصخفيون ما بوسعهم لاحترامها. وهو أن الارهاب الحقيقي هو الفقر الذي يقتل حوالي 24000 شخصا يوميا والذي لا تجادل العامة فيه. وكتبت روبن ثيوركوف، المحاضرة في القانون الدولي في جامعة يال بعد أحداث 11 من أيلول/ سبتمبر ما نصه " تتشكل دوافع الإرهابي في الفقر والإضطهاد والإهمال. والقضاء على هذه الظروف والتصعيد الفعال لإحترام عالمي لحقوق الإنسان يجب أن تأخذ موقع الأولوية".
( لقد فقدت زوجها توم في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك)

حكـام العـالم الجـدد (3)

جون بيلجر
ترجمة الباحث:أمير جبار الساعدي


حصار العراق من دفع الثمن

نحن لا نسعى الى تدمير العراق. ولا نسعى كذلك لمعاقبة الشعب العراقي بسبب قرارات قادته وسياساتهم.
(الرئيس جورج بوش الأب)

"نعتقد ان الثمن يستحق ذلك"..مادلين اولبرايت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ردا على سؤال:هل ان موت نصف مليون طفل عراقي يعد ثمنا يبرر العقوبات.

هم يعرفون اننا نملك بلدهم...نحن نملي عليهم كيف يعيشون ويتكلمون. وهذا هو سر عظمة امريكا الان.انه شيء جيد خصوصا اذا كان هناك المزيد من النفط نحن بحاجة اليه.
(العميد وليام لوني في القوة الجوية الامريكية وقائد حملة ضرب العراق)

أينما تولي وجهك في مدينة البصرة جنوب العراق ترى التراب. حين تذروه الرياح على الطرق الطويلة التي هي بمثابة أصابع الصحراء. ويدخل في عينيك وأنفك وحنجرتك، ويجرى كدوامة في ساحات الاسواق والمدارس وبذلك يستغرق وقت الاطفال المنشغلين باللعب بكرة بلاستيكية، ويحمل معه "بذور الموت" على حد قول دكتور جواد العلي. ودكتور جواد العلي اختصاصي بأمراض السرطان في مستشفى المدينة وعضو كلية الاطباء الملكية في بريطانيا. وله شارب مرتب ووجه سمح ومجعد. ويرتدي معطفه الأبيض الرسمي المهترىء شأنه في ذلك شأن ياقة قميصه. وذكر الدكتور أنه "قبل حرب الخليج كنا نستقبل ثلاث حالات وفاة او أربع شهريا بسبب السرطان، اما الان فيموت ثلاثون الى خمس وثلاثون مريضا شهريا وهذا فقط في قسمي. أي بزيادة 12ضعفا في معدل الوفيات بسبب السرطان. وتشير دراستنا ان 40الى 48% من عدد السكان في هذه المنطقة سيصابون بالسرطان: في غضون السنوات الخمس القادمة ويستمر بعد ذلك. وهذا تقريبا نصف السكان. ويعاني معظم افراد عائلتي الان من السرطان رغم خلو تاريخ عائلتنا من هذا المرض. كما وصل الى الطاقم الطبي في هذا المستشفى، فبالامس مات أبن المدير الطبي. ولا نعرف تماما المصدر الدقيق لهذا التلوث لانه غير مسموح لنا بالحصول على الأجهزة للقيام بمسح دقيق أو حتى اختبار مستوى دخول الاشعاع في أجسامنا.يساورنا شك كبير باليورانيوم المنضب الذي أستخدمه الأمريكان والبريطانيون في حرب الخليج في ساحة العمليات الجنوبية. ومهما كان السبب فالوضع هنا أشبه بحادثة تشير نوبيل، فالاثار الوراثية جديدة بالنسبة لنا. وينمو الفطر بشكل ضخم، والاسماك فيما كان يعرف بالنهر الجميل غير صالحة للاكل الان. وحتى العنب في حديقتي تغير ولا يمكن تناوله. وفي الممر قابلت الدكتورة جنان غالب حسن، اخصائية الأطفال. وكان يمكن وصفها في وقت سابق بالشخصية المنفعلة، اما الان فيغطيها أيضا تعبير كئيب لا يتغير ذلك هو وجه العراق. وقفت لتأخذ يد طفل مصاب بالهزال وقالت "هذا علي رافع سوادي" وتوقعت ان عمره يبلغ 4 سنوات. فقالت "انه يبلغ من العمر 9 سنوات، وهو مصاب بسرطان الدم. ولا نستطيع معالجته الان. إذ لا تتوفر هنا سوى بضع الأدوية. فنحن نحصل على الأدوية لمدة أسبوعين او ثلاثة ثم تتوقف حال توقف الشحنات. فما لم تستمر الجرعات فلا طائل من العلاج. ولا تستطيع حتى القيام بعمليات نقل الدم لعدم وجود ما يكفي من اكياس الدم"... وفي السرير الذي يليه طفل يرقد بين ذراعي أمه ذات الحجاب. وكان جزء من رأسه منتفخ انتفاخا خطيرا. وقالت الدكتورة جنان عنه "انه مصاب بورم في الخلايا العصبية وهو ورم نادر ولم نرى قبل عام1991 سوى حالة واحدة من هذا الورم خلال سنتين.اما الان فلدينا العديد من الحالات". وطفل أخر سمر نظره نحوي ثم سألت ما الذي سيحدث له. فأجابت الدكتورة "انه يعاني من وجود كتلة لحمية في بطنه. واجرينا له عملية،ولكن اذا لم نعالج الورم، فسيعود مرة اخرى.لدينا القليل من الادوية، وننتظر المرحلة الكاملة. ويعاني الان من عجز كلوي،لذا فمستقبله غير سار. وكل الذين هنا مستقبلهم لا يبشر بخير". وتحتفظ الدكتورة جنان بالبوم صور للاطفال الذين تحاول انقاذهم وهي غير قادرة على فعل ذلك. وقالت "هذا تاليم صالح الذي تحول الى صورة صبي ببلوز ازرق وعيون متوهجة. ويبلغ من العمر خمس سنوات ونصف ويعاني من مرض هوجكن(مرض يصيب الانسجة اللمفاوية).ويتوقع عادة ان يعيش المصاب بهذا المرض وقد تصل نسبة الشفاء الى 95%. ولكن مع عدم توفر الادوية، تبدأ المضاعفات وتنتهي بالموت. لقد كان هذا الصبي ذا طبيعة جميلة ، لكنه مات". وقلت"عندما كنا نمشي لاحظت أنك توقفت ووجهت وجهك نحو الحائط". نعم لقد أنفعلت... فانا طبيبة، ليس المفروض ان أبكي، ولكنني اأكي كل يوم لان هذا عذاب. إذ يمكن لهؤلاء الاطفال ان يعيشوا، يمكنهم أن يعيشوا ويكبروا وعندما ترى أبنك او أبنتك يحتضر أمامك، ما الذي يحصل لك؟ وقلت "ماذا تقولين للغرب الذي ينكر وجود رابط بين اليورانيوم المستنفذ وتشوهات هؤلاء الاطفال؟".
"هذا ليس صحيحا.وكم دليلا يريدون؟ توجد روابط عدة بين التشوهات الخلقية واليورانيوم المستنفذ فقبل عام1991 لم نرى مطلقا مثل هذه الحالات. واذا لم تكن هناك روابط، فلماذا لم تحصل هذه الحالات من قبل؟ ومعظم هؤلاء الاطفال لا تمتلك عوائلهم تأريخاً للاصابة بالمرض. لقد درست حقيقة ما حصل في هيروشيما.وهذا بالضبط تقريبا ما يحدث هنا، إذ لدينا نسبة متزايدة من التشوهات الخلقية وزيادة الاورام الخبيثة ونفس الشيء بالنسبة الى سرطان الدم واورام الدماغ". وبسبب الحصار الاقتصادي المفروض على العراق من مجلس الامن عام1990 وتشديده في السنة التي تلتها، رفض طلب العراق بتزويده بالاجهزة والخبراء من أجل تطهير ساحات العمليات من التلوث، عكس ما حصل مع الكويت إذ تم تنظيفه بعد حرب الخليج. وقابلت من لندن البروفيسور دوغ روكي الفيزياوي في الجيش الامريكي والمسؤول عن تنظيف الكويت. واليوم أصبح هو الضحية. إذ ذكر "انا مثل العديد من الناس في جنوبي العراق، اذ يحوي جسمي 5000 ضعف مستوى الاشعاع الموصى به. فقد أنتشر التلوث في كل من العراق والكويت. ومع الاخذ بالاعتبار أختبار الاسلحة وتهيئتها في السعودية يكون التلوث قد غطى المنطقة باسرها.ويعتمد تأثيره على،هل أن الشخص قد أستنشقه او هضمه عن طريق الاكل والشرب، او استقبله من خلال جرح مفتوح. وما نراه الان من مشاكل تنفسية ومشاكل كلوية وحالات سرطانية، هي النتيجة المباشرة لاستخدام مادة عالية السمية. أن الجدال حول اعتباره سببا او لا هو جدال مصطنع، وصحتي المتدهورة دليل على ذلك". ويقول البرفيسور روكي أن هناك مسألتان طارئتان ينبغي دراستهما في الغرب وبالاخص "اولئك الذين يعرفون معنى الحق والباطل":"الاولى:قرار الولايات المتحدة وبريطانيا استخدام "اسلحة الدمار الشامل".مثل اليورانيوم المستنفذ وقال البروفسور "انه تم إطلاق 300طن منه في حرب الخليج. كما أطلقت المقاتلة (الوحش الإفريقي) A-10Warthog) أكثر من 900 ألف طلقة، وتحوي كل طلقة مفردة على 300 غرام من اليورانيوم الصلب نوع (238). وعند إطلاق الدبابة قذائفها، فكل قذيفة تحمل اكثر من 4.500غرام من اليورانيوم الصلد. هذه الطلقات ليست مغلفة ولا مدببة، انها يورانيوم صلب. فضلا عن ذلك، حصلنا على دليل يخولنا الاعتقاد انها خلطت مع البلوتونيوم. إن ما حصل في الخليج كان شكلاً من أشكال الحرب النووية، "اما االمسألة الثانية في الامتناع عن تقديم الرعاية الطبية للجنود الأمريكان والبريطانيين وغيرهم من القوات الحليفة، اضافة الى عشرات الآلاف من العراقيين ممن تعرضوا للتلوث. لقد شاهدت مسؤولين عراقيين في ندوات دولية يقتربون من نظرائهم من وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع البريطانية للسؤال والتماس طلب المساعدة في إزالة التلوث. فالعراقيون لم يستخدموا اليورانيوم المستنفذ، فهو ليس سلاحهم. وهم ببساطة لا يعرفون كيف يزيلوه من بيئتهم. لقد شاهدتهم يشرحون قضيتهم ويصنفون حالات الوفاة والتشوهات المريعة وهي واضحة للعيان: كما شهادتهم يواجهون بالرفض. لقد كان موقفا محزنا بالفعل. أما لجنة الامم المتحدة للعقوبات في نيويورك التي يسيطر عليها الأمريكان والبريطانيون فتعترض وتؤخر مجموعة من الاجهزة الطبية وأدوية العلاج الكيمياوي وحتى المسكنات. ( وبتعبير الرفض، "يعني الغاء العقد" "وانتظار" يعني تأجيله أو ربما إلغاؤه). وفي بغداد جلست في عيادة عندما أستقبل الاطباء والدين مع أطفالهما وكان عدد منهم رمادي البشرة وأصلع وبعضهم كان يحتضر. وبعد كل فحصين أو ثلاث، تكتب الدكتورة ( لقاء فصيح عزيز) الاخصائية الشابة بعلم الأورام "لا أدوية". وطلبت منها تدوين قائمة في دفتر ملاحظاتي بالأدوية التي كان المستشفى قد طلبتها ولم تستلمها أو إستلمتها على نحو منقطع. فملئت صفحة كاملة. لقد صورت فلما في العراق لأجل فصل "دفع الثمن: قتل أطفال العراق" وعندما رجعت إلى لندن، عرضت قائمة الدكتورة (عزيز) على البروفسور كارول سيكورا الذي كتب بوصفه مديرا لبرنامج السرطان في منظمة الصحة العالمية، في نشرة (برتش ميديكال جورنال:"يعيق ممثلا الولايات المتحدة وبريطانيا (في لجنة العقوبات) باستمرار دخول أجهزة العلاج الإشعاعي الضرورية وأدوية العلاج الكيمياوي والمسكنات. ويبدو من السخيف جدا تحويل هكذا عناصر إلى أسلحة كيمياوية أو أسلحة من نوع آخر". وأخبرني أن جميع هذه الأدوية تقريبا متوفرة في كل مستشفى في بريطانيا. إنها أدوية عادية جدا. عندما رجعت من العراق السنة الماضية، مع مجموعة من الخبراء، دونت قائمة بسبعة عشر دواء تعد أساسية في معالجة السرطان. وأعلمنا الامم المتحدة بعدم امكانية تحويل هذه الأدوية الى عناصر كيمياوية حربية. ولم نسمع غير ذلك. وأشد ما أحزنني في العراق هو رؤية الأطفال يحتضرون لعدم وجود العلاج الكيمياوي والسيطرة على الألم. وبدا جنوناً عدم إمتلاكهم للمورفين لأنه الدواء الأمثل لجميع من يعاني من ألم السرطان. وعندما كنت هناك، كان لديهم قنينة صغيرة من حبوب الأسبرين يتشاطرها قرابة 200 مريض يعاني من الألم. وكان من المفترض أن يستلموا دواء خاصا ضد السرطان، ولكن لم يستلموا سوى كميات ضئيلة من الأدوية هنا وهناك، لذا لا يمكنك الثقة بأي تخطيط. إنه أمر غريب. وأخبرته أن احد الاطباء شعر بإنزعاج شديد لان لجنة الامم المتحدة للعقوبات حظرت الاوكسيد النتري باعتباره "أسلحة ذات استخدام مزدوج": مع ذلك كان يستخدم في العمليات القيصرية لوقف النزيف وربما انقاذ حياة أم. وأجاب قائلا "لا أرى أي منطق وراء حظره. أنا لست خبير أسلحة، ولكن الكميات المستخدمة ستكون ضئيلة جدا بحيث لو جمعت كل حصة الشعب من الأدوية وعالجتها، فمن الصعب تصنيع أي جهاز كيمياوي حربي منها. وسألته عن جدوى إنتقاداته في منظمة الصحة العالمية، فأجاب لقد تم اخبارنا بشكل خاص بعدم التكلم عنها بعدئذ، أعني ما يخص المسألة العراقية برمتها، وكانت منظمة الصحة العالمية محرجة، فهي ليست بالمنظمة التي ترغب بزج نفسها في السياسة.

ويحتل ورشة محمد غني صليب ضخم ينحته لأجل كنيسة (عيد مريم العذراء) في بغداد. بإعتباره النحات الأشهر في العراق، فإنه يشعر بالفخر لتفويض الفاتيكان لمسلم لنحت مواقع الصليب في روما، ويقول أنه عرفان ثقافي لبلده في وادي الرافدين "مهد الحضارة العربية" وعندما زرته كانت مقطوعة موزارت تعزف على حامل أشرطة مبجل وموضوع على ثلاجة بذات الهيبة، فيها قنينتان صغيرتان من الجعة. ناولني أحداهما وقال "نخب الحياة ولا مزيد من الاحزان".اما عمله الأخير فكان تمثالاً ارتفاعه عشرون قدماً لامرأة وطفلها المتشبث باقدامها متوسلا من أجل الحصول على الطعام. وقال محمد غني "أراها تنتظر مع مثيلاتها في صف طويل في المستشفى الواقع في نهاية طريقي". لقد قدم صفاً من التماثيل تصور أنتظارهن، والرؤوس جميعها محنيات أمام باب مغلق دائماً. وقال "الباب هو المستوصف،ولكنه ايضاً العالم المغلق على يد الذين يحكمون العالم".
وفي اليوم التالي رأيت نفس صف النساء والاطفال في مستشفى المنصور للاطفال.لقد كان لكرب اطبائهم صدى مرعباً. إذ ذكر الدكتور محمد محمود "يمكن للاطفال المصابين بالتهاب السحايا أن ينجوا عند أخذهم الجرعات المناسبة من المضادات الحيوية. إن أربع مليغرامات كافية لانقاذ حياتهم، ولكن لايسمح لنا سوى بمليغرام واحد. إن هذه مستنشفاً تعليمية لكن الاطفال يموتون لعدم السماح لنا باستيراد الادوات الاحتياطية للاجهزة التي تعزل الصفيحات الدموية". وأثناء مشينا بجانب صف الانتظار حدث أجتماع عجيب للشمل لمرافقي دينيس هاليداي، الايرلندي اللطيف الذي استقال عام 1998من منصبه كمنسق الامم المتحدة الخاص بالشؤون الانسانية في العراق وذلك احتجاجاً على تأثيرات الحصار على السكان المدنيين، وكان قد عاد معي الى بغداد. وقد لمح الان رجلاً وابنته، وتبادل الثلاثة التحيات بحرارة. وقال "صفاء" وأنحني ليأخذ بأيدي البنت البالغة تسع سنوات."جون،هذه (صفاء ماجد) ووالدها (ماجد علي) لقد قابلت صفاء في هذه المستشفى قبل سنتين،عندما كنت ممثل الامم المتحدة في العراق، وكانت مصابة بسرطان الدم وبحالة يرثى لها. والمرء لا يستطيع مساعدة الالاف، ولكن يستطيع التعامل مع طفلين او ثلاثة او أربعة.وتمكنت بمساعدة منظمة الصحة العالمية من جلب الأدوية بهدوء. وكانت الأدوية كافية لمدة سنتين لمعالجة هذه البنت الصغيرة. واليوم،أنظر اليها تبدو رائعة ويقول والدها إن عليها المجيء الى المستشفى مرة واحدة فقط شهرياً. وأعتقد انها شفيت تقريباً من سرطان الدم. وصفاء واحدة من بين أربعة أطفال ساعدتهم.

حكـام العـالم الجـدد (4)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

إذ ماتت منهم بنتان صغيرتان..
"لماذا ماتا" ؟؟؟
"ماتا لعدم وجود الادوية "

فعندما شرعت بمساعدة هؤلاء الاطفال، كنت ممثل الامم المتحدة هنا" "هذا صحيح".ومن أجل مساعدتهم، كان علي العمل بصورة غير قانونية. إذ كان علي خرق العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الامن بقيادة واشنطن ولندن. وشاهدنا اليوم في هذه المستشفى دليل القتل وهو الان مسؤولية الدول الأعضاء في مجلس الامن، خصوصاً بيل كلنتون وتوني بلير.عليهم أن يكونوا هنا معنا. عليهم رؤية نتيجة قراراتهم واصرارهم على العقوبات الاقتصادية. "لقد تم تجاهل جميع بنود ميثاق الامم المتحدة واعلان حقوق الانسان نحن نشن حرباً بإسم الامم المتحدة ضد أطفال وشعب العراق، وبنتائج لا تصدق: نتائج لا تتوقعها في حرب بوجود أتفاقيات جنيف.نحن نستهدف المدنيين.بل أسوء من ذلك، فنحن نستهدف الاطفال أمثال صفاء، الذين لم يكونوا قد ولدوا عندما دخل العراق الكويت. ماهذا ؟ إنه وضع شديد البشاعة للامم المتحدة وللعالم الغربي ولجميع من هم جزء من أي نظام ديمقراطي، المسؤولون في الواقع عن سياسات حكوماتهم وتنفيذ العقوبات الاقتصادية على العراق". لقد استقال دينيس هاليداي بعد 43عاما مع الامم المتحدة. وكان خلالها مساعدا للامين العام للامم المتحدة، وذو باع طويل ومميز في مجال التنمية "محاولة مساعدة الشعوب وليس ايذائهم". كان هذا التعبير العلني الأول لعصيان لا سابق له داخل بيروقراطية الأمم المتحدة. وكتب "انا أستقيل،لان سياسة العقوبات الاقتصادية لا فائدة منها بتاتا". فنحن نقوم بعملية تدمير مجتمع بأسره.هذا هو الامر بكل بساطة....خمسة الاف طفل يموتون شهريا....لا أريد ادارة برنامج يعطي مثل هذه النتائج". ومنذ لقائي بهاليداي، أدهشني المبدأ وراء كلماته غير المتصلبة والمنتقاة بعناية وقال "تلقين تعليمات بتنفيذ سياسة تحقق مبدأ القتل الجماعي: إنها سياسة متعمدة قتلت فعلا أكثر من مليون شخص هم من الاطفال والبالغين. وكلنا يعرف أن ( نظام صدام حسين) لا يدفع ثمن العقوبات الاقتصادية، بل العكس، فقد رسخ نظامه بها. إن من يدفع الثمن هو هذا الشعب الصغير الذين يفقدون اطفالهم وابائهم بسبب الماء غير المعالج. ما هو واضح الان هو أن مجلس الامن خارج عن السيطرة، فأفعاله هنا تناقض ميثاقه الخاص واعلان حقوق الانسان واتفاقية جنيف.لكن التأريخ لن يرحم المسؤولين عن ذلك كله".لقد حطم (هاليداي) الصمت الجماعي الطويل في الامم المتحدة. وفي13من شباط 2000 أستقال (هانز فون سبونيك) الذي كان قد خلف هاليداي كمنسق انساني في بغداد. وعمل فون سبوينك شأنه شأن هاليداي، في الامم المتحدة لاكثر من(30) عاما.وتسأل قائلا "الى متى يتعرض سكان العراق المدنيين لهذه العقوبة على شيء لم يفعلوه؟.وقبل يومين استقالت(جوتا بورغارت) مديرة برنامج الغذاء العالمي في العراق وهي وكالة اخرى تابعة للامم المتحدة. إذ قالت ايضاً انها لم تعد تتحمل ما يحصل للشعب العراقي.عندما قابلت(فون سبوينك) في بغداد في اكتوبر1999، بدا واضحاً الكرب وراء مظهره الموزون المتواضع.اما عمله فيشبه عمل هاليداي في ادارة ما يسمى برنامج النفط مقابل الغذاء الذي سمح للعراق منذ عام 1996 ببيع جزء من نفطه للحصول على الاموال التي تذهب الى حساب يشرف عليه مجلس الامن. وثلث هذه الاموال لا تصرف على المعونات الانسانية، بل تذهب الى "صندوق التعويضات" التابع للامم المتحدة،اضافة الى التعويضات التي طالبت بها الكويت، أغنى دول العالم، والتعويض الذي تطالب به شركات النفط والشركات متعددة الجنسيات الاخرى. وبعدها يجري العراق مناقصة في السوق العالمية من أجل الحصول على التجهيزات الغذائية والطبية والموارد الانسانية الاخرى. وككل عقد ينبغي أن تصادق عليه لجنة الامم المتحدة للعقوبات في نيويورك.عندما فرضت العقوبات بعد دخول لعراق للكويت في آب 1990، تم حظرٌ فعال على جميع الواردات بضمنها الغذاء لمدة ثمانية اشهر،رغم أن قرار مجلس الامن رقم 661 استثنى بوضوح الغذاء والدواء. ورفضت الامم المتحدة لمدة عام السماح للعراق بإطلاق أرصدته بعد استنفاذ احتياطه النقدي. ولكون العراق يستورد كل شيء تقريباً، كان التأثير فورياً ومدمراً، وتضاعف هذا مع تأثيرات الحملة العسكرية التي استهدفت شل البنية التحتية المدنية. ونشرت صحيفة الواشنطن بوست في تقرير لها ان "واضعوا الخطط العسكرية الامريكان كانوا يأملون ان يضاعف القصف من التأثيرات الاقتصادية والنفسية للعقوبات الدولية على المجتمع العراقي...وبسبب هذه الاهداف،كان الضرر الذي لحق بالبنى والمصالح المدنية شيئاً اخر غير الذي وصفه مقدموا موجز الاخبار بلا تغير اثناء الحرب على أنه "ضرر مصاحب" وغير متعمد. ويقول مسؤولون بارزون ان المعاناة الأسوء للمدنيين لم تكن نتيجة القنابل التي ضلت طريقها ولكن نتيجة الأسلحة الدقيقة التسديد التي تضرب بالضبط لما وجهت لضربه – نحو مصانع الطاقة الكهربائية ومصافي النفط وشبكات النقل. ومن بين المبررات التي قدمت، هو أن المدنيين ليسوا بريئين. إذ يقول ضابط بارز في القوة الجوية " فهم يعيشون هناك..." وفي تقرير لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة ( مارتي اهتيزاري) حول آثار القصف، وصف فيه الحالة "شبه المأساوية" للخدمات الأساسية في البلد. إذ كتب ما نصه "لقد تم إرجاع العراق في وقت من الأوقات إلى عصر ما قبل الصناعة، ولكن مع جميع حالات العجز لتبعية ما بعد الصناعة في الإستخدام المكثف للطاقة، والتكنولوجيا". كما أورد فريق من جامعة هارفرد في نتائج دراسة قام بها أن العراق واجه "كارثة صحية عامة". إذ حصلت عشرات الآلاف من الوفيات بنهاية عام 1991 لوحده أغلبيتهم من الأطفال. وتوقع الفريق المؤلف من مثقفين وأكادميين أمريكيين مستقلين إنه خلال الثمانية أشهر الأولى من العقوبات عندما تم حظر جميع شحنات الغذاء والدواء، توفي 47الف طفل دون الخامسة من العمر. وبدا أن ادارة جورج بوش الاب تتفق مع التوقعات،ومع ذلك كتب الدكتور(ايريك هيرنغ)،المختص في مجال العقوبات في جامعة برستل "ان العقوبات الاقتصادية الشاملة بقيت على حالها. ولا يستطيع صانعوا السياسة الذين ساندوا العقوبات القول أنهم لم يعرفوا ماذا سيحدث.ومهما كان الغرض السياسي، فقد كان الاختبار متعمدا وقاسيا، يرفض أن يمنح مجتمع بأسره الوسائل الضرورية للحياة".وفي عام 1991 أعلن مجلس الامن في قراره 687 أنه إذا تخلى العراق عن"اسلحة الدمار الشامل"(الاسلحة النووية والبايولوجية والكيمياوية) والصواريخ الباستيلية ذات مدى اكثر من 150كيلو متر، ووافق على مراقبتها بأشراف لجنة خاصة(اونسكوم)(UNSCOM)* التابعة للامم المتحدة في العراق،فسوف يرفع الحصار.وفي تقرير للاونسكوم (UNSCOM) عام1998 ذكرت فيه انه رغم الاعاقة العراقية في بعض المجالات، "الا ان مرحلة نزع التسلح وفق متطلبات مجلس الامن قد أوشكت على النهاية. فيما يخص مجالات الاسلحة الكيمياوية والصواريخ. وفي15كانون الثاني/ديسمبر1998 أوردت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انها تخلصت من برنامج العراق للاسلحة النووية: "بكفاءة وفعالية". ويتفق في ذلك سكوت ريتر الذي عمل مفتش اسلحة بارز في الاونسكوم (UNSCOM) لمدة خمس سنوات.إذ اخبرني انه "بحلول عام1998 تم تفكيك أو تدمير البنية التحتية للاسلحة الكيمياوية كلياً من قبل الاونسكوم او العراق حسب أوامرنا.اما برنامج الاسلحة البايولوجية فقد انتهى. إذ تم التخلص من جميع منشأته الرئيسية. كما تم التخلص نهائيا من برنامج الاسلحة النووية. والتخلص النهائي من برنامج الصواريخ البالستية طويلة المدى. واذا ما سألوني عن حجم التهديد العراقي،فسأقول صفراً ً".
*حيث أثبتت كل عمليات البحث عن عدم وجود مثل هذه الاسلحة.
ورغم ان الغذاء والدواء مستثنى فنياً، ترفض لجنة العقوبات وتؤخر باستمرار طلبات غذاء الطفل والمعدات الزراعية وأدوية القلب والسرطان ومظلات الاوكسجين وأجهزة الاشعة السينية. وقد وضعت ستة عشر جهاز قلب ورئة في قائمة "الانتظار" لاحتوائها على رقائق كومبيوتر. كما تم تأخير اسطول من سيارات الاسعاف لان معداتها تشمل قوارير مفرغة تحافظ على برودة الاجهزة الطبية:وصنفت لجنة العقوبات القوارير المفرغة على أنها "مزدوجة الاستخدام" أي انه يمكن استخدامها في تصنيع الاسلحة. وادوات التنظيف كالكلورين هي أيضاً "مزدوجة الاستخدام" وكذلك الغرافيت المستخدم في اقلام الرصاص:وكذلك عربات اليد على ما يبدو من النظر في تكرار ظهورها في قائمة "الانتظار". ووضعت لجنة العقوبات منذ تشرين الاول/اكتوبر2001 في قائمة "الانتظار"(1.010) الف عقدا للحاجات الانسانية بقيمة 3.85مليار دولار. وتضم موادا متعلقة بالغذاء والصحة والماء والنظافة والزراعة والتعليم. ويرغب معظم اعضاء مجلس الأمن برفع أو التخفيف الشديد للعقوبات.ودعتها فرنسا "بالقاسية وغير الفعالة والخطرة".مع ذلك فالهيمنة الأمريكية على المجلس مشابهة لهيمنة ممثلي أمريكا وبريطانيا في لجنة العقوبات، ‘ذ ينفردان بنقض وتأخير العقود.
ويزعم ممثل بريطانيا أنهم يؤجلون فقط "واحد بالمائة" من العقود الخاصة بالحاجات الإنسانية. وهذه مغالطة: فهي تدعم ضمنا الإعاقة الأمريكية من خلال عدم الاعتراض عليها.فضلا عن ذلك، لا يمكن إبطال النقض أو "التأجيل" إلا من قبل مجلس الأمن فقط الذي شرعه. وبالوقاحة الاعتراض الذي قدمه (كوفي عنان) الذي عينه الأمريكان فعليا أمينا عام للأمم المتحدة ومفاده إن حالات التأخير والنقض "تضعف بشدة من التنفيذ الفعال لبرنامج النفط مقابل الغذاء". ودعا الى الموافقة على عقود الماء والنظافة والكهرباء "دون تأخير" نظراً لأهميتها القصوى لإنعاش الشعب العراقي". وهاجم(بينون سيفان)،المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لبرنامج العراق،بسبب تأخير قطع غيار صناعة النفط المنهارة للعراق محذرا انه كلما قلت قدرة العراق على ضخ النفط، قلت الأموال المتوفرة لشراء الغذاء والدواء.وفي عام 1999، أخبر مسؤول بارز في إدارة كلنتون صحيفة الواشنطن بوست "كلما طالت مدة خداعنا في مجلس(الأمن) وأبقينا الأمور على حالها، كان ذلك أفضل". وفي بريطانيا أوقفت مديرية الكمارك والضريبة الطرود المتوجهة الى أقارب العراقيين وهي تحوي ملابس الأطفال ولعبهم. وكتب مدير المكتبة البريطانية جون اشورث الى عضو البرلمان هاري كوهن يخبره "انه بعد التشاور مع وزارة الخارجية" تقرر التوقف عن إرسال الكتب الى الطلبة العراقيين. وكانت المكتبة البريطانية قد ميزت نفسها مسبقا بإعلام مترجم في بغداد بعدم السماح لها بإرسال نسخة من كتاب جيمس جويز(يوليس) إليه. وياله من إجراء تافه وجبان وسخيف ذلك الذي قامت به إدارة التجارة والصناعة باعتراضها لمحاولة لإرسال وثائق الى العراق يوصون فيها العراقيين حول حقوق الإنسان وحرية الصحافة. وضمت الرزمة كذلك على نصائح بشأن تنظيم الأسرة والمساعدات أرسلت الى جامعة الموصل ولكن تم اعتراضها وإرجاعها وفق المادة(19)، أي المجموعة الغير خاضعة للرقابة.
عندما كان دنيس هاليدي يشغل منصب المسؤول البارز للأمم المتحدة في العراق،كانت تنتصب في ردهة مكتبه خزانة عرض.وقد احتوت على كيس من الطحين وبعض زيت الطبخ المتجمد وقطع من الصابون وبعض الاحتياجات المنزلية الأخرى. وقال "كان منظرا يدعو للشفقة، وتمثل الحصة الشهرية المسموح بصرفها. وقد أضفت الجبن لدفع نسبة البروتين ولكن ببساطة لم يبقى المال الكاف من مجموع ما مسموح لنا بصرفه،والذي يتحصل من العوائد المسموح للعراق بالحصول عليها من نفطه". ووصف شحنات الغذاء بأنها "عرض للازدواجية" فالشحنة التي يزعم الأمريكان أنها توفر 2.300 سعرة حرارية للشخص الواحد قد لا تصل سوى الى 2.000 سعرة او اقل. وقال "ما نحتاجه هو البروتينات الحيوانية والمعادن والفيتامينات. ونظراً لافتقار العراقيين لأي مصدرا أخر للدخل، أصبح الغذاء وسيلة للتبادل:إذ يبيعون الغذاء للحصول على ضروريات أخرى، مما يقلص أكثر كمية من السعرات الحرارية. وعليك أيضا الحصول على ملابس وأحذية لأطفالك من أجل الذهاب للمدرسة. ولديك أيضا أمهات مصابة بسوء التغذية ولا يمكنهن الإرضاع، ويحصلن على ماء قذر. ما نحتاجه هو استثمار في معالجة المياه وتوزيعها، وانتاج الطاقة الكهربائية من أجل تصنيع الغذاء وخزنه وتبريده، وكذلك في مجال التعليم والزراعة".
أما خلفه (هانزفون سبوينك) فقد أستنتج أن برنامج النفط مقابل الغذاء يوفر مبلغا مقداره 100 دولار للشخص الواحد لينفق منها طول السنة. ويشمل هذا المبلغ أيضا مايجب دفعه للبنية التحتية للمجتمع وخدماته الاساسية مثل الكهرباء والماء. واخبرني فون سبوينك "ببساطة، من المستحيل العيش أعتمادا على هذا المبلغ. ضع هذا المبلغ البسيط مقابل الافتقار للماء النظيف وأنقطاع التيار الكهربائي لما يصل الى22ساعة في اليوم، وأن غالبية المرضى لايتحملون العلاج والاذى المطلق في محاولة النهوض يوما بعد يوم، هذا أشبه بالكابوس. وليس خطأً أن أقول أن هذا متعمد. لن أرغب في الماضي إن أستخدم كلمة الابادة الجماعية، ولكن الان لا مناص منها". إن حجم الوفيات يبعث على الفزع.إ ذ كشفت دراسة قام بها صندوق إغاثة الأطفال الدولي في الأمم المتحدة(اليونسيف) ان بين عامي1991و1998كانت هناك 500.000 الف حالة وفاة فوق المعدل المتوقع بين أطفال العراق تحت الخامسة من العمر. أي بمعدل 5.200حالة وفاة يمكن تجنبها للاطفال تحت سن الخامسة. وذكر "هانزفون سبوينك" "حوالي167طفلا عراقيا يموتون يوميا".اما دنيس هاليداي فقال "وإذا شمل ذلك البالغين، فمن المؤكد ان العدد المتوقع يفوق المليون تقريبا".في عام1999أفاد تقرير لهيئة إنسانية شكلها مجلس الامن أن العراق تحول من "غنىً نسبي" قبل عام1991الى"فقر شديد". وانتقدت الهيئة برنامج النفط مقابل الغذاء كونه "غير كفوء" لعلاج وضع إنساني "منذر بكارثة" "ولا يمكن وصفه". وتقدمت الهيئة خطوة كبرى بمهاجمتها لراعيها، متهمة إياه إن "الشعب العراقي ما كان ليخضع لمثل هذا الحرمان بغياب الإجراءات المطولة التي فرضها مجلس الأمن". واكتشفت الهيئة مرة أخرى إن الضحية الأولى هم الأطفال. إذ ارتفع معدل وفيات الأطفال الرضع من أحد أقل النسب في العالم في عام1990الى أعلاها. وفي دراسة منفصلة، ذكر ريتشارد غارفيلد،عالم الأوبئة الشهير في جامعة كولومبيا في نيويورك ان وفيات الأطفال في العراق قد تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 1991 فقد سجلت حالة استثنائية. وكتب قائلاً "لم تسجل أي حالة لارتفاع وفيات الأطفال تحت سن الخامسة في العالم الحديث،وقد أستنتج الباحثان الأمريكيان جون مويلر وكارل مايلر بعد دراسة هذه الإحصائيات "إن العقوبات الاقتصادية على الأرجح قد آخذت مسبقاً أرواح أناس اكثر مما تقتله أسلحة الدمار الشامل في التاريخ". ووقع سبعين عضواً في مجلس الكونغرس الأمريكي عام 1999 رسالة فضة على غير العادة الى الرئيس كلنتون يدعونه فيها الى رفع الحصار وإنهاء مادعوه "حفلة تنكرية لقتل الأطفال في السياسة". وكانت إدارة كلنتون قد أجابتهم مسبقاً. ففي عام 1996،وفي مقابلة غير مشهورة في برنامج الشؤون الامريكية الحالية (60دقيقة) سئلت (مادلين اولبرايت) التي أصبحت فيما بعد وزيرة الخارجية السؤال التالي "سمعنا ان نصف مليون طفل قد توفوا ...هل الثمن يستحق ذلك ؟ فأجابت اولبرايت ،"اعتقد انه خيار صعب للغاية،لكن الثمن ..نعتقد ان الثمن يستحق.

حكـام العـالم الجـدد (5)

جون بيلجر
ترجمة الباحث:أمير جبار الساعدي

لقد كانت رحلتي الى العراق فوق التخيل (سريالية). فقد قضيت ستة عشر ساعة من القلق على طريق بمثابة شريط من الحطام. إذ تندفع نحونا قطع الإطارات مثل طيور سوداء عملاقة هاربة من العواصف الترابية. وعلى جانب الطريق ترتمي جثتان لرجلين ببدليتهما وكأنهما يضطجعان في جنازتيهما، وذراعيهما ثابتتان على جنبيهما. وهناك سيارة أجرة مقلوبة رأساً على عقب. وكان الرجلان يمشيان في طريقيهما الى الحدود، مع كل ما خف حمله من الأمتعة التي تناثرت بين الشجيرات. ويظهر إن فرامل سيارة الاجرة تعطلت فصرعتهم. وجاء السكان المحليون من وسط الغبار ووقفوا الى جانب الجثث:كان هذا منظراً اعتيادياً لهم على هذا الطريق الذي يمثل المدخل والمخرج الوحيد للعراق. ولم يكن الطريق من عمان ـ الأردن الى بغداد يومياً بمثابة الشريان. ولكنه الآن يحمل معظم تجارة العراق المسموح بها والمرور الى العالم. وتتحرك ناقلات النفط في قافلة لا نهاية لها تسيطر على ممران منفردان ضيقان: إذ تندفع السيارات والحافلات المكتظة والشاحنات الصغيرة ذهاباً وإيابا في (قصة مروعة). وتقدم الأشلاء التي يتعذر اجتنابها حياً على جانبي الطريق لناقلات النفط المحترقة وحافلة محطمة كعلبة قصدير وسيارة مرسيدس رسمية تابعة للأمم المتحدة والى جنبها ركابها الموتى الذين كانوا فيما مضى ذوي امتيازات. من المؤكد ان تتعطل فرامل سيارات الأجرة المتداعية في كل مكان،لكن حالات الأفضلية مقابل النجاة نسبة منخفضة في هذا المكان الى حد كبير. وتنعدم ألان المواد الاحتياطية للموديلات القديمة. ويقود السائقين ليلاً ونهاراً مع فترة قصيرة للنوم. ونظراً للقيمة الشرائية المتدنية للدينار العراقي والتي عملياً لا تساوي شيئاً تقريباً،لذلك عليهم القيادة ذهاباً وإيابا من بغداد الى عمان ومن عمان الى بغداد أكثر ما يمكن من الرحلات وبأقصى سرعة ممكنة. وعندما يقتلون مع ركابهم او يصابون بعجز جسدي، يصبحون ايضاً ضحايا الحصار الاقتصادي البشع في العصر الحديث. وأحتجبت رؤية بغداد عنا بحجاب أبيض كثيف من التلوث. وأخذت الأذرع الناعمة طريقها نحو نافذة سيارتنا: صبي يعرض موزة ناضجة أكثر مما ينبغي،وفتاة تحمل ساق وردة.ق بل عام1990 لم يكن التسول معروفا ومثيرا للتهكم تقريبا.
أما اليوم فبغداد هي نسخة حضرية لقصة راشيل كارسون(الربيع الصامت). فهاجرت الطيور سبيلها بعد موت بساتين النيل بما عرف بأرض نخيل التمور. وبقع الألوان في محلات الفاكهة هي من النوع المجسم. ويكلف عنقود من الموز(دول) وكيس تفاح لبناني مبلغا يعادل الراتب الشهري لمعلم،الأجانب والأغنياء فحسب هم من يأكلون الفاكهة. لا يمكن أن ترى الأغنياء، وأصحاب السوق السوداء والأصدقاء(الحميمين) للنظام والذين يمن عليهم من المتضرعين سوى بالمناسبات يركبون اخر موديلات سيارة المارسيدس ذات الزجاج المظلل، وهي تشق طريقها من خلال الناس المتعبين.والذين قد أمروا أن يحنوا رؤوسهم، فالصفوة تحافظ على ذلك من خلال شبكة النوادي والمطاعم والعيادات المجهزة جيدا، وبحظرهم الذي يجعل من الادعاءات التافهة لكل من واشنطن ولندن بأن الحصار يؤذي النظام في العراق.

في فندق الرشيد احد الفنادق التي يلقي الشعب العراقي عليها نظرة ليس أكثر. حيث الزجاج الأسود والشوارب الطويلة المصبغة وتكاثر الأشباح. تدخل الفندق عن طريق رمزاً للمزاج العراقي المظلم، عبر لوحة أرضية طويلة مصفوفة بالقرميد لجورج بوش الأب وهي تشبه الأصل، وكلمات تقول:"جورج بوش مجرم حرب. وسيبقى الوجه ملمعا للأبد. وقابلت المدير المساعد للفندق والذي يعمل فيه منذ الثمانينات وبحس ساخر تجاه المعايير الغربية المزدوجة: قال لي آه، صحفي من بريطانيا أتود أن ترى أين جلس مستر دوغلاس هيرد ومستر ديفيد ميلون(هكذا قالها) ومستر توني نيوتن وكل أعضاء حكومة تاتشر...كان هؤلاء السادة المحترمون أصدقائنا، المحسنون إلينا". وكان يحتفظ بمجموعة أعداد لصحيفة بغداد اوبزيرفر من "الأيام الخوالي الجيدة" حيث يظهر (صدام حسين) في الصفحة الأولى كما هو الحال دائما. والفرق الوحيد في كل صورة هو جلوسه على أريكته الرئاسية البيضاء مع وزير بريطاني مختلف قد يبتسم أو يجفل.إ ذ تواجد دوغلاس هيرد في عام1981والذي أصبح في ما بعد وزيرا للخارجية حيث أتى ليبيع(صدام حسين) منظومة صواريخ فضائية بريطانية وكذلك الاحتفال السنوي بذكرى وصول حزب البعث(المخلص) إلى السلطة الذي كان في جزء كبير منه انتصارا للمخابرات المركزية الأمريكية في عام 1968 والتي قضت على الأمل بالتعددية الحزبية(وقدمت صدام حسين). إذ تواجد(هيرد) مرتين على الأريكة وعلى الصفحة الثانية منحنيا أمام الطاغية المستجوب والمعذب المشهور لقصر النهاية. وهناك البدين ديفيد ميلور، وهو أيضا من رجال وزارة الخارجية، على نفس الأريكة البيضاء عام 1988. وفي الوقت الذي يتلقى فيه ميلور أو ميلون كما يدعوه المساعد، مراسيم الضيافة،أمر مضيفه بتسميم خمسة الآلاف كردي بالغاز في مدينة حلبجة،الخبر الذي حاولت الخارجية البريطانية التكتم عليه. وعاد توني نيوتن المستشار التجاري لمارغريت تاتشر بعد شهر من تسميم الأكراد وجلس على نفس الأريكة البيضاء يقدم(صدام حسين)340 مليون جنيه إسترليني من أموال دافعي الضرائب البريطانيين على شكل عوائد تصديرية. وها هو يعود مرة أخرى بعد ثلاث اشهر ليجلس على نفس الأريكة ويحتفل بكون العراق آنذاك ثالث أكبر سوق للمعدات والمكائن البريطانية،التي ينتج تجميعها مجموعة من الأسلحة. وكشف البحث اللاحق الذي أجراه(ريتشاد سكوت) أن هؤلاء المشاهير على صفحات صحيفة(بغداد اوبزيرفر)عرفوا بأنهم يتعاملون تعاملاً غير قانونيا مع(الطاغية).وأخيراً قال لي المدير المساعد "رجاءاً بلغ تحياتي لمستر ميلون". أقرأ بعناية، فعادة ما يقدم لنا التاريخ تفسيراً.فعلى بعد عدة أميال من فندق الرشيد هناك مقبرة يحيطها سياج حديدي خلفه صفوف من الصلبان الحجرية بالكاد ترى من خلال خيوط التراب والرمل المتراكم عليها. هذه هي المقبرة البريطانية، حيث يرقد الجنود الذين حاربوا الأتراك قبل نهاية الحرب العالمية الأولى. ويذكر شاهد القبر"هنا قد استردت أو دفنت"رفات الضباط والأشخاص البريطانيين الذين اسروا بعد سقوط مدينة الكوت في يد الأكراد وهلكوا في الأسر."هؤلاء من خرجوا من المحنة الكبرى". كان الجندي أف آر رينولدز(FR) من فرقة الجمال الإمبراطورية وهو في التاسعة عشر عندما قتل في11تشرين الأول/أكتوبر عام 1918.أما فريدريك ايفور هيزجد الملازم الثاني في مدفعية الميدان الملكية فكان في العشرين من عمره عندما أصيب إصابات مميتة في معركة(شط العظيم)في 30 نيسان عام1917. ولكونه النجل الأكبر للبارون(تشيليز فورد الثالث) حاكم الهند، فقد بني مدفن خاص له. وقد لفت أهتمامنا الحشائش والنباتات المتسلقة حوله.ولم يذكر "من شواهد القبور أنه مات في سبيل حماية أضخم مصدر للطاقة الإستراتجية. وأحد أكبر الجوائز المادية في تاريخ العالم هكذا وصفت وزارة الخارجية الأمريكية عام 1945 حقول النفط في الشرق الأوسط. وبعد اكتشاف النفط في نهاية القرن التاسع عشر،لم تضيع القوى الأوربية الوقت في يدها على"الجائزة الكبرى". إذ شهد عام1918انتصار بريطانيا على الأتراك العثمانيين وتقسيم إمبراطوريتهم. وأصبح العراق وجميع الأراضي العربية على شكل مستعمرات،رغم الوعود والعهود السابقة بالاستقلال بعد الحرب العالمية. إذ احتفظت فرنسا بسوريا ولبنان وشمالي العراق:أما بريطانيا فوضعت يدها على بغداد والبصرة في الجنوب وبقي الأكراد ذوي المعانات الطويلة في منطقة معزولة تحت الانتداب البريطاني، وعندما ثاروا، قال ونستون تشرشل مستشار المستعمرات البريطانية متأملا "لا أفهم سبب هذه الحساسية تجاه أستخدام الغاز السام ضد هذه القبائل غير المتحضرة". وبعد تتويج(دمية البريطانيين) فيصل ملكا على العراق بدأ البريطانيين بتدمير حركة الاستقلال من خلال سحق القوى بالمدفعية وقصف الأراضي الزراعية بالقنابل الفسفورية وقطع من معدن الزنك المصمم لتعويق المواشي. ولكون العراق يحتل أعلى المراتب في العالم كمصدر للنفط، فقد بقي مستعمرة بريطانية بكل معنى الكلمة ماعدا الاسم حتى غزو قناة السويس عام 1956. سقطت الملكية في العراق بعد سنتين على يد القومي عبد الكريم قاسم الذي سقط شخصيا ضحية صراع داخلي. أما النظام الجديد فسما نفسه "الاتحاد الاشتراكي العربي"،ومعيار التعددية يضمن الإدارة غير المركزية والاعتراف باللغة الكردية والهوية الوطنية. وعندما تعرضت شركة نفط العراق،وهي مجموعة الشركات التي استغلت نفط العراق لتهديد القوميين عام1963،خططت القوة الإمبريالية الجديدة، الولايات المتحدة، لما تسميه وكالة الاستخبارات المركزية "الانقلاب المفضل". إذ قال جيمس كرتشفيلد والذي أصبح فيما بعد مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية في الشرق الأوسط "لقد اعتبرناه نصيرا كبيرا". ويتفق معه في هذا الرأي علي صالح سعدي، الأمين العام لحزب البعث إذ يقول "لقد جئنا إلى السلطة بعد تدريب على يد وكالة الاستخبارات المركزية"،وهو الذي أثار بعد ذلك عهد الإرهاب الذي قدم (صدام حسين) للساحة، والذي أصبح الرجل الأول في الدولة عام1979 كان رجل أمريكا. فقد أخبرني (أبو ريش)-Aburish-كاتب سيرة حياة (صدام حسين) إن على (صدام) أن يقدم الشكر الجزيل لوكالة الاستخبارات المركزية على الكثير مما قدموه له". "إذ يمكنه شكرهم على جلب حزب البعث إلى السلطة وعلى مساعدته شخصياً بالدعم المالي أثنـاء حـربـه مع إيـران، وعـلى حـمايـته مـن الانقلابـات الداخـليـة إنها عـلاقـة مسـتمـرة مـنـذ بداية الستينات وحتى الان وهي علاقة حب وكراهية. إن بقاء تحمس أمريكا، أو بالأحرى العرفان للعراق إزاء حماية عملائها العرب من فيروس الثورة الإيرانية، لدرجة أنها أعطت(صدام حسين)كل شيء كان يطلبه حتى جاء اليوم الذي غزا فيه الكويت في آب عام1990. فحين زار جون كيلي مساعد وزير الخارجية الأمريكية بغداد في عام 1989. أخبر(صدام حسين) "أنتم قوة الاعتدال في المنطقة، وتريد الولايات المتحدة تعزيز علاقاتها مع العراق". "قوة الاعتدال"هذه كانت قد أدعت منذ وقت ليس بالطويل انتصارها في الحرب ضد إيران، كانت نتيجتها مليون ضحية بين قتيل وجريح. وعندما قدمت جماعات حقوق الإنسان أدلة تثبت بأن العراق استخدم غاز الخردل وغاز الأعصاب ضد الجنود الإيرانيين والمدنيين الأكراد،رفضت الخارجية الأمريكية إدانته. وفي الوقت الذي كان فيه (صدام حسين) يجهز قواته للهجوم على جاره في الجنوب كشف مسؤول في وزارة الطاقة الامريكية بأن هناك مفاعلات نووية متطورة في طريقه الى العراق. وعندما حذر الجهات العليا تم توجيهه لمهمة أخرى. ويقول عضو سابق عرفنا بشأن برنامجهم حول القنبلة".ولكن الرئيس العراقي كان حليفنا..وفي عام1992 كشف تحقيق الكونغرس ان جورج بوش الأب وكبار مستشاريه كانوا قد أمروا بالتعتيم من اجل إخفاء دعمهم السري (لصدام حسين) بشحنات الأسلحة غير القانونية التي كانت ترسل إليه عن طريق وسيط ثالث. فقد تم إرسال تقنية الصواريخ الى جنوب أفريقيا وتشيلي ومن ثم "البيع الى العراق، وفي نفس الوقت تم تعديل ومحو سجلات وزارة التجارة الأمريكية (عكست هذه الفضيحة البارزة عبر الأطلسي والتي كشف البيع غير القانوني لتكنولوجيا الأسلحة الى العراق ،وإدراج الأردن في شهادات المستخدم النهائي"). وحتى بعد أسابيع من الغزو العراقي للكويت كانت وكالة الاستخبارات المركزية تزود بغداد بكم هائل من المعلومات الأستخبارية. ويقول عضو الكونغرس هنري كونزاليس رئيس اللجنة المصرفية في مجلس الممثلين (وهي فرع من الهيئة التشريعية في أمريكا) إن بوش ومستشاريه مولوا وجهزوا وأعانوا (الوحش) الذي تهيئوا فيما بعد لذبحه ،وهم الآن يدفنون الأدلة"، وقد وثق تقرير لمجلس الشيوخ عام 1994 نقل مقومات الأسلحة البايولوجية إلى العراق: فقد طورت شركة في ماريلاند تكنولوجيا التسمم بتفويض من وزارة التجارة وبموافقة وزارة الخارجية. اما الجمرة الخبيثة فقد جهزته بها مختبرات بورتون داون في بريطانيا، وهي مؤسسة حكومية وذكر محقق في الكونغرس، إن المسألة برمتها نقود ومسألة جشع. الحكومة الأمريكية عرفت ذلك، والحكومة البريطانية عرفت فهل اهتموا بالأمر؟ الجواب كلا. فقد كانت مسألة تنافس مع الالمان. هذا هو عمل تجارة الأسلحة وخلال تحقيق سكوت المقابل في لندن حول فضيحة بيع الأسلحة للعراق ،تم استدعاء تيم لاكستون مدقق مدينة لندن للإطلاع على سجلات شركة استرا البريطانية للأسلحة التي استخدمتها حكومة تاتشر غطاءا ومنفذاً لتمرير الأسلحة الى العراق بشكل غير قانوني. وكان لاكستون واحدا من بعض ملاحظين تم استدعائهم خلال سير التحقيق. ويعتقد انه لو فتح تقرير السيد ريتشارد سكوت بشكل كامل، وإذا ما تم إخضاع كبار معاوني تاتشر والموظفين المدنيين على تقديم دليل تحت القسم، إضافة إلى عدد كبير من الشهود المهمين الذين لم يتم استدعائهم لكانت النتيجة تختلف تماما عن الحرج المؤقت الذي طال بعض الوزراء. وذكر "وواجه المئات تحقيق جنائي وبضمنهم شخصيات سياسية بارزة وموظفين مدنيين ذوي شأن رفيع من وزارة الخارجية ووزارة التجارة...إي ابرز عناوين الحكومة.

وينتصب وسط بغداد نصب يبهر العين: انه يجسد ويمجد ذكرى الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988،التي بدأها (صدام حسين) بتحريض من الأمريكان الذين أرادوه أن يسحق خصمهم الجديد في المنطقة (آية الله خميني). وهذا النصب يتكون من ساعدين عظيمين تم سبكهما في باسنفتوك، ويقال أنهما مصممتان طبقا لساعدي (صدام حسين)، ويمسكان سيفي الإنتصار المتقاطعين. لقد سمح للسيارات بالسير فوق قتلى الجنود الإيرانيين المطمورة في باحة الملعب. لا يسعني التفكير بمنظر في أي مكان في العالم أكثر تعبيرا عن جريمة حرب قربانية وتجارة صنع وبيع الأسلحة: حيث جهزت أمريكا وبريطانيا كلا الجانبين بالأسلحة.
ثم مكثنا في فندق فلسطين، البعيد عن فندق الرشيد. حيث رائحة النفط لا نهاية لها. وان بقيت فترة طويلة في الداخل فسوف تشعر بالغثيان. فنظرا لتأخير عقود المطهرات في نيويورك، فقد حل محله النفط، الأكثر وفرة من الماء. وفي الرواق هناك مكتب الخطوط الجوية العراقية الذي يفتح أبوابه كل يوم وفيه موظفة تجلس خلف المكتب عملها الإبتسام وقول صباح الخير للضيوف المارين. لا زبائن لديها لأنه لا وجود للخطوط الجوية العراقية فقد إنتهت مع بدء العقوبات. ويقف طياران في الخارج ينتظران إلى جانب سيارات الأجرة الفارغة، أما الآخرون فيمسحون المدخل أو يبيعون الملابس المستعملة. وفي غرفتي يتفتت الجص كل ليلة، أما الماء فلونه بني والمنشفة الوحيدة المتهرئة فتحملها الخادمة وكأنها شيء متوارث. وعندما طلبت قهوة إلى غرفتي، ظل النادل في الخارج إلى أن إنتهيت: فالأكواب باهظة الثمن. وقال النادل بصراحة "أنا حزين دوما" ففي غضون شهر سيحصل على ما يكفيه للدفع إلى شخص يذهب إلى عمان لشراء أقراص الدواء لأخيه المصاب بالصرع. وتسيطر السوداوية على الناس. لقد شعرت بذلك في مزادات أماسي بغداد، حيث يبيع الناس حاجاتهم الأساسية من أجل شراء الغذاء والدواء. ومنها أجهزة التلفزيون فهي نماذج شائعة العرض للبيع. وهذه إمرأة مع طفليهما تشاهد عربتهم الصغيرة تباع مقابل حفنة دنانير. ورجل جمع الحمام منذ أن كان في الخامسة عشر من عمره يأتي ليبيع آخر طيوره، ويتبعها القفص. وذهبت مع طاقم الفلم للصلاة، وتلقينا الترحيب، أو أن الناس لم يكن لهم يد سوى الإذعان لحضورنا كما يفعل المكروب. وخلال الأسابيع الثلاثة التي قضيتها في العراق، لم أشهد أحد ينفس كربه ضدنا سوى مرة واحدة. فقد صرخ رجل علي في الشارع قائلا" لماذا تقتلون الأطفال؟ لماذا تقصفوننا؟ ماالذي فعلناه لكم؟ وركض أحد المارة إليه بسرعة ليهدئه: ووضع أحدهم ذراعا حنونة على كتفه، وبرز آخر فجأة، وهو مدرس إلى جنبي. وقال يطمئنني"نحن لا نربط الشعب البريطاني بأفعال حكومته" ان أولئك المسلمين في بريطانيا الذي سيطر عليهم الرعب وتركوا بيوتهم بعد قصف أفغانستان، لا يملكون سوى النزر اليسير من الأمان الشخصي الذي شعرت به في العراق.

حكـام العـالم الجـدد (6)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي


وعبر الأبواب الزجاجية لمكتب صندوق إغاثة الأطفال الدولي في الأمم المتحدة ( اليونيسف) في بغداد، يمكنك قراءة العبارة التالية للمفوضية: "فوق كل شيء البقاء والأمل، والتنمية، والإحترام، والكرامة، والمساواة، والعدالة للنساء والأطفال". ومن حسن الحظ ـن الأطفال في الخارج بأطرافهم الهزيلة ووجوههم الطويلة النحيفة لا يعرفون الإنكليزية وربما لا يعرفون ماهي، وربما لا يعرفون القراءة أساسا. وفي ضوء خبرتي"فإن التغيير في مثل هذا الوقت القصير شيء فريد من نوعه وأخبرتني الدكتورة (انوبا ماراسنغ) كبيرة ممثلي اليونيسيف في العراق. انه في عام 1989 كانت نسبة من يعرفون القراءة والكتابة أكثر من 90%، إذ كانت تفرض غرامة على الوالدين الذين لا يرسلون أطفالهم إلى المدرسة. ولم نسمع عن ظاهرة أطفال الشوارع وكان العراق قد وصل إلى مرحلة كانت فيها المؤشرات الأساسية التي نستخدمها لقياس الرفاهية الكلية للإنسان وبضمنهم الأطفال من أفضل ما يكون في العالم. أما الآن فإنها من بين 20% الأوطئ " أما الدكتورة سنغ بشكلها القصير وشعرها الرمادي، والتي تبدو بدقتها كأنها المدرسة التي جسدتها ذات مرة في الهند، فقد قضت معظم حياتها العملية مع اليونسيف. وتقول"أنا حزينة" ذلك ان عملها هو مساعدة الأطفال، أما الآن فهي مسؤولة عن برنامج إنساني لا يمكن ان ينجح. وأخذتني إلى مدرسة ابتدائية نموذجية في مدينة الثورة حيث يقطن أغلب وأفقر السكان في بغداد. واقتربنا من شارع طويل فائض، فقد انهارت منظومة تصريف المجاري والمياه في المدينة منذ قصف حرب الخليج، وقادنا مدير المدرسة (علي حسون) حول برك المياه الآسنة في ساحة المدرسة وأشار إلى نقطة وصول الماء المرتفع على الحائط. وقال "يصل الماء إلى هذا المستوى في فصل الشتاء. حينها نبدأ بالإخلاء. ونبقى أطول وقت ممكن، ولكن بدون الرحلات، يضطر الأطفال إلى الجلوس على قطع الطابوق. وأخشى من سقوط الأبنية". وأثناء حديثنا إنطلقت صافرة الإنذار على مسافة تنذر بغارة جوية. وتقع المدرسة على أطراف مقبرة صناعية شاسعة. ويطبق الصمت على المضخات في مجمعات معالجة مياه الصرف وخزانات المياه الصالحة للشرب، عدا البعض ممن تصدر أزيزاً في جزء من طاقتها. والمضخات التي لم يطالها القصف، فهي مفككة منذ ذلك الحين: وقطع الغيار من مصنعيها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا دائما في قائمة "الإنتظار". وقبل عام 1991 كان الماء في بغداد صحيا حاله حال أي ماء في العالم المتقدم. أما اليوم، فهو يسحب وبدون معالجة من نهر دجلة، إنه قاتل. وقال مدير المدرسة وهو يمسك بأخوين قد شفي هذان الطفلان من الزحار، لكن سيعاودهم مرة بعد أخرى حتى يضعفا جدا". وأخبرتني الدكتورة سنغ أنه في عام 1990 كان الطفل العراقي المصاب بالزحار أو مرض آخر ينقله الماء يواجه إحتمالا واحدا من بين 600 إحتمال بالموت، أما اليوم فقد وصل إلى واحد من خمسين إحتمالا. وكان قسم التجارة والصناعة قبل أعياد الميلاد من عام 1999 بالتحديد يحدد صادرات اللقاحات الهادفة إلى حماية الأطفال العراقيين من الخناق والحمى الصفراء. والسبب جاء على لسان دكتور كم هاولس إلى البرلمان. فقد تناسب منصبه كوزير برلماني للدولة لشؤون التنافس والمستهلك مع جوابه بأسلوب الهجاء السياسي( الأورياليني) إذ قال أن لقاحات الأطفال "كان يمكن إستخدامها في أسلحة الدمار الشامل". قالت الدكتورة سنغ" أن معظم المعاناة غير منظورة. فقدت 125% من عدد الاطفال المحتاجين لمساعدة في مشاكل الصحة العقلية. وقد تجردت معظم البيوت من أبرز مواد التحفيز والكتب والدمى في مجتمع يأخذ مسألة التعليم بجدية كبيرة، وذلك لان معظم العوائل ومن أجل مواكبة الحياة،قد باعت كل ما لديها ما عدا الاساسيات المجردة. نرى هنا جيلاً بأسره نشأ تحت احساس العزلة الكاملة وشعور بالأعتمادية وفقدان الأمل. وغالباً ما أفكر بأبناء أخي وأختي وأسال نفسي قائلاً "هل كنت سأقبل بهذا الوضع لعائلتي؟ وأن لم أقبل، فهوغير مقبول كذلك لاطفال العراق. ليست هذه بالعاطفة الفارغة. أنها مبدأ اساسي في أتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل:الفقرة الثانية، مبدأ عدم التمييز. إنه ببساطة حقهم بعدم الضياع في سنين حياتهم". وتشاهد في شارع مزدان بصف (أدواردي) من الأعمدة مبنية على الطراز المعماري الإغريقي تعلوها تيجان مزخرفة، يكثر فيه أطفال مدارس وطلبة كليات جاءوا ليبيعوا كتبهم* ليس كما هو الحال في سوق السلع الرخيصة، ولكن تدفعهم الحاجة الماسة. فترى مدرسين ومثقفين يتخلون عن مجلدات تاريخية، وكتب أدبية مجلدة بالجلد في بغداد في فترة الثلاثينات، ونصوص في علم الولادة وعلم الإشعاع ونسخ من مجلة الطب البريطانية( برتش ميديكال جورنال) والطبعة الأولى والثانية من رواية (إنتظار غودوت) و(الشمس تشرق من جديد) وليس أقل أهمية "سياسة الإسكان البريطانية لعام 1958". وخاطبني رجل بشارب رمادي مشذب أشبه بشخصية بيرين ووستر"علي الذهاب لرؤية أختي في الجنوب، فهي مريضة. أرجوعطفك بإعطائي خمسة وعشرون ديناراً (حوالي بنسا)". أخذها وأومئ برأسه ومضى سريعا. وقال لي مدرس "أتعرفانني بعت كل ما أملكه من كتب وبضمنها قرآني وقاموسي". وقال لي طالب هندسة في التاسعة عشر من عمره "لقد بعت تواً أقلامي وأبقيت على قلم واحد فقط". ووقع بصرنا أنا وفيلستي أربوثنوت على كتاب اسمه "السلام ينبع من السماء".
وقد بدأنا بهذه الكلمات الساخرة وسخرية كئيبة، واشترينا الكتاب. هذه هي الخطبة الرهيبة لمجتمع تثيره حتى مجموعة القصائد الصبيانية العاطفية:
السلام ينبع من السماء
عبر الهواء نحوي..
وتغريد الطيور يخرجني
من نشوتي ليذكرني بالحياة..

وقد قضت فيلستي العقد الماضي بتحذير العالم من معاناة الشعب العراقي، كما سلكت مرات عدة الطريق المرعبة من عمان، ولم تشتكي أبدا من تحمل شخصها المشقة، وكانت تستلهم شجاعتها دوما من شجاعة العراقيين الذين صادقتهم خاصة الأطفال. (راجع ثناءها ونعيها لجاسم في مقالتها "الشاعر الصغير" الصادرة في صحيفة "نيوناشنلست " NeW Nationalist " في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1998. وعندما جئت من الأردن برفقة ( فيلستي) و( دينيس هاليداي) ( كلاهما إيرلنديان)، كانت تعاني من كسر معصمها المعلق بعصابة الى عنقها. وكان كل أخدود في الطريق يأتي بكرب تداريه بالإبتهاج وتذكرني (فليستي) بصحفية ومعمرة إنسانية تدعى( مارثا غيلهورن) فهي تشرب وتضحك وتشعر بالسخط الشديد تجاه الظلم والنفاق. وترعى الضعفاء وتكتب بمهارة: وكانت ذات مرة تقود سيارتها الفاروميو الحمراء( بلوحة مصنوعة من خشب الجوز) من ميامي الى مكسيكوسيتي.
وطلبت من فليستي كتابة بحث عن تصوير فلمي الوثائقي "حصار العراق من دفع الثمن". وتوجهنا الى مدينة الموصل في الشمال،عبر طريق أشبه بسطح القمر ويذكرني بـ" مونوفيت فالي" في كاليفورنيا. ووصلنا لما كان مشهد لكارثة قبل ستة أشهر، عندما كانت فليستي هنا. ففي الأرض المتربة المفتوحة كانت ما تزال قطع لخزان ماء وشظية من صاروخ وحذاء وصوف وبقايا خراف. وقالت "لقد وجدت هذه المنطقة بأكملها مغطاة بالخراف الميتة المتناثرة. إضافة الى جثتي كلبي حراسة والممتلكات الشخصية. من الواضح أنه كان ضررا مدمرا. وكان خزان الماء أشبه بغربال من أثر ثقوب الشظايا. وأخبرني السكان المحليون ان ذلك حدث في يوم جمعة حين يزور القرويون بعضهم بعضا، وكان قرابة الأربعين أو الخمسين يتشاطرون وجبة الصباح الباكر. وعندما رجعوا، خلفوا وراءهم العائلة المؤلفة من ستة أفراد: الجد والأب وأربعة أطفال لرعاية الخراف. وحال سماعهم لصوت الطائرة وسقوط القنابل رجعوا راكضين. وقال السكان انهم بحثوا عنهم من الصباح الباكر حتى المساء في محاولة للعثور على الجثث ودفنها في غضون إثنتا عشر ساعة طبقا لتعاليم الدين الإسلامي" وإلتقينا بأخ الراعي ويدعى حسين جرجيس. ووافق على لقائنا في المقبرة حيث يرقد أبوه وأخوه وأربعة أطفال. ووصل بسيارته القديمة نوع تويوتا وبرفقته أرملة الراعي وإسمها أكداي ذنون. كان يشوبها الحزن وكانت تغطي وجهها وأمسكت بيد طفلها المتبقي وجلست بجنب أكوام التراب على قبور أطفالها وأخذت تنتحب وعندما تقدمت فيلستي لتقديم تعازيها لهول الفاجعة، وقفت المرأة المتشحة بالسواد وأصبحت وجها لوجه معها، فقالت "أريد التكلم مع الطيار الذي قتل أطفالي الأربعة". وأخو زوجها راعي أيضا. وقال بعد أن أنهى صلاته عند القبور "عندما وصلت للبحث عن أخي وعائلته كانت الطائرات تحوم فوق رؤسنا. ولم أبلغ الطريق المعبدة عندما حدث القصف الرابع وطالهم آخر صاروخين، وفي ذلك الوقت لم أعي ما يحدث. فالشاحنة كانت تحترق. لقد كانت الشاحنة كبيرة لكنها تحولت الى قطع صغيرة. ولم يبقى منها شيء سوى لوحة الأرقام والإطارات. لقد شاهدنا ثلاث جثث، أما البقية فكانت عبارة عن أشلاء وأوصال. أما الخراف التي أصابها الصاروخ الأخير فرأيتها تتناثر في الهواء. لقد حرق الصاروخ مساحة مائة متر مربع حولها الى رماد بالكامل. لقد حلقت الطائرات في عملية القصف الأخير بمستوى منخفض للغاية. وأطلقت الصاروخين في وقت واحد. والنتيجة ستة قتلى: أبي البالغ من العمر سبعين سنة، وأخي في الخامسة والثلاثين مع أطفاله الأربعة. كان الطفل الأصغر وهو في الخامسة من عمره.ولم يلتحق بعد بالمدرسة. وأخبرني ذات مرة عمي"سألتحق بالمدرسة السنة القادمة".لكن إرادة الله سبحانه وتعالى لم تسمح له بذلك، إنا لله وإنا إليه راجعون. بدون الماشية فالعائلة مفلسة. لذلك عرضت عليه بعض المال فرفض وعرض على الذهاب إلى بيته لتناول شيء.
وجاء الهجوم مدويا ومرعبا على لسان هانزفون سبوينك، مسؤول الأمم المتحدة البارز في العراق الذي جاء هنا خصيصا من بغداد. وليس في الجوار ما يشبه منشأة عسكرية. والوادي خال من الأشجار مفتوح ومقفر، وسجل(فون سبوينك) مشاهدته في وثيقة داخلية سرية بعنوان الضربات الجوية على العراق: من 28كانون/ ديسمبر1998وحتى 31 أيار/مايس 1999بتحضير من شعبة الأمم المتحدة للأمن
(UNOHCI). وذكرت فيه عشرات الهجمات المماثلة:على القرى وعلى رصيف الصيادين بالقرب من مستودع لبرنامج الغذاء العالمي. وأمر(فون سبوينك) بعثات الأمم المتحدة للإغاثة بتعليق عملها لساعات عدة وقت الظهيرة حين تكثر الهجمات الجوية. عندما عادت فليستي إلى لندن بعد رؤيتها دليل الفاجعة، إتصلت بوزارة الدفاع وقالت "لقد عدت توا من الموصل،وقد قصفتم الخراف، فهل لديكم تعليق حول ذلك؟". وأجاب المسؤول "نحن نحتفظ بحق الرد إذا تعرضنا لأي تهديد". وتوجهنا بعد ذلك إلى التلال الخضراء بعد مدينة الموصل، على طريق محفوفة بالمخاطر يقودنا إلى دير من القرن الرابع يطل على الأودية. ويرقد هنا القديس(متي) ويأتي المسيحيون العراقيون بالمئات للصلاة في ضريحه. والدير مكان عام للتنزه في عطل نهاية الأسبوع: وإلتقيت هناك بعائلة من عشرين فرداً، يبلغ أصغرهم سنتين وأكبرهم السادسة والثمانين من العمر. ولديهم أقارب في استراليا، وأخذت صورهم، وأرسلت فيما بعد نسخا لهم في الموصل والفرع الأسترالي في ضواحي سدني. وتحدثوا عن القصف وهم يهزون رؤوسهم وممسكين أطفالهم الصغار بالقرب منهم. وتسألوا "لماذا؟". وقال لي أحد القساوسة "لقد ضاع الشعور بالأمان والسلام، ففي السنة الماضية تسلق عشرات الناس المنحدرات لمشاهدة كسوف الشمس. وكان أحد أوضح المشاهد في العالم. وجاءت الطائرات وقصفتنا: لا أعرف البريطانية كانت أم الأمريكية. وأخبرونا أن خمسة أشخاص قد قتلوا. ونسمع يوميا دوي الضربات. مالذي يهاجمونه؟. يطير الأمريكان والبريطانيون فوق العراق فيما أعلنته حكوماتهم من جانب واحد على أنها "مناطق حظر طيران". هذا يعني أنه لا يسمح سوى لهم وحلفاءهم بالطيران هناك. وهذه المناطق في الشمال تمتد من أطراف الموصل وحتى الحدود مع تركيا ومن جنوب بغداد حتى الحدود مع الكويت. وتصر الحكومتان الأمريكية والبريطانية على "شرعية" مناطق حظر الطيران، إذ تدعي أنها جزء من قرار مجلس الأمن 688 أو أنها حاصلة على تأييد بموجبه. هناك المزيد من الغموض يكتنف هذه المسألة التي إبتدعتها وزارة الخارجية عندما تعرضت تصريحاتها للإنتقاد. ليست هناك إشارة إلى مناطق حظر طيران في قرارات مجلس الأمن التي تكشف أنه لا أساس لها في القانون الدولي. وللتأكد فقد ذهبت إلى باريس وسألت الدكتور بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة في عام 1992، وقت صدور القرار. وقال لي "لم يتم طرح مسألة مناطق حظر الطيران ولذلك لم تتم مناقشتها: ولا كلمة، وهي بذلك لا تعطي أي شرعية للبلدان التي ترسل طائراتها لضرب العراق". وسألته قائلا هل هذا يعني أنها غير قانونية؟
فأجاب "إنها غير قانونية" ؟
أما مستوى القصف في مناطق حظر الطيران فيثير الذهول، فخلال مدة ثمانية عشر شهرا حتى 14 كانون الثاني/ يناير1999، قامت طائرات القوة الجوية والبحرية الأمريكية بـ 36000 طلعة جوية فوق العراق بضمنها 24000مهمة قتالية. وفي عام 1999، أسقطت الطائرات الأمريكية والبريطانية أكثر من 1.800 مليون قنبلة وضربت 450 هدفا. ووصلت كلفة دافعي الضرائب البريطانيين إلى ما يزيد عن 800 مليون جنيه إسترليني. فهناك قصف شبه يومي: إنها أطول حملة جوية بريطانية - أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك تتجاهلها وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في عرفان نادر من نوعه ما نصه "تقوم الطائرات الأمريكية بهجوم منهجي على العراق دون نقاش فعلي علني...وبلغت طلعات الطيارين ثلثي عدد الطلعات التي قام بها طياروا الناتو فوق يوغسلافيا في ثمان وسبعين يوما في حرب على مدار الساعة هناك". وتقول الحكومتان الأمريكية والبريطانية ان الغرض من مناطق حظر الطيران هو حماية الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب من قوات ( صدام حسين). ويقول توني بلير ان الطائرات تقوم بمهمة إنسانية أساسية" سوف تعطي للأقلية الأمل والحرية والحق بتقرير مصيرها الخاص" ثمة تاريخ سري أعطى الكذبة لكلام بلير الخادعة فعندما خرج(صدام حسين) من الكويت عام 1991 اندهش قادته بقول المنتصرين انه يمكنهم الإحتفال بمروحياتهم المسلحة. ودافع القائد البريطاني الجنرال السيد ( بيتر دي لا بيلير) عن هذا القرار بالمنطق العجيب التالي: "العراقيون مسؤولون عن حفظ القانون والنظام. ولا يمكنك إدارة البلد دون استخدام مروحيات" القانون والنظام؟ أهو نفس القانون والنظام الذي صادق على تسميم 5000 كردي في حلبجة؟ وجاء الدليل من تعليق مفاجئ لرئيس الوزراء السابق جون ميجر "لا أستذكر سؤال الأكراد لتصعيد هذا العصيان المسلح بالذات.."