الخميس، 20 أغسطس، 2009

تطور "التمرد" العراقي (22)

انتوني. كوردسمان
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

إن اعتقاداتهم الجوهرية، أسست نظرة إسلامية سنية ترفض الشيعة، بل وحتى السنة الذين انشقوا عن الأصوليين الإسلاميين. ولحد الآن، كانت ولا تزال، مثل هذه المجموعات، متأنية في عملية الابتعاد عن المطالبة الواضحة بالانشقاق مع الشيعة العراقيين، بل راح البعض الى ابداء التعاون مع جماعة "الصدر" وميليشياته.
وعلى أية حال، فقد قاموا بهجمات واسعة وتفجيرات ضد الشيعة، وكثيرا ما بينوا وضعهم لحدود قليلة (مع احتمالية عدم وجوده اساسا ) تحد من المسائل العنيفة ضد "من يعتبرونه" عدوا للإسلام. وفي النهاية، فان لهم الغلبة لو تحققت الفرقة بين السنة والشيعة في العالم. وقد يصبح العراق مشهد العنف المستمر بين الولايات المتحدة وبين العرب، فيما لو بقت الولايات المتحدة راسخة في المنطقة وفيما لو خلقت عملياتهم عدم الاستقرار في المنطقة بقدر الامكان.
وهذا ما يفسر اتخاذ حركات "التمرد" السنية، وخصوصا الإسلامية المتشددة من تلك الحركات، من العملية السياسية في العراق، هدفا ذو اولوية قصوى، قبل وبعد انتخابات الثلاثين من كانون ثاني 2005 حيث خشى "المتمردون" ان يسبب نجاح الانتخابات والاستتباب الأمني النسبي في العراق، ان يسبب تقوية وترسيخ سيطرة الشيعة للبلاد، ووضوح انتقال السلطة من يد كل من البعثيين والإسلاميين، للعراق في المستقبل.
وفي التاسع والعشرين من كانون أول (2004)، أعلنت جماعة أنصار السنة، كل مراكز الاقتراع ومن فيها، هم بمثابة أهداف لجنودنا الشجعان. كما أعلن الجيش الإسلامي في العراق الشيء نفسه، وحذر بتاريخ الخامس عشر من كانون ثاني عام (2005) "لا تسمحوا بإقامة مراكز الاقتراع بجواركم، لان ذلك من شأنه أن يضع أرواحكم في خطر، ولا تتعاملوا مع الموظفين الذين يعملون في تلك المراكز،لأنهم سوف يتم قتلهم، وابقوا بعيدين عن تلك الأماكن لأنها سوف يتم مهاجمتها".
وبتاريخ الثالث والعشرين من شهر كانون أول (2005)، أصدر الزرقاوي شريطا صوتيا قال فيه "لقد أعلنا حربا شاملة على هذا المبدأ الشرير للديمقراطية، ومن يتبعون هذه الايديولوجية الخاطئة".
وهنا يظهر وجه اخر من وجوه التطرف، وهو حقيقة الاتهامات المتزايدة ضد الولايات المتحدة، "باضطهاد" المسلمين والعرب والعراقيين، وذلك بغزوها لكل من العراق وافغانستان، وما قامت به من اعمال، في حربها ضد الإرهاب، حيث وردت سلسلة أحداث، مثل ما قامت به الولايات المتحدة من اساءة معاملة السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، وما تم الافصاح عنه في الولايات المتحدة لاستعمالها انواع مختلفة ومتقدمة من الاسلحة النووية وهو سلاح "البنكر بستر". والنتيجة الحتمية لتلك الحقائق، هي في المقابل تبرير "اضطهاد" الأمريكان وكل من يحالفهم، واستخدام تكتيك معين مثل القيام بهجمات بالغة الضرر، مثل التفجيرات الانتحارية واستخدام الاسلحة الكيميائية والبيولوجية، وهنا فهم يتجاهلون مرة أخرى تعاليم الدين الاسلامي، بتبريرهم القيام بأي عمل من أعمال العنف مهما كانت شدتها.

الموقف الشيعي المتقلب
يبدو أن احتمالية حدوث حرب اهلية هي احتمالية ضعيفة ومع ذلك لا يمكن تجاهلها. فان العرب الشيعة في العراق يستهجنون الوجود الامريكي في البلاد، الا ان ادراك معظمهم بانهم يشكلون نسبة (60%) من السكان، وهذه الحقيقة تعطيهم احقية السيطرة السياسية في حالة استتباب الامن الكافي في العراق، ولذلك فان النظام السياسي الجديد سيقسم السلطة وفقا لحجم تلك الجماعات والاحزاب.
يبدو أن مقتدى الصدر عاقد العزم للمشاركة في العملية السياسية في العراق حيث سبب جيش المهدي التابع له مجموعة من التهديدات الخطيرة بوجه "التحالف" والقوات الحكومية العراقية في مدينة النجف وفي مدينة الصدر في بغداد، وفي مناطق شيعية اخرى في الجنوب خلال الفترة الممتدة ما بين صيف وبداية خريف عام (2004). وقد اشار مسؤولين اميركيين الى تعرض قواتهم إلى حوالي (160) هجوم في الاسبوع الواحد وذلك في مدينة الصدر في الفترة ما بين آب وايلول(2004) وبمختلف درجات الخطورة. وقد سببت المعارك المختلفة والحلول السياسية انقياد الصدر والابتعاد عن الكفاح المسلح للفترة ما بين نهاية الخريف وبداية شتاء (2004) حيث قام باجراء تغييرات واضحة ومهمة تتعلق بموقفه حيث اشار مسؤولين في الولايات المتحدة إلى انخفاض واضح في عدد الهجمات حيث وصل معدل الهجمات حسب احصائياتهم ما بين (صفر -5) هجمات في الاسبوع، وذلك في بداية (2005).
وعلى اية حال فلقد اشار الجنرال (جون ابي زيد) في اذار (2005) قائلا "اننا لا نرى نهاية لتحدي مقتدى الصدر". ومع ذلك اصبحت القوات العراقية الحكومية قادرة على التحرك باتجاه المناطق التي لا زالت تحت سيطرة حركة مقتدى الصدر، وهي مدينة الصدر في بغداد بنفس الطريقة التي تفرض فيها الحكومة سيطرتها على مثل تلك المناطق، حيث حافظت حركته على نشاطها وحيويتها في افقر المناطق الشيعية في العراق.
وقد نظم مؤيدوا مقتدى الصدر مظاهرات مطالبين فيها برحيل القوات الأمريكية من العراق وذلك في شهر نيسان
(2005)، حيث اصدر احد كبار مساعدي الصدر (في الكتلة الوطنية المستقلة) تحذيرا موجها لـ(ابراهيم الجعفري) الذي تبوأ منصب رئيس الوزراء، حذروه فيها بوجوب التأني والاصغاء جيدا لتلك المطالب والا فقد يترك تيار الصدر، الائتلاف العراقي الموحد ويصبح قطبا فاعلا في المقاومة.
كما طالبت المجموعة ايضا باطلاق صراح(200) من اتباع الصدر الناشطين الذين تم اعتقالهم في معارك سابقة، واسقاط جميع الاتهامات والدعاوى القضائية ضد الصدر.

ان لمقتدى الصدر القدرة على استغلال الضعف السياسي والانقسامات الحاصلة في الحركات الشيعية الاخرى في الجنوب،وافتقارهم للقدرة على تولي الحكم، اضف الى ذلك الفوز الصعب لحركات التيارات الاسلامية بعدد مهم من المقاعد في الحكم المحلي وذلك في مناطق مهمة مثل مدينة البصرة. ومن ناحية اخرى فقد قام أحد المكاتب التابعة للصدر (الذي يقوم بتقييم ما هو فضيل ومحاربة الفساد) بشن هجمات (على الاقل هجوم واحد ضد احدى الرحلات التي قام بها طلاب غير متدينين، لانها كانت رحلة مختلطة تجمع الذكور والاناث).

كما بات من الواضح عادة تشكيل واحياء جيش المهدي من قبل الصدر، الذي بدأ مجددا بمزاولة نشاطه الواضح في أجزاء من جنوب العراق مثل مدينة البصرة، العمارة والناصرية، كما ولا يزال يحتفظ بخلايا متمركزة في مدينة النجف والكوت أيضا. وفي الوقت الذي اكدت فيه مصادر رسمية أمريكية ضعف تلك الاجرات، كما ولها مشاركة فاعلة لرجال الدين الشيعة وهم الاكثر "تأثيرا" من الذين يؤيدون الصدر بقوة. ومن الجدير بالملاحظة إن السبب الرئيس لاعادة تكوين ذلك الجيش هو عدم وجود عمليات مؤثرة وأفعال مركزة تقدمها الحكومة هناك. مثال على ذلك، فان الشرطة في القوات الحكومية لمدينة الناصرية لديها(5500 ) رجل ولكن يبقى (2500) رجل بعيدين جدا عن الوصول الى غاياتهم واهدافهم المنشودة.
كما ولا زال للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، ولحزب السيد عبد العزيز الحكيم، عناصر كثيرة تابعة لمليشياتهم، وهي حزب الدعوة وفيلق بدر، كما ويبقى حزب الله العراقي كذلك يشكل مشاكل امنية محتملة الحدوث في الساحة العراقية.حيث اصدر كل من الرئيس العراقي المؤقت (غازي الياور) وهو من السنة، والملك الاردني(عبد الله)، تحذيرات بخصوص المخاطر المترتبة من هيمنة الشيعة على العملية الانتخابية في الثلاثين من كانون الثاني
(2005)، ومن المخاطر المترتبة عن التاثير الايراني المحتمل.
فمن الواضح انه قد تم المبالغة وتضخيم تلك التحذيرات التي أطلقها الشخصيتين العراقية والاردنية. فمن المؤكد ان الشيعة العراقيين هم عراقيون وطنيون، وليسوا بمثابة أدوات بيد إيران، ولا رجال الدين الشيعة من العراقيين، بعيدون عن تيار حزب الصدر، ولا يقدم غالبية السكان الشيعة دعمهم وتاييدهم لدور رجال الدين في الشيعة. ولحد الان ليس بمقدور حد أن يتوقع الكيفية التي يستقر فيها الوضع السياسي العراقي على الرغم من اجراء الانتخابات في الثلاثين من كانون الثاني(2005).

ليست هناك تعليقات: