الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

حكام العالم الجدد (20)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

وكتبت كاترينا الفورد من جامعة لاتروب في ملبورن ما نصه "واجه السكان الأصليين مهمة ملحمية؛ فقد طلب منهم إثبات ارتباطهم التقليدي بالأرض موضوع الدعوى على أسس جغرافية ونسبية، وتقديم الدليل بصيغة تحريرية مقبولة قانونيا. وهذا صعب في أفضل الأحوال، بل مستحيل تقريبا بالنسبة للمطالبين بلقب الساكن الأصلي ذوي التراث الشفوي". واقتبست كاترينا من المؤرخ باتريك وولف الذي يقول: "كلما زادت خسارتك، قلت قدرتك على الربح: ومن أجل ان تدخل معايير لقب الساكن الأصلي، عليك ان تكون خارج التاريخ". ونشرت المفوضية الاسترالية لحقوق الانسان والفرص المتساوية عام 1997 تقريرا مدينا ومؤلما بعنوان "ارجعوهم الى الوطن"، في أظلم فصول تاريخ الشعب على الإطلاق: ألا وهو "الجيل المسروق". فهو يصف كيفية انتزاع الأطفال المهجنين من السكان الأصليين من والديهم كجزء من سياسة منهجية من أجل القضاء على الملونين". وتم استخدام الشرطة لإيجاد الأطفال وسرقتهم. وتلقوا أوامر بعدم إخبارهم وإخبار والديهم عن المكان الذي يأخذونهم إليه. وذكرت صحيفة "سيدني مورنينغ هيرالد"Sydney Morning Herald في تقرير لها في العشر من كانون الثاني 1925 وتصف فيه احد " المشاهد المفجعة" ما نصه: حصل العزل قبل اعياد الميلاد.. وبدا ان تعليمات ضابط الشرطة تنص على مقابلة الوالدين عند النهر، وهنالك يذهب الأطفال بصحبة والديهم الذين لم يعرفا أن فلذات أكبادهم ستنتزع منهما.كان الفصل يمزق الفؤاد،بيد أن الأطفال أخذوا رغم الإحتجاجات والدموع.. وكان الوالدين في حالة يرثى لها حينذاك...وتكشف ملفات القمع المخيفة سابقا، أنه لم يكن هناك في الغالب أي إدعاء برعاية الأطفال "المنبوذين" الذين سلبوا من عائلات محبة. وأصبح روبرت تي دونالد سون مفتش ما سمي زيفا مجلس حماية السكان الأصليين، أصبح يعرف بـ"جامع الأولاد": وهو شخص نحيل يطوف شوارع نيوساوث ويلز يحمل الحلويات ويختفي حاملا الأطفال. وخضعت السياسة لتأثير أفكار الحركة الفاشية لتحسين النسل التي كانت سائدة في العقدين الأولين من القرن العشرين ونشرت حالة الخوف من أن نساء البيض لا ينمون بسرعة كافية وان "الجنس الأبيض" مهدد بالإندثار. وعرف هذا في الثلاثينات "بالإمتصاص" وشجعه استاذ علم الإنسان في جامعة سيدني أي بي الكين الذي أشاع فكرة ان السكان الأصليين كانوا "الجنس الأدنى" و"متطفلين" يجب "إمتصاصهم". وأرسل الصبية إلى محطات الأغنام والماشية كعمال مقابل حصص من الطعام والأجور الزهيدة. أما الفتيات وهي الأغلبية فكانت ترسل غالبا الى بيوت كوتا موندرا لتدريب فتيات السكان الأصليين، حيث يتلقين تدريبا ليصبحن خادمات في المنازل، ومن ثم "إلزامهن" بالعمل لدى "أسيادهن" في منازل الطبقة المتوسطة أما المكافئ التاريخي فهو إستخدام العبيد من الفتيات السود كخادمات في الولايات الأمريكية الجنوبية قبل الإعتاق. وفي الوقت الذي كتبت فيه كتب ومسرحيات ومراثي حول حرمان ومعاناة الأمريكيين السود. لم يكن في أستراليا سوى إعتراف متردد حول مأساة هولاء. وساد إعتقاد شعبي لسنين عدة أن الأطفال تم "إنقاذهم" من رعب التنشئة "البدائية" وخاصة "المهجنين". وفي العديد منهم تعرضوا للأذى الجسدي ولم يتلقوا أي حماية من الولاية. وتظاهر بعض الأستراليون البيض. بجهلهم هذه الجرائم؛ ويبدو أن الأغلبية واجهوها بعدم اللامبالاة والصمت.
وقال رئيس مفوضية حقوق الإنسان السيد رونالد ويلسون" قررنا بوصفنا لجنة أن ما حصل يتوافق مع التعريف الدولي للإبادة الجماعية..أي محاولة تدمير شعب أو ثقافة". وطالب تقرير المفوضية"أرجعوهم الى الوطن" بإعتذار رسمي باسم جميع الأستراليين. ورفض رئيس الوزراء جون هوارد بشدة القيام بهذه الإشارة الوحيدة، ناهيك عن دراسة تقديم تعويض.وقضى البرلمان الفيدرالي خلال الأسبوع الذي صدر فيه التقرير ساعة في مناقشة مقترح حول فرض ضريبة على صيد طيور الأمو([2]). وبالمقابل خصصوا نصف ساعة لمناقشة تقرير "أرجعوهم إلى الوطن" الذي وصف الإبادة الجماعية في أستراليا،وغادر خلالها رئيس الوزراء وأعضاء حكومته ومعظم أعضاء البرلمان الحكوميين القاعة قبل إنتهاء "المناقشة".أنا في سن العديد من ابناء الجيل المسروق.وقد نضجت شأني في ذلك شأن معظم البيض وأنا ألعب دور المتفرج البريء من دون وعي في هذه البلاد. وحين دخلت المدرسة الإعدادية كان هناك كتاب منهجي وأساسي اسمه "الإنسان يصنع التاريخ: تاريخ العالم من العصور الأولى إلى عصر النهضة" لمؤلفه راسل وارد. وقد بيع منه أكثر من 200 الف نسخة وقال فيه: غالبا ما يسأل الأولاد والفتيات،"ما فائدة التاريخ؟" الجواب: مازال يعيش في أرض ارنيم شعب لا يعرف أي شيء تقريبا عن التاريخ. وهم جماعات قبلية من السكان الأصليين يعيشون بنفس الطريقة التي عاش عليها أسلافهم وأسلافنا،وقد مضت عشرات آلاف السنين. واليوم نحن متحضرون وهم لا. والتاريخ يساعدنا في فهم سبب ذلك. ووصف المصور الجغرافي الاسترالي المعتمد منذ عام 1939حتى عام 1966 "استكشاف البيض لاستراليا بأنه "إزاحة ستار الظلام تدريجيا". وكانت مناطق استراليا "المستكشفة" تمثل بواحات بيضاء على القارة السوداء. وكانت استراليا "ارض خالية" على حد تعبير مؤلف كتاب "نصر في المنطقة المدارية"، ولم يعتبر سكانها بشرا. لقد كانوا جزءا من الحيوانات. ولذلك ليس لهم أي حقوق ولا أي إدعاء بالفضيلة: وكان الرجال المسيحيون المحترمون الذين سجلوا القصة الأسترالية منغمسون للغاية في الفضيلة. واستنتج البروفسور ستيفن روبرتس في نسخة عام 1970 من كتابه "عصر الإحتلال" ما يلي: من غير المجدي تماما المعاملة المنصفة للسكان الأصليين، وذلك لأنهم لا يشعرون بالمسؤولية الأخلاقية مطلقاً وغير المؤهلين عادة للإخلاص والعرفان الطويل". يمثل والي ماكارثر احد ضحايا الجيل المسروق. وقد ترعرع بعد إنتزاعه من أمه وهو فتى صغير في إرسالية بونفالو قرب الس سبرنغز التي وصفها صديقه المقرب تشارلي بيرنكر الناشط الكبير الذي ترعرع هناك أيضا، بأنها "معسكر إعتقال في الأدغال". فقد كتب (والي) كونه مهجن ان يعمل خادما في مجتمع البيض. وكان يتمتع بموهبة بارزة في الجري السريع. ويعتقد الذين درسوا زمان والي (Wally) انه كان أحد أسرع الرياضيين على الإطلاق، لقد كان كارل لويس([3]) زمانه. فقد حطم في سن الرابعة عشر جميع الأرقام القياسية المدرسية للركض دون أحذية وتم إعلانه "أسرع فتى في العالم في سن الرابع عشر". لقد كان يعرف بلاعب بورولولا اللامع، بعد بورولولا توجد بقعة صغيرة على نهر ماكارثر.واخبرني ان"هذا هو أصل اسمه في الواقع". إذ لم يعرفوا اسمي عندما أخذوني من أمي إلى الس سبرنغز. فكما تعرف ان الحكومة اخذتني بعيدا..."كم كان عمرك حينذاك؟.
"لابد انني كنت في السادسة تقريبا. ولكن عندما دخلت الى الس سبرنغز كنت اشبه بالمسلسل الهزلي لانني لم اتمكن من فهم اللغة ولم استطع تكلم الانكليزية. كنت مازلت أتكلم لغتي المحلية.لم تكن سيئة للغاية:وكان مسموحا لنا التجول على ضفاف نهر تود".
"وماذا حدث لوالديك؟"
لقد فقدت الإتصال معهم تماما.وعندما عدت بعد خمس وخمسين عاما قابلت أخي الصغير وكان لا يبلغ سوى ثمانية أو تسعة أشهر عندما غادرت،أو بالأحرى عندما أخذوني.عندما تقابلنا ثانية، كان مشهدا رائعا. إذ تعانقنا وبكينا.كانت تجربة سعيدة لأننا دخلنا الحانة وجعلني أثمل، وفي اليوم الثاني قدمت إعتذاري للكبار.وقلت لهم"أنا آسف أيها الكبار. لقد جعلني أخي أثمل. وقد قصر في ذلك". وأجابو "كلا، كل شيء على ما يرام ياوالي،لا يتوجب عليك القلق حيال ذلك؛نحن سعداء بمجيئك ورؤيتك لأخيك.على أية حال. انها المرة الأولى التي يثمل فيها. فهو لا يشرب كانت هذه المرة الأولى التي شرب فيها قطرة".
"هل تذكر اليوم الذي أخذوك فيه؟"
"نعم، أتذكره جيدا. لقد كانت سيارة حكومية، لأن الحكومة فقط كانت تملك سيارات في ذلك الوقت. وضعني السائق في المقعد الأمامي وأخذنا في جولة وأثناء ذلك لوحت بيدي لعائلتي.ولم أرهم منذ ذلك الوقت كما تعلم.كانوا يجلسون حول نار المخيم،ولم يفهموا ما الذي كان يحصل، أنا واثق من ذلك.وأخذوني الى ماتارانكا حيث محطة القطار ونقلوني من هناك إلى داون".
"هل اشتقت لعائلتك؟.
"في الحقيقة إعتقدت اننا ذاهبون في عطلة،...ولكن عندما اشتقت اليهم،أردت العودة ولكن لم اتمكن من ذلك".
" من اكتشف موهبة الركض لديك؟"
" حسنا، يؤخذ الأطفال في إرسالية بونغالو مرة كل سنة الى الس سبرنغز حيث يقام نوع من المهرجانات الرياضية.واعتدت الركض في كل شيء والفوز بها جميعها. كل ذلك بأرجل عارية. وحصلت على شلنغ في أول فوز لي.وفزت بالعديد من السباقات بد ذلك.ولكنني لم أتمكن مطلقا من الإلتحاق بفريق الولاية.لذلك قررت الإحتراف. وتسابقت مع البطل الاسترالي المحترف فرانك بانر. لقد أعطاني 4 ياردات من البداية وهزمته بفارق ست ياردات.. وبعدها جاء مكتشف للمهارات الجديدة من نادي أوكدبل هورنيتس في دوري الركبي الإنكليزي ووجه لي دعوة للذهاب الى انكلترا واللعب في مركز الجناح.
وعندما وصلت إلى لندن تصدر احدى الصحف عنوان يقول( النجم الأسود في الطريق) وفكرت حينها، "أنا لست ذلك الأسود، أليس كذلك؟ واستقلت القطار المتوجه الى مانشستر. وفي اليوم التالي تصدر صحيفة مانشستر نيوز العنوان التالي "وصول الأسترالي القهوائي اللون". وفكرت "يا يسوع، لقد تحولت من أسود الى قهوائي. ولكنني لم أهتم لذلك لأن الناس في أنكلترا أحبوا نجم بورولولا. فقد اعتادوا القول "النجم فعلها ثانية". وأعجبني ذلك.ومازلت أمتلك لقب تسجيل 38 نقطة في مباراة واحدة. لقد كنت أسرع لاعب جناح شاهدوه. ولم يتمكن اللاعبون من اللحاق بي وما تأريخ استراليا المخفي إلا من صنع السكان الأصليين. وقلة من بلدي المولع بالرياضة يعرفون أن أول فريق استرالي في رياضة الكريكيت زار إنكلترا كان اسودا برمته. وذكرت صحيفة تيليغراف "لا شيء يثير الإهتمام من استراليا سوى كتل الذهب الخام ولاعبي الكريكيت السود". ووصفت صحيفة التايمز الأستراليين السود على انهم "متحضرون جدا وعلى معرفة تامة باللغة الإنكليزية". وإيدي غلبرت اسم آخر قد طواه النسيان شأنه في ذلك شأن والي ماكارثر. إذ منح إيدي مدحرج الكرة السريع في الثلاثينات رخصة خاصة للعب خارج محمية كوينزلاند مع فريق أبيض. وحصل على خمس وكتات([4]) في خمس وستون جولة في مباراته ضد جزر الهند الغربية. وواجه عام 1931 دونالد برادمان أعظم ضارب للكرة في العالم، ويضرب بمفاجأة مذهلة جعلته يتفادى ( إيدي). وكتب دونالد لاحقا "أتذكر أسرع (الكرات) هي ان احدى الرميات أسقطت المضرب من يدي، وأصنف هذه الطلقة القصيرة المدى دون تردد أنها أسرع من كل ما رأيته من هارولدروود أو أي أحد آخر. كما كتب المؤرخ ثوم بلايك ان "المناسبة كشفت أن بإمكان السود الإنتصار على البيض". وكان دائما ما يتم تذكير النزلاء القاطنين في المستعمرة بمركزهم الوضيع كونهم سودا. لكن هزيمة برادمان أعطت النزلاء إحساسا بالأمل والكرامة لتواجه الأفكار المقولبة القائلة ان السكان الأصليين ما هم الا في المركزالثاني.وفي عام 1936 قال حامي السكان الأصليين "لقد ناقشت اللجنة التنفيذية قضية ايدي غلبرت مناقشة مستفيضة وتقرر الإتفاق معهم على الترتيب لعودة غلبرت إلى المستعمرة وفيما يخص الملابس الرياضية التي تم شراؤها لغلبرت، فقد قدم طلبا لإجراء الترتيبات لغسل هذه الملابس وتسليم الملابس المغسولة لهذا المكتب". وبالفعل جمع محل فش (Fish) للغسيل الجاف والكوي بالبخار بياضاته الرياضية حسب الأصول في 16 تشرين الثاني عام 1936. وهكذا حلوا مشكلة رياضي كبير تجرأ على تحسين وضعه لمصلحته الخاصة. لاحقا وبعد معاناته من إدمان المسكرات وإضطراب إنحلالي في الدماغ تم إيداع إيدي غلبرت في مستشفى للأمراض العقلية حيث قضى ثلاث وعشرين سنة من المعاملة السيئة. وقضى نحبه هناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1] ) الآكر = 4840 ياردة مربع.
([2] ) الأمو: طيور استرالية تشبه النعامة ولكنها اصغر حجما.
([3] ) كارل لويس: عداء امركي اسود حطم الرقم القياسي لركضة 100 م بوقت 9.9 ثا.
([4] ) إحدى المجموعتين من العصي يحاول فريق الكريكيت إصابتهما بالكرة.

ليست هناك تعليقات: