الخميس، 1 أكتوبر، 2009

أربعة حروب والعد مستمر(5-10)

إعادة النظر في المعنى الأستراتيجي للحرب على العراق
أنتوني . كورد سمان
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

اللغز كلا الطرفين قد"لا ينتصر"
أحد سخرية الأقدار هو القتال الأن أنه، لا الولايات المتحدة ولا خصومها الحاليين يمكن أن يحققوا حتى أهدافهم الأستراتيجية الكبرى وأن "أنتصروا" في القتال. لن تؤدي هزيمة الولايات المتحدة لأنصار النظام العراقي السابق وأغلبية المتشددين الأسلاميين السنة الى خلق عراق نموذجي أو عراق مستقر يحفز باقي بلدان المنطقة لاجراء تغيير ديمقراطي. ويتضح يوماً بعد يوم أنه حتى أمريكا المنتصرة سيتوجب عليها أن تسحب يدها من العراق قبل أن تتمكن من تحديد شكل دولة جديدة أو أقتصاد جديد، أو أن تحقق أستقراراً سياسياً للعراق.
وفي ذات الوقت يصعب أيضاً توقع أن يحقق أنصار النظام السابق والمتشددين الأسلاميين من السنة أنتصار يمنع شيعة العراق من الحصول على حصة كبيرة من الثروة والنفوذ. ومن المحتمل أن يجعل حل قوات الامن البعثية وجيش صدام وأنشاء قوات أمن وشرطة عراقية كبيرة الى جانب ظهور زعماء دينين أقوياء في القسم الشيعي من البلاد عدا العوامل الاخرى يجعل من المصطلح القديم(رجل علماني سني قوي) أمراً مستحيلاً. وسيعزز هذا الأمر قوة الاكراد. فالمثلث السني كما يطلق عليه ماهو إلا جزء صغير يمثل 15-20% من عدد السكان من المجموع العقائدي والعرقي.
أن أطلاق نعوت مثل "فائزين وخاسرين" ما هو إلا تخمين في الوقت الحاضر ولكن من المحتمل على الأقل فيما يخص التدخل العسكري. وأن حدث هذا فستصبح أيران وسوريا من "الفائزين" بدرجة ما من بين جيران العراق، رغم أنهما قد يجد أن في العراق الجديد بلداً حازماً بطريقة تزعج دكتاتورية حزب البعث السوري والتيار المتشدد في أيران وقد تصبح تركيا والدول العربية ذات المذهب السني على حدود العراق من "الخاسرين" من ناحية أن العراق أنتهى كدولة قوية ذات مذهب سني علماني. ولكن عند العودة للماضي فنفس السبب يضمهم الى" الفائزين" فمن السهل واقعياً العيش بسلام الى جانب عراق غير مستقر ومنزوع السلاح.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد تنتهي أما الى "فائز" محدود أو "خاسر" محدود. فمن الممكن أن يهمش القتال الدائر العناصر السنية العلمانية في العراق وصورة الولايات المتحدة في العالم العربي والأسلامي، ويحفز بذلك الإرهاب والعنف الأسلامي المتطرف. مع ذلك فعلى المرء أن يحتاط تجاه هكذا تنبؤات. فإذا هزمت الولايات المتحدة الخطر الحالي من أنصار النظام السابق والمتطرفين الأسلاميين وأغلبهم من السنة. ومغادرة العراق بوصفه عراقاً للعراقيين يقوده عراقيين، فمن الصعب جداً حينذاك الترويج لمفهوم أمريكا المعادية والتأمرية.

الأستراتيجية:
فيما يخص الأستراتيجية فالحرب غير المتكافئة شأنها في ذلك شأن الأستراتيجية الكبرى فكل طرف يتبنى الأن ستراتيجية مصممة لاستغلال كلاً من قوته وضعف الخصم، وكل طرف حقق نجاحاً محدوداً.

الأستراتيجية الأمريكية
تتبنى الولايات المتحدة وحلفائها في الائتلاف الأستراتيجية التالية:
* إعادة هيكلية القوات الأمريكية للعمل كقوات قتال قليل الشدة وإعطاء الأولوية لاستخدام المخابرات البشرية والمصادر العراقية لملاحقة القوات المعادية ومهاجمتهم بقوة، وتحديد قادة هذه القوات وتمويلها وأسلحتها وتدميرها.
* استخدام قوات حليفة لضمان الامن في مناطق وسط العراق وجنوبه، وفي نفس الوقت طلب قوات حليفة إضافية.
* تقليص دور الولايات المتحدة في الحماية العسكرية والمهام الأمنية كلما أمكن ذلك وتقليص رد الفعل السلبي الموجود الأمريكي في المدن والبلدان العراقية الى الحد الادنى وذلك بابدال القوات الأمريكية بقوات الامن والشرطة العراقية. واستخدام العراقيين كمصدر رئيس لجمع المعلومات الاستخباراتية .
* دعم الجهد العسكري ببرنامج عمل عسكري مدني يضم اتصالات محلية مكثفة مع المسؤولين العراقيين. وكذلك المعونة المباشرة بصورة. برنامج اسناد العمليات المدنية.
* تقليص التعرض لهجمات عراقية معادية من خلال أستخدام الطائرات والمروحيات والمدفعية للرد على الهجمات العراقية المعادية التي تستخدم فيها الصواريخ وقنابل المورتار. وأستخدامها في أستهداف المنشآت العراقية والجماعات المعادية دون أنذار ودون تأخير مما لا مناص منه في حالة أستخدام القوات البرية.
* الوقوف بوجه التدخل الخارجي من دول كايران وسوريا وتركيا باستخدام الضغط الدبلوماسي والتهديدات، وتوسيع النشاط ضد الإرهاب خارج العراق من أجل الحد من التسلل والدعم من جماعات خارجية.
* كسب قلوب العراقيين وعقولهم من خلال تشكيل حكومة مختارة اختياراً واضحاً من قبل العراقيين وتحت أشرافهم من خلال عملية تحظى بموافقة ودعم سياسي عراقي واسع دون إثارة التوتر أو الصراع العقائدي والعرقي.
* الحفاظ على دعم الشيعة أو صبرهم على الاحتلال الأمريكي بالاخذ بعين الاعتبار أن الشيعة يمثلون الأغلبية البارزة (أكثر من 60%) والاحتفاظ بدعم الاكراد والسعي لتقليص اقصاء السنة ومخاوفهم من فقدان النفوذ والتأثير والثروة. والتأكيد في نفس الوقت على التنمية السياسية العلمانية للعراق. وهذا بدوره سيساعد في احتواء التهديد وأغلبه من السنة ويتمركز غالباً في "المثلث السني" والمناطق السنية في الموصل والبصرة وجميع هؤلاء لا يتجاوزون (12%) من عدد السكان.
* كسب قلوب العراقيين وعقولهم من خلال برنامج معونة بـ22 مليار دولار على شكل منحة (السنة المالية 2003 والسنة المالية 2004) وجهود اصلاح التحديث الاقتصادي التي يمكن أن تدفع العراق باتجاه اقتصاد سوق ناجح والقدرة على استغلال ثروته النفطية وفعل كل ذلك بطريقة لا تثير اتهامات بالاستغلال والامبريالية أو تثير النزاع العقائدي والعرقي.
* تدويل المعونة السياسية والجهود العسكرية بأكبر قدر ممكن… دون فقدان القدرة على كسب الحرب ودفع عملية بناء الدولة الى الأمام… من أجل كسب الدعم الدولي والعراقي وتخفيف العبء عن كاهل الولايات المتحدة.
* إطلاق حملة إعلامية فعالة لتزويد العراقيين بالمعلومات وكسب دعمهم باستخدام التلفاز والمذياع والمطبوعات والاتصال المباشر.
وتحقق الولايات المتحدة نجاحاً محدوداً في كل هذه الجهود الأستراتيجية ويرجع ذلك في جزء منه الى فشلها الذريع في التهيؤ الفعال لأنهاء النزاع وبناء الدولة والمهام الامنية، وخطر النزاع المحدود قبل وأثناء المرحلة الأنتقالية للحرب في العراق كذلك بسبب مخالفة رؤية ادارة بوش الايديولوجية للعراق والمنطقة للواقع.
لقد حققت الولايات المتحدة تقدماً حقيقياً في عملية اعادة هيكلية جيشها للقتال في النزاع قليل الشدة كما حققت نجاحاً مع جمع المعلومات المخابراتية وبرامج العمل العسكرية- المدنية التي تحتاجها. وقد أدت بريطانيا والحلفاء الآخرين دوراً فاعلاً، كما حقق جهد تدريب العراقيين واستخدامهم في حفظ الأمن ومهام المخابرات البشرية بعض النجاح.
ويواجه العمل السياسي بقيادة الولايات المتحدة مستقبلاً مجهولاً في أحسن الاحوال.
ويحظى هذا العمل بدعم غير مؤكد من الزعماء الشيعة ولكنة يفتقد للدعم الشعبي. وحقق الجهد الواسع لهذا العمل السياسي في مجال المساعدات بعض النجاح، لكنهم كانوا بطيئين للغاية في كسب المزيد من العرفان أو التأثير على القلوب والعقول. كما تقدم جهد تفعيل العوائد النفطية، لكنه غير حصين كما أنه لم يساعد الولايات المتحدة في كسب القلوب والعقول. وتبقى الحملة الإعلامية بقيادة الولايات المتحدة أشبه بالكارثة. ووسائل الإعلام العراقية تملؤها نظريات المؤامرة وغالباً ما تكون عدائية. وتهيمن على التلفزيون فضائيات عربية معادية وأنتقل العديد من المثقفين العراقيين الى وسائل إعلام معادية في الغرب وخارج الوطن العربي.

ستراتيجية أنصار النظام السابق والعراقيين المعادين
يبدو من المؤكد تقريباً أن الأستراتيجية التي تبناها أنصار النظام السابق والمناؤين الآخرين للولايات المتحدة وحلفائها في الائتلاف هي صورة أنعكاسية مشوهة للاستراتيجية الأمريكية. وهي ستراتيجية في طور النمو شأنها في ذلك شأن الأستراتيجية الأمريكية.
فإذا فشلت الولايات المتحدة، فقد فشلت كذلك جهود صدام لبناء قوة مقاومة. إذ لم يظهر معظم الجيش الشعبي وجيش القدس ومن ثم أنشاء العديد من مستودعات الاسلحة التي يبدو أنها لم تستغل استغلالا صحيحاً، وأدت القيادة وكوادرها الداعمة عملاً بدائياً فاشلاً في التغطية، ويبدو أن جهودهم قد تعطلت تماماً بفعل الصدمة الشديدة من التقدم الأمريكي. وعند التأمل يبدو من الصعب تصديق أن يتطور التهديد الحالي لو أن سلطة الائتلاف المؤقتة والقوات العسكرية الأمريكية قد تهيأت لعملية بناء الدولة والامن ودعمته دعماً مناسباً.
مع ذلك فقد حظى أنصار النظام بشهور من التنظيم لم يواجهوا فيها قوات أمن من "الائتلاف" منظمة تنظيماً جيداً أو جهد فعال ومدروس لبناء الدولة وتمكنوا من الاستفادة من إطلاق سراح عدد كبير من المجرمين والفشل المبدئي في توفير الامن المالي للجيش السابق، والاستياء والغضب العربي والأسلامي تجاه الولايات المتحدة بشأن عدد من القضايا، والقومية العراقية، ومخاوف السنة من فقدان النفوذ ذو الثروة والمتطوعين الاجانب ويأس الشباب في الحصول على المال.
وأصبحت النتيجة النهائية مجموعة متنوعة من مختلف العناصر التي يطلق عليها الأن اسم أنصار النظام السابق. وحتى الأن لا يعرف عدد الاتجاهات المركزية أو الأقليمية التي يملكونها، رغم أنه من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة قد جمعت معلومات استخباراتية ضخمة من حوالي 12 الف رجل من القت القبض عليهم اعتباراً من 1 كانون الأول. وحوالي 350 من 12 الف من القي القبض عليهم أو ممن هم تحت الاستجواب اعتباراً من 1 تشرين الثاني هم متطوعين اجانب دخل العديد منهم البلاد قبل الحرب. ويشتبه بتورط 25 كحد أقصى في مرحلة ما بعلاقات حقيقة بالقاعدة. وبقي 3-5 مشبوهين اعتباراً من 1 كانون الأول.(وتحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من 5 الاف عراقي ومتطوع أجنبي في المعتقل منذ 27 تشرين الثاني).
ما يبدو واضحاً فعلاً هو أن أنصار النظام السابق هم خلايا منظمة لأنصار حقيقيين للنظام السابق يديرون العمل ويمولونه. ويبدو الأن وجود سلسلة قيادية قوية من حيث أن هناك هرمية أو تركيب هرمي بوجود أنصار حقيقيين للنظام في قمة الهرم، وتحتها خلايا محلية، ثم اعداد كبيرة من المهاجمين المؤقتين أو الدائمين.

ليست هناك تعليقات: