الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

حكام العالم الجدد (21)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي
كانت هذه طريقة شائعة في التعامل مع السود المعتدين بأنفسهم،خصوصا المبتلين بمصيبة "المسكرات".حيث يودعهم المدير الحامي إلى مؤسسة إجتماعية "للمدة التي يعتقدها كافية". أما تشارلي سامويلز العداء الظاهرة من السكان الأصليين فقد إجتاز مسافة المئة ياردة في 9.10 ثانية عام 1888 أي أسرع من بن جونسون المعاقب في أولمبياد سيئول بعد مئة عام. وأرسل تشارلي إلى مستشفى كالان بارك للعناية بالمجانين بعد توقفه عن حصد السباقات. وذكرت ورقة دخول المستشفى انه كان يعاني من "صحة متوعكة وشؤون غرامية". وفي الحقيقة كان مصابا بمرض اليأس.إذ أرسل بعد تعذيب زوجته وطفليه على يد المدير الحامي إلى محمية في كوينزلاند حيث مات وحيدا.ومات الملاكم العظيم رون ريتشاردس من السكان الأصليين سجينا في محمية بالم ايسلاند بعيدا عن ساحل كوينزلاند. وكان ريتشاردس بطل استراليا في وزن المتوسط.وكتب المدير الحامي عنه في عام 1935 "أنه ذو شخصية غير مستقرة وميال للسذاجة كمثل العديد من المهجنين من أبناء عرقه".وولد تشارلي بيركنز رفيق والي ماكارثر في الطفولة على ظهر طاولة في محطة بريدية مهجورة قرب الس سبرنغز عام 1936 أو 1937 فهو ليس متأكداً أي سنة. أخبرني تشارلي في لقاءنا الأول عن أخيه، لا شك أنها طريقة ليخبرني شيئا عن نفسه. لقد قتل نفسه حاله حال العديد من المهجنين بعد حياة قصيرة وصفها تشارلي بأنها "محاولة دون توقف لكسب اعتراف واحترام البيض". وقال "يعلمونك منذ الصغر ان تبتعد عن طريق البيض.واحسن معاملة تلقيناها في الإرسالية هي أخذنا الى الأفلام حيث نتسلل الى الداخل بعد بداية الفلم ونخرج قبل نهايته وبذلك لا يلاحظ احد أن أطفالا سودا كانوا هناك. لقد نضجت دون أن أعلم من ينتصر الأخيار أم الأشرار. إنه شيء محبط بالفعل". وكانت ام تشارلي، هيتي، تعمل خادمة في مهجع في إرسالية بنغالو قرب الس سبرنغز. ويعتقد تشارلي انهم لم يسرقوه لان نظر هيتي لم يغب لحظة عنه قط.وقال"كانت تحملني على ظهرها أو تراقبني كالصقر عندما يتواجد الشرطة أو يتحرى رجال الحكومة المكان". ولم يرى تشارلي كرة قدم قط حتى ذهب الى المدرسة الثانوية في الإرسالية في ايديلادي.إذ قال"أعتقد أن رجلي ارتبطت بالكرة بشكل طبيعي أكثر من أي شيء في العالم. إنه شعور رائع أن تكتشف ما انت بارع فيه".وفي عمر السادسة عشر دعاه احد مكتشفي المواهب للإنضمام لنادي ميرسي بايد في ايفرتون وعرض عليه دفع نصف أجور سفره الى إنكلترا. وذهب هناك ووصل والموسم الكروي في منتصفه في شتاء قارس. لقد كانت الرميات شديدة كالصخر لكني كنت مصمما على الفوز". وبعد أن عرض عليه ( مات بوسبي) مدير نادي مانشستريوتايند الإنتقال الى نادي من الدرجة الأولى، حصل على لقب هزم الرجل العظيم. وقال" لقد تمتعت بنوع من السلام العرقي في إنكلترا، بيد أنني شعرت بالغربة وأردت أن ألعب في بلدي". وعاد تشارلي الى الوطن حيث تكافؤ الضدين الذي قضى على العديد من شعب السكان الأصليين. وقال" لقد كنت مسرورا جدا لعودتي ورؤية ذلك الضوء الرائع وسماع الطيور ورؤية رفاقي ولكنني شعرت بالعنصرية أكثر من ذي قبل. ليس لشيء سوى أنه لم يدعني أي شخص أبيض لبيته لتناول وجبة أو أي شيء آخر. ولحسن الحظ أن معظم فريق سيدني لكرة القدم كان من المهاجرين ولعبت لأندية كان معظم لاعبيها مهاجرين لا يتكلمون اللغة الإنكليزية.وأضاف "لقد وجدت تقبلا لي كأسترالي بين اليوغسلاف واليونانيين أكثر من أبناء بلدي. لقد كنت غريبا قادما من الداخل: ياله من شيء مربك". وتمكن تشارلي من أن يصبح ثاني شخص من السكان الأصليين يتخرج من جامعة استرالية. وبدأ في منتصف الستينات من صياغة اسم له "مثير المشاكل" حين قاد طلابا بيضا في "مسيرات الحرية" إلى المنطقة النائية من نيوساوث ويلز. وكان هدفهم هو ذات هدف المتظاهرين من أجل الحرية الذين بدؤا بتطبيق الدمج العرقي في أقصى الجنوب في الولايات المتحدة. وبعد تعرضهم للشتم والبصق والضرب الجسدي ذهبوا الى أماكن حيث "مطاردات الزنوج" لم تكن غير مألوفة. ووقفوا عند البوابات الدوارة لبرك السباحة المحلية والملاعب الرياضية وصالات السينما وطالبوا بوضع حد للفصل العنصري. وأخبرني قائلا" لقد اعتقدت في موري (Moree) أننا سيطرنا عليها، ثم تقدمت هذه المرأة السوداء وألقت خطابا شجاعا أشارت فيه إلى رجل أبيض هرب سرا مع إمرأة سوداء وأنجبا طفلين أسودين. كما قالت "أخبروا زوجاتكم ما كنتم تفعلون، يا عالة البشر!.هيا. إنهم هناك أخبروهم!. وسمح للأطفال السود في ذلك المساء بالدخول إلى المسبح للمرة الأولى.
كان هناك معنى حقيقيا وراء هذا الإنتصار، لإن هذه استراليا حيث الرياضة روب الناس الآخرين هي التسلية القومية. وإذا رجعنا بالزمن إلى الوراء فهذا يفسر حالة البلدات الريفية ذات المساكن القذرة والمدارس الفاسدة كانت لتتمتع بمنشآت رياضية كبيرة وحلبات للألعاب الرياضية وملاعب الكريكيت وكرة القدم ومسابح أولمبية رائعة. ان ترك السود يدخلون المسابح كان تجاوزا للحدود: ولم يسمحوا بذلك أبدا. وبهذه الطريقة كنا مثل جنوب افريقيا تماما.
لم يتم السماح هنا للسود بالجلوس في المدرجات. ولا حتى في قسم خاص للسود. لقد حظروا علينا مساحة النشاط الرياضي بأسرها. والوقت الذي ندخل فيه الى هناك هو عندما يشعر قسيس متعاطف ما أو مسؤول رياضي انك بارع بما يكفي لدرجة لا يمكن استبعادك. ولكن حالما تصل الى درجة توقعاتهم وتبدأ بالتهرب، وغالبا لا يرغبون بمعرفتك.ولا أقول هنا أنه لم يكن هناك فعلا أناس بارزين: ولكنهم رحلوا في الغالب. فكل نجومنا الرياضيون من السكان الأصليين لعبوا تحت نوع من الضغط بحيث انتهوا مع انتهاء حياتهم الرياضية. خذ على سبيل المثال المقاتل العظيم ليونيل روز. فحين فاز باللقب العالمي استقبلوه استقبالا حارا نشروا فيه الشرائط وحين خسر صدموه بقسوة، أدمن على اثرها الكحول واستحال شفاؤه.أصبح مجرد شخص أسود كالآخرين. وهذا هو السبب وراء عدم اعلان الكثير من السكان الأصليين عن أصلهم الحقيقي. وساعدهم في ذلك اللون الداكن بشكل خفيف للبشرة، وهذا ما حدث لكلايف تشرشل لاعب دوري الركبي العظيم وكابتن استراليا. واليوم هناك اثنان من السكان الأصليين اعرفهم في الجانب الاسترالي، لكنهم لن يعلنوا عن أنفسهم،إنهما خائفين جدا.وهنالك المزيد من أمثال هؤلاء في هذا البلد. وأود القول أن 90% من عائلات البيض القديمة قد امتزجت بدم السكان الأصليين بشكل ما. وهذا أحد أسباب انقلابهم ضدنا بهذا الشكل المتوحش."في جنوب إفريقيا عرفت على الأقل أين وقفت. أما في أستراليا فيمكنك ان تعاشر صديقا وعدوا كلاهما في شخص واحد، خصوصا إذا كنت مثلي، أعني ذو دم ممزوج، أتعرف ما أعني؟ فالشخص الذي سيدعوك صديقا لحظة ما، وقبل أن تكتشف ذلك، يتملكه شعور باللامبالاة والبرود لا يمكنك تفسيرهما. والأمر هو أنك لن تتأكد أبدا. وهذا ما دفع أخي الى الإنتحار".لقد أصبحنا أنا وتشارلي أصدقاء مدى الحياة بعد مسيرات الحرية عندما عبرت الحدود الأسترالية للمرة الأولى ورأيت ما لم أتخيله أبداً. لقد كان تشارلي دليلي. فقد إستأجرنا سيارة فوردفالكون في الس سبرنغز واصطحبنا معنا أم تشارلي، هيتي، التي إرتدت قبعة سوداء كبيرة والتي عملت خادمة في مهجع سابقاً وأصبحت الآن ملكة شعب ارينتي(Arrente). وتوجهنا الى المحمية الحكومية في جاي كريك حيث حبس 300 شخص دون ماء جار أو غذاء أو سكن مناسب. وكانت البوابة ذات الأسلاك الشائكة موصدة: وتقول وزارة الداخلية" ممنوع الدخول" فقالت هيتي" افعلها".

ليست هناك تعليقات: