الخميس، 1 أكتوبر، 2009

أربعة حروب والعد مستمر (3-10)

إعادة النظر في المعنى الأستراتيجي للحرب على العراق
أنتوني . كورد سمان
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي


تحتاج الولايات المتحدة لذرائعية دقيقة تتعامل مع كل تهديد على حدة وبشكل يتناسب مع التهديد الذي تمثله في الواقع. وينبغي أن تمنح حلفائها الأقليمين وحلفائها الاخرين دوراً وتاثيراً مناسبين في صنع القرار بدل السعي للتنمر عليهم من خلال الايدلوجية واللغة الطنانة وتحتاج الى منح مسؤولية الاشراف على عملية المراقبة والموازنة على الوكالات بالكامل الى محترفين ميدانيين وأخرين من الاستخبارات كما تحتاج الى السعي الى منهج موحد للحزبين مع تشاور مناسب مع الكونغرس.
ونفس هذه الذرائعية مطلوبة في طلب الاصلاح في الشرق الأوسط والعالم النامي. لقد هددت الولايات المتحدة تحويل "الديمقراطية "الى كلمة من ثلاثة حروف: ومرادف لجهود الولايات المتحدة شبه المعقولة لفرض نظامها السياسي على دول اخرى أو مجرد خدمة مصالحها من خلال تغيير النظام. ولقد دعم الرئيس بوش بالفعل منهجاً أكثر دقة في خطاب حول الديمقراطية في الشرق الأوسط في مطلع شهر تشرين الثاني 2003 ولكن يبدو أن كل من المحافظين الجدد والليبرالبين الجدد من الأمريكان مازلوا غارقين في الشعارات وفي عالم ستكون النتائج النهائية لما فيه وفقا لما أوصو به وهي"رجل واحد وصوت واحد ووقت واحد".
لا تمثل الأنتخابات سوى عنصر واحد لما ينبغي أن يكون جهدا" لدولة بعد دولة منسقاً تنسيقاً دقيقاً لتحقيق التغيير والاصلاح التطوري. وربما تكون الخطوة الأولى هو تحسين حقوق الأنسان ونوعية دور القانون. وفي نفس الوقت ينبغي أن تحظى مساعدة الدول التي تحقق اصلاحاً اقتصادياً والتي تتعامل مع مشاكلها الديمغرافية وبنفس الأولوية. ويساهم أنشاء المؤسسات الاستشارية والدخول في عملية تتعلم الدول من خلالها معنى التصويت في تطوير قاعدة للاحزاب السياسية وفي خلق إعلام قادر على دعم عملية أنتخابية نزيهة وخلق شفافية بطريقة تستخدم الدول من خلالها مواردها وتديرأركان الدولة، كل هذه شروط مسبقة لتعددية سياسية فعالة في بعض الحالات.
ينبغي أن تنظر الولايات المتحدة لما هو أكثر من كلمات مثل (الديمقراطية) وتتذكر أنها ليست ديمقراطية بل جمهورية تحمي الفرد من الأغلبية، وتصون حقوق الجميع من خلال قيود على نفوذ الحكومة الفيدرالية والمراقبة والموازنة داخلها، وينبغي أن تتذكر دائما ما يمكن أن ينتج من الثورة وليس التطور، عن طريق العنف والعدائية للولايات المتحدة والتحرك طبقا لذلك.

نظرة على المضامين الأستراتيجية لوضع الحرب الرباعية (وحسابها)
تحتاج الولايات المتحدة الأن أن تدرس بجدية مضامين محاولة التعامل مع أربعة حروب في أن واحد ربما تكون مرشحة للاستمرار لوقت غير محدد. وكل حرب لها مشاكلها الخاصة المنفصلة ولكن القضايا تصبح أكثر وضوحا عند دراستها معا:
1. تجنب مغامرات ستراتيجية جديدة كلما كان ذلك ممكناً: تحتاج الولايات المتحدة لتجنب التزامات ونزاعات عسكرية أخرى ما لم تخدم حقا المصالح الأستراتيجية الحيوية. وبغض النظر عن نتيجة إعادة تقييم تحول القوة التي أوصينا بها أنفا، أمامنا سنتين الى ثلاث سنوات في الأقل قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من أنشاء عناصر قوة وقدرات عسكرية جديدة بارزة وسيأخذ بعض التغيير خمس الى عشر سنوات في الأقل. أن الولايات المتحدة تواجه أصلاً عبئاً ستراتيجياً خطيراً، ولاشيء يمكن أن يكون أكثر خطورة من افتراض أن حل المشاكل الحالية يكون بإضافة مشاكل أخرى جديدة مثل سوريا وايران وهذا يعني التركيز على الردع والأحتواء والدبلوماسية لتجنب التزامات عسكرية إضافية. ويعني تركيز جديد على العمل الدولي والحلفاء لايجاد بدائل للقوات الأمريكية.

2. تقبل كلفة الفوز بالسلام في العراق: قد لا تأخذ هذه المزيد من القوات في العراق ولكن قد تأخذ معظم الاصول الأمريكية على شكل قدرات حربية قليلة الشدة وعلى الأقل سنة من تزايد الضحايا والبناء المسلح للدولة. وهذا يعني بالتاكيد عشرات أن لم يكن مئات مليارات الدولارات الدولية خلال فترة أطول بكثير من السنة المالية القادمة والتي لا يمكن تسديدها عن طريق رهن النفط العراقي – وعدة سنوات من البناء المسلح للدولة.
وستكون فاتورة الأسعار باهضة، كما أنها باهضة (أكثر من كونها صرف) الدولارات. لقد جاء الوقت لبدء التفكير بفاتورة أسعار مثل أكثر من (1000) قتيل أميركي في الأقل. كما هو واضح أيضاً أن الولايات المتحدة قد ترغم على تقبل الكلفة السياسية لمد يدها لحلفائها واللامم المتحدة، حتى إذ كان هذا يعني الاعتراف بارتكاب الاخطاء. اما الشيء الأكثر اهمية فأن الحل يرتكز على العمل أكثر ما يمكن وبأسرع ما يمكن وأرسال الموارد حتى إذا كان ذلك على حساب ضياعها. فكل تأخير ومناورة في فعالية الكلفة يعني تكاليف أكثر ومخاطر أكبر في المستقبل وتشمل المخاطر رؤية الجزء الشيعي من البلد والسنة المعتدلون ضد الولايات المتحدة.

3. وتقبل كلفة الفوز بالسلام في أفغانستان: تبقى أفغانستان حرباً حقيقة. لا يمكن أن تسعى الولايات المتحدة للأنتصار في العراق على حساب ترك أفغانستان دون قدرات عسكرية مطلوبة لملاحقة طالبان والقاعدة. والمهمة أسهل مما هي في العراق نوعا ما ولكن فقط إذا رغبت الولايات المتحدة أن تدفع لبناء الدولة الأفغانية، والدول المتحالفة والقوات العسكرية التي يمكنها ضمان الأمن في البلد. فالناتو متواجد هناك كما لعبت المانيا أيضاً دوراً حيوياً اما الجواب على تخفيض العبء الأمريكي الأستراتيجي العالمي فهو ممارسة ستراتيجية متحالفة في أفغانستان لتحرر أكبر قدر ممكن من الموارد الأميركية في العراق. وهذا يعني شبه المؤكد أنفاق حوالي 5-10 مليارات دولار خلال السنوات الخمس القادمة أكثر مما عليه في البرامج الأميركية الحالية.

4. ايقاف التعامل مع قضية الحرب على الإرهاب على أساس الفكر والشعارات والتبسيط المفرط والعمل بجدية مع الحلفاء الأقليميين: لا تتحمل الولايات المتحدة أن تتراجع بأي صورة كانت عن تحركها في حربها ضد الحركات الإرهابية والمتطرفة التي تهاجم الولايات المتحدة أو مواطنيها. يجب أن تستمر في جمع كل الموارد المطلوبة لتدمير القاعدة واعضائها وكذلك الحركات الأخرى التي تستهدف الولايات المتحدة.
كما لا تتحمل الولايات المتحدة في ذات الوقت أن تقاتل في هذه الحرب على أساس الفكر المحافظ الجديد أو الشعارات العريضة. أنها بحاجة أن توقف الكلام المزعج عن الديمقراطية وتغيير الأنظمة وعليها العمل بسرعة من اجل الاصلاح الاقتصادي والقانوني وحقوق الأنسان. وتحتاج للعمل مع الأنظمة المعتدلة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى وليس ضدها.
وتحتاج الولايات المتحدة لمحاولة خلق شراكة داخلية مع بلدان بارزة مثل السعودية وأندونيسا وتحتاج للتركيز بأنتظام على الاختلاف بين الحركات الصوفية والسلفية والوهابية الجديدة والشيعية، والتعامل مع كل حركة على حدة ومطلوب جهد أكثر وضوحا لبيان أن الحرب هي ضد أقلية صغيرة من المتطرفين وليست ضد العالم العربي والأسلام ولتوضيح أن الولايات المتحدة ستسعى لاقناع الدول الاخرى بصحة قيمها ولاتسعى لفرض أي شى عليها.

5. البقاء على المسار في عملية السلام العربية -الإسرائيلية :ستعاني الولايات المتحدة من عائق كبير في العراق وفي حربها على الإرهاب طالما أستمرت الحرب الفلسطينية – الإسرائيلية ولايمكنها أن تفعل شيئاً لمنع الإعلام العربي والأسلامي من عرض صور لجانب واحد من الصراع والقاء اللوم على الولايات المتحدة في دعمها للافعال الإسرائيلية وفي ذات الوقت لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتخلى عن اسرائيل وقد تواجه حقيقة أن اقتصادها المتدهور سيتطلب بعض صور المساعدة الاضافية.
ولا مخرج من المعضلة الناتجة إلا من خلال جهد متواصل وواضح لخلق سلام، بغض النظر عن عدد المبادرات الجديدة التي فشلت فلن تستميل الولايات المتحدة قلوب العرب وعقولهم من خلال هذا، ولكن يمكنها زيادة أمد التحمل العربي. فضلاً عن ذلك فأن مصالح اسرائيل الأستراتيجية في النهاية تكمن في سلام ناجح، حتى أكثر من مصالح الولايات المتحدة. ولايمكن للاقتصاد الاسرائيلي وبنيته الاجتماعية أن يدوما في خضم حرب مستمرة قليلة المستوى. ولن تضع أمريكا نفسها ابداً في خطر وجودي بسبب التسلح في الشرق الأوسط، فقضية اسرائيل تستغرق سنوات.
أن المسار الواسع للعمل الذي رسمته الولايات المتحدة في خارطة الطريق صحيح تماماً، ولكن يجب أخذ عدة عوامل في نظر الاعتبار أن الجدول الزمني قد يستغرق عقداً و"اسرائيل" هي ليست اسرائيل بحكومتها، وعدم تحمل الإرهاب يجب أن يصاحبه عدم تحمل مشابه للمستوطنات.
والوضع الأمني مرشح للتدهور بصورة أكثر. يجب أن تدعم الولايات المتحدة اسرائيل في مكافحة الإرهاب، وعليه يجب أن تدعم اسرائيل في دفع الفلسطينيين لجهد حقيقي لقمع الحركات الإرهابية ولكن هذا لا يعني دعم الحكومة الحالية في وضع معايير اعجازية للعمل الفلسطيني. كما يجب أن تقاوم الولايات المتحدة أي جهد اسرائيلي أو موالي لاسرائيل لجرها لمواجهة مع سوريا وحزب الله وحماس والجهاد الأسلامي ما لم تبادر هذه الاطراف لمهاجمة اهداف أمريكية أن مشاكل اسرائيل وأولوياتها شأن اسرائيلي وليس أميركي فالولايات المتحدة لا تتحمل أن تضل طريقها في بحثها عن اعداء.
وفي نفس الوقت يجب أن تلتزم الولايات المتحدة الحذر الشديد بشأن أي خطط لتهيئة القوات الأمريكية للفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين إذ يؤدي هذا العمل في نهايته لخلق هدف طبيعي لكل حركة اسلامية متشددة تسعى لتوسيع نطاق الحرب على الإرهاب وربما يضع الولايات المتحدة في وضع صور إعلامية جديدة للتورط الأمريكي ضد الفلسطينيين وفي هذه المنطقة تحتاج الولايات المتحدة للتفكير بجدية عن المعنى الحقيقي للوجود الدولي والعمل مع اسرائيل لايجاد قدرات متحالفة ترضي كل من اسرائيل والفلسطينيين.

تبقى حقيقة أخيرة – لحظة التحول من تركيز على حرب أكثر وضوحاً الأن الى دراسة أوسع لكل الحروب الأربعة والمخاطر الأخرى الوشيكة وأوضح هذه المخاطر أن الولايات المتحدة ستواجه مشاكل سياسية داخلية كبيرة. لقد كانت صورة الأنتصار السريع الحاسم دائما" صورة مزيفة ولكنها تبقى الصورة التي يريدها الأميركيون أن الف قتيل أو أكثر ليس مثل فيتنام، ولكن يجب تبرير ذلك وتوضيحه بصراحة – وليس على نسق الشعارات السريعة الزوال التي اعتاد الرئيس بوش اعطائها. وربما ترغب الولايات المتحدة زيادة أنفاقها بنسبة 1% من الناتج القومي الاجمالي على ادامة الصراع والتدخل الدولي الخارجي بدل أن يرغب أي سياسي أمريكي بالاعتراف بذلك.
أن أمريكا تواجه بعض أشد الخيارات السياسية صعوبة كما أن عليها التوجه لاختيار قيادة وشجاعة استثنائين بدخول الولايات المتحدة عاماً أنتخابياً أنها تتطلب شراكة بين الحزبين من النوع الذي غاب منذ الحرب الباردة ولا يمكن للفكر المحافظي الجديد ولا التحرري الجديد أن يقدما يد المساعدة فضلاً عن ذلك فأن الولايات المتحدة تعتقد أنه سينبغي على المؤسسات البحثية والإعلام أن تتجاوز الشعارات القوية والحلول البسيطة بنفس القدر الذي يتجاوزه سياسيو أمريكا ومخططوها السياسيون والعسكريون وبعبارة أخرى ستكون هذه سنة صعبة للغاية بل في الواقع سيكون عقداً صعباً للغاية.

ليست هناك تعليقات: