الخميس، 24 سبتمبر، 2009

وجهات نظر في الدستور (2-2)

الباحث: أمير جبار الساعدي

1. مشاركة واسعة من الرأي العام وممثلي الشعب. ومن قبل جميع المثقفين والكتاب والأكاديميين من أهل القانون وغيرهم لأبانة الرؤى والتصورات حول طبيعة النظام الديمقراطي المنشود.

2. يتم الاستهداء بقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدساتير العراقية منذ عام 1925 ، والدساتير المطبقة في بلدان أخرى تتبنى الأنظمة الديمقراطية حتى يمكن الاستفادة من كل التطبيقات الايجابية وترك كل ما هو سلبي في تلك الدساتير، ويتوجب الاسترشاد بأحكام الشريعة الإسلامية وإحكام الشرائع الدينية الأخرى في العراق.

3. مناقشة جميع الأفكار والتصورات وحصرها وتصنيفها وتقدير مدى توافقها مع مبادىْ الديمقرا طية بلبسها الجديد على العراقيين.

4. تحال جميع الأفكار والتصورات ذات المنحى الديمقراطي والتي تدور حول تنظيم العلاقات الاجتماعية في مجتمع مدني حر وفي دولة مؤسسات تخضع للمسائلة والموازنات الى خبراء القانون يشاركهم فيها اختصاصيون في الاجتماع والسياسة والاقتصاد ومن كل الأطياف قدر الامكان لكتابة بنود الدستور كمسودة تعرض على البرلمان لمراجعتها او تهذيبها وليس للمصادقة عليها او تغير بنودها.

5. وعند إذ بعد التوافق تعرض بنود الدستور للاستفتاء الشعبي. ما هي أهم التحديات التي تواجهها عملية كتابة الدستور؟ من الصعوبة ان تجد كل العراقيين يجمعون على اجندة معينة بحكم اسباب شتى...وهنا تكمن نقطة الخلاف ، وهذه هي المسألة التي ستأخذ القسط الأعقد في المناقشات واحتدام الجدل بين العراقيين لزمن طويل.. واعتقد بأن ثلاث مسائل معقدّة ستأخذ جهدا وزمنا كبيرين من العراقيين وهم يصنعون دستورا ثابتا لهم، فماذا نرى ؟

الأولى: تكمن ليس في الفيدرالية (علما بأن ليس كل العراقيين مع مبدأ الفيدرالية) بل مع تطبيقها وخصوصا ما طبيعة تلك الفيدرالية التي يختلف في تفسيرها العراقيون بين عربهم وكردهم.

الثانية: هي مشكلة المواطنة العراقية اذا ما جعلت الثانية على حساب المحاصصة (التي لم يتفق عليها العراقيون وخصوصا المحاصصة الطائفية التي اصطلح ان يطلق عليها بالتوافقية).

الثالثة: هي مشكلة طبيعة الدستور، فهل سيكون على غرار الدساتير العربية التي تكتفي بأن دين الدولة هو الاسلام، ام انه سيلزم العراقيين بعيدا باسم الثوابت الدينية بعيدا عن القوانين الوضعية (وهنا ينقسم الرأي العام العراقي انقساما حادا أيضا). من يريد ان يجمع نقائضه بين الدين والدنيا...أي بين الشرع والقانون في دستور العراق يصدر في مطلع القرن الواحد والعشرين فسيجنى جملة هائلة من المتناقضات التي ستجني بدورها على العراق وكل العراقيين...من يريد ان يستغل الظروف الصعبة كي يشّرع لنفسه وحده دستورا يحتكر فيه ما له وما لغيره في الزمان والمكان، فليدرك بأن الفشل سيلاحقه منذ ان يدق مسمارا واحدا في نعش العراق – لا سمح الله ...من يريد الاستحواذ باسم الدستور على زمنه وزمن الأجيال القادمة كي يرتهن ارادتها تحت اي مظلة كانت، فانه سيجني على العراق والعراقيين...من لا يؤمن بالعملية السياسية خالصة من اي مرجعية إلا مرجعية العراق ويفصل من خلالها الدين عن الدولة، فلقد زرع اسفينا في قلب العراق ودق خازوقا غليضا في تاريخ العراق لا يمكن رفعه بيسر وسهولة.. من لا يؤمن بالعراق ووحدته ومركزه وأطرافه وأرضه وسمائه وهوائه ومائه من شماله حتى جنوبه.. فليترك العمل بالدستور ولا يشغل باله بالتصويت عليه...من لا يؤمن بالسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ومن ثم بالرأي العام ويرسخ مبدأ الفصل بينها في الدستور فهو بعيد جدا عن الحياة الدستورية الحقيقية...من لا يطمح ان يجعل كل العراقيين شركاء في وطنهم وحكم بلادهم دستوريا.. فلا مكان له في دستور يثلمه ببنود جائرة لا دستورية اصلا... كما افرزت الانتخابات الأخيرة، في الجانب السلبي استقطاباً طائفياً قومياً...ولابد من الاشارة هنا الى حقيقة ان هذا الاستقطاب هو نتاج بدرجة أساسية لتركة نظام صدام والآثار المدمرة لسياساته على نسيج المجتمع...كما انها نتاج لسياسة سلطة الاحتلال الأمريكي التي أدت الى تكريس الانقسام على اسس طائفية - قومية...وهنا لابد من التحذير من المخاطر الجسيمة المترتبة على اختزال المجتمع العراقي الى ما يسمى المكونات الثلاثة: شيعة وسنة وأكراد...

بالضد من التنوع والغنى الكبير للمجتمع وتلاوينه وفسيفسائه، وبتجاهل متعمد لتشكيلاته السياسية والاجتماعية (منظمات المجتمع المدني، النقابات ومنظمات النساء والطلبة، والاتحادات الثقافية ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان...). وفاقم الامر ما شهدناه خلال عملية تشكيل الحكومة، التي تعثرت واستغرقت حوالي 3 اشهر، من تعميق لنهج المحاصصة،والذي غلب عليه بالأخص الطابع الطائفي. وأصبحت الطائفية خطراً فعلياً يهدد مستقبل العملية السياسية، بل تهدد بانتقال عدواها الى عملية صياغة الدستور ذاته (إذا لم يجر التصدي لها بوعي وحزم). هذه الاجواء، والفراغ السياسي الذي رافقها، ادى الى تدهور الوضع الأمني. والأخطر من ذلك، انه وفر تربة خصبة لنشاط القوى المعادية للشعب، ومن يقف وراءها، لتأجيج الفتنة الطائفية. وتسعى هذه القوى بشكل محموم لتصعيد أعمال الإرهاب والتخريب، وإشاعة أجواء خوف ورعب... وهي تريد من وراء ذلك تحقيق أجندتها السياسية (لإعادة الاستبداد) ومنع أية مشاركة حقيقية للشعب في تقرير مصيره عبر عملية كتابة الدستور. من الجوانب التي تبعث على القلق بشأن كتابة الدستور الدائم، انه تم إضاعة وقت ثمين منذ الانتخابات في تشكيل الحكومة. كما نرى إن من الضروري توسيع المشاركة لتمثيل قوى غير ممثلة في الجمعية الوطنية او لم يجر انتخابها، لكن مع التنبيه مرة أخرى إلى عدم اعتماد معايير طائفية في هذا التوسيع وحصره مثلاً بـ "العرب السنة"، بل تمثيل التيارات السياسية (الديمقراطي والقومي والإسلامي) من المحافظات التي كانت مشاركتها ضعيفة في الانتخابات. ونظراً لقصر الفترة المتبقية، يجب تكثيف الجهد، والتوصل الى معالجات ملموسة ومحددة للقضايا الرئيسية التي تمثل (أو يتوقع أن تكون) مثار جدل وخلاف، مثلاًً: الفيدرالية، العلاقة بين الدين والدولة، حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، طبيعة نظام الحكم، الحقوق والحريات... بهذا الصدد، نرى انه ينبغي اعتماد قانون إدارة الدولة الانتقالي كأساس للاسترشاد به في التوصل الى حلول وسط مقبولة لمعالجة نقاط الخلاف المتوقعة، لان القوى السياسية الأساسية هي التي كتبت هذا القانون آنذاك. ويشار بهذا الصدد إلى محاولات بعض الجهات التراجع عن هذا القانون او تجاهله في عملية صياغة الدستور بحجج وذرائع مختلفة.

ومن شأن ذلك إعاقة العملية واحتمال عدم انجاز المسودة في موعدها، ما يفتح الباب على مصراعيه لتداعيات سلبية يصعب التكهن بها على مجمل العملية السياسية. الاسترشاد بتجارب الدول والأمم الأخرى ودساتيرها للاستفادة منها، والانفتاح على ما هو ايجابي ومفيد، لكن مع التأكيد مجدداً على ان يكتب الدستور بأيدي عراقية. وبهذا الصدد، لابد من الاستفادة من خبراء الأمم المتحدة لتقديم المشورة، وايضاً لتطوير ثقافة دستورية وتنظيم نشاطات عامة لهذا الغرض. وفي مواضيع مثل الفيدرالية، نحن إلى جانب اللامركزية الإدارية (في العلاقة بين المركز والأطراف)، ولكن نميز بينها وبين الفيدرالية لكردستان العراق، إذ نعتبر الأخيرة حلاً سلمياً للقضية القومية الكردية في إطار عراق ديمقراطي فيدرالي موحد. ونشدد هنا على الترابط الوثيق بين هذه الفيدرالية ونظام الحكم الديمقراطي للعراق، فلا يمكن فصلها عن الديمقراطية. اما موضوع العلاقة بين الدين والدولة، فاننا الى جانب الفصل بين الدين والدولة (لا عن المجتمع)، مع احترام الهوية الإسلامية لغالبية الشعب، وضمان حقوق الأديان والطوائف الأخرى. لماذا؟ لاننا ضد قيام استبداد آخر بأي شكل كان، سواء كان دينياً او قومياً او غير ذلك. واذا كنا نريد إقامة دولة عصرية فلا يمكن ان تكون قطعاً دولة دينية فحسب. ومن شأن ذلك ايضاً إن يقي الدين من الآثار السلبية لإقحامه في فضاء السياسة، خصوصاً وإننا نشهد حالياً التجليات المنذرة بالخطر لتفاقم النزعة الطائفية وتهديدها للوحدة الوطنية.
أصدرت: Wednesday, September 21, 2005

هناك 3 تعليقات:

بنجامين غِير يقول...

كتب عالم الاجتماع سامي زبيدة دراسة مثيرة عن تاريخ الطائفية والمجتمع المدني في العراق، وأقدم لكم تلخيصاً للكتاب الذي يتضمن هذه الدراسة، والذي يدعو مؤلفوه إلى الفصل بين المواطنة والانتماء القومي.

IRAQI SPIRIT يقول...

شكراً جزيلا على مرورك على مواضيع مدونتي وقد قمت بالأطلاع على رابط الموضع في تعليقك وهو أمر يثير للأهتمام ،ولكن حسب وجهة نظري الشخصية قد أختلف فيما يخص الجمع بين كلمة الأمة والدولة القومية حيث يشير مؤلفو الكتاب الى هناك نزوع نحو تجريد الأقليات من أنتمائتهم التقليدية وهو ما موجود في الدولة القومية الحديثة وعلى الأمم التي أنشئت حديثا ولكنه لا ينطبق على مقهوم الأمة الأسلامية بهذا التوجه المجرد لأنه كان هناك تجانس وصهر لكل هذه الأنتماءات الجزئية ضمن مفهوم أعمق وأكبر وهو مفهوم الأمة وان أحتفظت بها ضمن أطارها المحلي، والملاحظ بأن تعريف كمفهوم الأمة عربيا يختلف عن ما ذهب اليه المفهوم الدلالي في وقتنا الحاضر، فأن تشبيه أو مقاربة الربط بين الأمة الالمانية أو غيرها يحتاج الى بعض المراجعة بما يخص القرب من معناها العربي الأسلامي، وأن كانت أطر وأوجه التشابه موجودة في ماذهب اليه الكتاب في شكل الأمة الحالية للعرب على سبيل المثال ولكنه بعيد عن المدلولات الأخرى للأمة الأسلامية ، وأن كنت أميل الى الفصل بينهما، ولكن وودت أن أشير الى أمر قد يراد به بعض الالتاف على معنى بمعنى أخر وهنا يجب وضع النقاط على الحروف.وأعتقد لشخص مهتم بمثل هذا الموضوع ويعد رسالة الدكتواره يمكن له أن يطلع على كثير من التفصيل فيما يخص هذه المسميات.
تحياتي

بنجامين غِير يقول...

شكراً جزيلاً على قراءة تلخيصي للكتاب. بالتأكيد فإن ما يقصده المؤلفون بكلمة « الأمة » (أي nation بالانكليزية) هو الأمة بالمعنى القومي وليس الأمة بالمعنى الديني. وإن الترجمة هنا ليست سهلة، فهذا المفهوم قد يُترجم بكلمة « الشعب » أيضاً على حسب السياق، كما أن كلمة « nationalism » قد تُترجم بـ« القومية » أو « الوطنية » على حسب السياق. فقد جرت العادة مثلاً أن يقال « الشعب المصري » و« الوطنية المصرية »، مع أن المصريين كانوا يقولون « الأمة المصرية » و« القومية المصرية » أيضاً، بنفس المعنيين. واحتفظت كلمة « الأمة » بهذا المعنى حتى الآن في تعبير « الأمم المتحدة » على سبيل المثال. ويدل كلمة « nationalism » الانكليزية على الوطنية والقومية على السواء، على اعتبار أنهما انعكاسان لنفس الظاهرة. ولكني لم أكن أريد أن أسهب عن هذه التقاصيل، فغرضي في مدونتي هو تقديم عدة أبحاث بإيجاز فقط، على أمل أن أثير اهتمام القارئ فيقرأ المزيد.

وإن مجال الدراسات عن القومية نشط جداً، وتدور فيه مناقشات كثيرة حول طبيعة القومية كظاهرة اجتماعية وأنواعها وتأثيراتها وعلاقاتها بالدين وبالانتماءات الأخرى. ومن بين الكتب الجيدة التي تقدم هذا المجال كتاب Theories Of Nationalism: A Critical Introduction الذي كتبه Umut Özkırımlı بالانكليزية. وهناك نسخة إلكترونية من هذا الكتاب.

مع أطيب التمنيات