الأربعاء، 17 سبتمبر، 2008

امريكا والكيان الصهيوني صانعا سلام غير محظوظين (2-2)

ترجمة: امير جبار الساعدي

وعلى الرغم من كون الرئيس الامريكي رونالد ريغين من العجبين بالكيان الصهيوني الا انه عارض احتلال مناحيم بيغين للبنان في عام 1982 معارضة عنيفة وارسل قوات البحرية الامريكية (المارينز) الذين قتل بعضهم ليشرفوا على اخلاء منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت, وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الاولى في عام 1987 تقدم شولتز وزير الخارجية الاميريكي في ادارة ريغين بعرض لبدء المحادثات مع منظمة التحرير الفلسطينية اذا تخلى ياسر عرفات عن الارهاب وعندما اقدم عرفات على ذلك في النهاية فان الادراة الامريكية برئاسة جورج بوش الاب , التي تشجع اسرائيل لم تكترث لاحتجاجات اسحاق شامير , رئيس الوزراء الكيان الصهيوني , من حزب الليكود وخولت وزارة الخارجية الامريكية ببدء "حوار جوهري " مع منظمة التحرير الفلسطينية , وفي عام 1991 بعد حرب الخليج عمد بوش الى جرماشير الى عقد قمة سلام في مدريد.
هناك اسطورة تقول بان السياسة الامريكية في الشرق الاوسط قد اختلفت على يد (اتباك) وهو اللوبي اليهودي القوي في واشنطن غير ان الرؤساء الامريكان يهزمون جماعات الضغط على السياسة الخارجية ان اظطروا لذلك . فعندما حاول (ايباك) من منع الرئيس ريغن من بيع طائرة انذار مبكر (اواكس) للسعوديين , انتصر الرئيس بيسر وسهولة . وفي عام 1989 ذهب جيمس بيكر , وزير الخارجية في ادراة بوش الاب , الى الاجتماع السنوي الذي يعقده (ايباك) وشجب اعتقاد شامير الذي مفاده انه على الكيان الصهيوني ان يواصل زحفه الى الضفة الغربية وغزة , وفي عام 1991 لم يبال لاعتراضات (ايباك) عندما هددت امريكا بالامساك عن تقديم ضمانات وقروض اذا استمرت اسرائيل في توسيع مستوطناتها.
اتفاقية كامب ديفيد وما قبلها
ليس هذا بسجل دول عظمى عديمة الاهتمام بالسلم والعدالة, وذلك ما يفسر لم ان اغلب الانتقاد الحالي الذي يطال امريكا مصدره العقد المنصرم , ففي مقالة مماثلة كتب اناتول ليفين من مؤسسة كاربيجي
[1] اندومينت للسلم الدولي , متهما والولايات المتحدة الامريكية بالتمسك بسياسات كانت ضرورية عندما كان وجود الكيان الصهيوني مهددا الا انه لم يعد هنالك ما يبررها.
ومن الغريب , على الرغم من ذلك . ان توجه للامريكان تهمة كهذه الان, بينما هم قد وظفوا عشر سنوات من العمل الدبلوماسي في محاولة لتكوين دولة فلسطينية مستقلة جنبا الى جنب مع الكيان الصهيوني في الضفة الغربية وغزة . وبل كلنتون , بالتحديد بذل جهدا كبيرا , اذ جاءت بعرفات ورابين معا في حديقة البيت الابيض , واشرف على اتمام اتفاق سلام بين الكيان الصهيوني والاردن, فكان بل كلنتون مغرما بالكيان الصهيوني وبالاخص باسحاق رابين , بيد انه اغرى الفلسطينين وذلك بقيامه بزيارة الى قطاع غزة في عام 1998 , وفي منتجع كامب ديفيد في شهر تموز الماضي جاءا فورا في عقد اتفاق نهائي بين اليهود وياسرعرفات.
ما الذي حدث بصورة خاطئة؟ الجواب على هذا التساؤل متوار في ضباب تبادل الاتهامات , اذ يقول الفلسطينيون ان القمة عقدت قبل اوانها وكانت غير متقنة ولم يقدم الكيان الصهيوني من التنازلات الا نزرا يسيرا : فلم تكن تلك بكل ما للكلمة من معنى , ويقول دينيس روس الدبلوماسي الامريكي البارز المعني بعملية التسوية . ان الكيان الصهيوني وضع على الطاولة المفاوضات عرضا جد سخي وان عرفات وقع في شرك اسطورة التضحية فرفض الاستجابة , الا ان كلنتون قد ترك شكا بسيطا عما يفضله الا وهي اقتراحه انشاء دولة فلسطينية.
شتنشا هذه الدولة في مدينة غزة وعلى 95% من اراضي الضغة الغربية محددة فان هذه الدولة ستقطع جزءا كبيرا من الكيان الصهيوني كذلك , لتعويضها مقابل بعض المجمعات الاستيطانية التي تنظم الكيان الصهيوني , وسيخضع المستوطنين الذين يقيمون خارج هذه المجمعات الاستيطانية للسيادة الفلسطينية , وستتخذ الدولة الجديدة من القدس الشرقية عاصمة لها وتقسم السيادة على جبل المعبد , ويعود اللاجئون للاقامة اما في اراضي الدولة الفلسطينية او في بلدان اخرى مع عودة عشرات الالاف منهم الى الكياني الصهيوني بالتحديد.
ان كان هذا هو الموقف الامريكي , فهل يعكس هذا تحيزا للكيان ؟ بل ان التحيز موجود في عين الناظر
[2].ومما يبدو للعيان فان خطة كلنتون تتماشى مع مبدا تقرير المصير ومع مبدا الارض مقابل السلام الذي كلفه القرار ذي الرقم 242, فان هذا , ومن قبل القول , لايدعوا الى , كما يزعم بين الفينة والاخرى, الى انسحاب احادي الجانب من قبل الكيان الصهيوني من كافة الاراضي التي احتلتها عام 1967 , بل يقول انه على الكيان الصهيوني الانسحاب , ضمن سياق اتفاقية سلام الى حدود امنة ومعترف بها , ووفقا للطريقة التي وضعت بها , فانها تبقي الباب مفتوحا امام حدود عام 1967 وعلى الرغم من هذا , فلقد اعلنت الادرات الامريكية على مدى السنوات الماضية بانها تتنبا تعديل حدودي طفيف , وايد الرئيس كلنتون هذه القراءة في قمة كامب ديفيد .
ولتكون رايا من خلال النظر الى الشكاوى التي تصاعدت ضد الكيان الصهيوني عندما تم نشر افكار الرئيس كلنتون .تبين ان امريكا لم تكن الادراة التي تخدم الكيان الصهيوني في ذلك الوقت على وجه الدقة وتنهج سياسات اكل عليها الدهر وشرب , لذلك فان الجرم الامريكي المزعوم لا ياتي من اتفاقية كامب ديفيد , بل السنوات الستة التي سبقتها , عندما دب الركود في مسيرة في اسلو.
هذه هي الحكمة من ادراك طبيعة الحدث بعد وقوعه في عام 1993 عندما اشيع عن ان الكيان الصهيوني والفلسطينين في النهاية عمدوا الى عقد محادثات سرية بين بعضهما البعض , بدلا من العمل عبر وسطاء , فكان من المنطق لهؤلاء الوسطاء ان ينسحبوا , اضف الى ذلك , ان مسيرة اوسلو اثمرت فعلا في عقد اتفاقية وتحقيق تغيرات كبيرة على الارض وذلك كله بوجود الدعم الامريكي , فانسحب الكيان الصهيوني من المناطق الاكثر ازدحاما بالسكان. وعادت حركة التحرير الفلسطينية من المنفى وشكل السيد عرفات سلطته الفلسطينية , اذ كان التوقع يشير الى خمس سنوات من الحكم الذاتي وبناء الثقة ستبلغ ذروتها في دولة فلسطينية مستقلة.

اتفاقية كامب ديفيد , ومابعدها
عندما تولى جورج بوش دفة الحكم في الولايات المتحدة هذالعام , انء كل شئ انهيار كبيرا .اذ فقشلت قمة كامب ديفد وشن الفلسطينيون انتفاضتهم الجديدة وقد حل اريل شارون , وهو متشدد من حزب الليكود , محل باراك في الرئاسة.
ولانه كان قد راى سلفه كلنتون يضرب بعرض الحائط , فان بوش اثر الاحجام عن السير على خطى كلنتون مباشرة . وطبقا لمقاييس كلنتون, فان بوش لن يكن مشغولا بالقضية نسبيا . ومما يمكن تامله , فان هذا الامر قد تسبب بتوجيه تهمة تحيز جديدة وهي ان اميركا تقضي الوقت عبثا بينما تشتعل مدينة غزة بنيران القصف الصهيوني باسلحة امريكية الصنع , ولم لا يوجه الامريكان ببساطة اوامر الى عميلهم ليوقف المجزرة ؟ من السهل قول ذلك كله الا ان العنف لم يكن من طرف واحد , فبالحقيقة ان من بداه هم الفلسطينيون . بوجه حق ام بغيره , فهم يؤمنون بانهم يقاتلون من اجل التحرير الوطني وهدفهم هو اخراج دولة الكيان الصهيوني من اراضيهم وبالقوة ولاجل ذلك فهم يستعملون اساليب شتى من بينها اطلاق النار على الجنود الصهاينه ونصب الكمائن لراكبي السيارات وزرع الالغام وتفجير السيارات وكما في حالة حركة حماس وحركة الجهاد الاسلامي –عمل تفجيرات فدائية في الاندية الشبابية ومطاعم البيتزا ,فان هدف الكيان الصهيوني هو ايقافها . مما يعني ذلك لجوئها الى فرض حصار على المدن الفلسطينية وحالات حظر التجول واطلاق الرصاص المميت على المتظاهرين والاغتيالات, التي غالبا ما تم عن طريق اطلاق المروحيات النار على قيادي الانتفاضة. فانه بامكان امريكا ان تطلق صفارتها من اجل فترة توقف , لكن كلا الطرفان لم يعبرا عن الاسى الذي اصابهما خلال اختبار القوة هذا بان يتقهقرا تحت لهيب النار.
وفي الوقت نفسه وبما ان امريكا بحاجة الى حلفاء , فانها تعمل بجهد اكبر من اي وقت مضى للتوصل الى وقف حقيقي لاطلاق النار , ولقد كان السيد عرفات اسرع من شارون في اغتنامه لفرصة اعلان هذا الموقف , الا ان الامريكان كانوا يطلقون صفاراتهم قبل الحادي عشر من ايلول بكثير.
لقد دعت وزارة الخارجية الامريكية قبل بداية الانتفاضة مرات عديدة لايقاف هجماتهم , ودعت الصهاينة لتوقف ردود افعالهم "المفرطة" وتوجه جورج تينيت . مدير المخابرات المركزية C.I.A الى المنطقة لاعادة تنشيط التنسيق الامني بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية , وقد قدمت لجنة تتزعمها امريكا برئاسة العظو السابق في مجلس الشيوخ الامريكي جورج متشل رسما للطريق الوحيد الذي يقضي الى وقف اطلاق النار وذلك من خلال تطبيق السجل لا يشير الى كيان ما يدعى( امريكا) التي قد ولت دبرها بمنطقة تاكلها السنة النار بدون مبالاة.
جرائم الكيان الصهيوني
يسلك بعض نقاد السياسة الامريكية مسلكا مغاويرا , اذ انهم يقولون ان المشكلة التي تعني منها امريكا في الشرق الاوسط ليس بانها منحازة , بل ذلك لانها تكافح لتكون عادلة في نزاع غيرمتوازن , صراع يكون فيه احد الاطراف (الكيان الصهيوني) قويا على باطل الطرف الاخر (الفلسطينين) يكونون ضعفاء وعلى حق , فان العمل الافضل للقوة العظمى ليس بان ترسخ التباين بل ان تقييم العدالة.
حسننا – هذا اذا تقبلت المقدمة المنطقية وتمكنت من العمل بنجاح حيث تكون العدالة. لكن هذا يعني انك ستعامل العقد الماضي من صنع السلام وحالات الثوران التي احدثها داخل الكيان الصهيوني كما لو انه لم يحدث شيئا منها.
وبالعودة الى ايام بيغن وشامير , فان هاتان الحكومتان الصهيونيتان من حزب الليكود سعتا فعلا لتحقيق سيادة يهودية ابدية على كافة اراضي الضفة الغربية ومدينة غزة , فحاولا صياغة مثل هذا الاتفاق مع السيد عرفات , اذ وضع رابين ثقة في تدريجية
[3] اتفاق اوسلو وينتقد الان بسبب حذره وباراك دفع لتمام اتفاق في منتجع كامب ديفيد ويوجه له الانتقاد الان بسبب تسرعه.
ان انهيار مفاوضات كامب ديفيد وما تلاه من انتخاب شامير رئيسا لوزراء الكيان الصهيوني لا ينبئ بعودة الى حماقة (اسرائيل العظمى). اذ كان انتخابه احد افرازات الانتفاضة وليس من اسبابها , فعلى الرغم من كونه ليكودي Likudink
[4] ذو طموحات اقليمية فانه يقود تحالفا واسعا وحدته رغبة في اخماد الانتفاضة بطريقة لا تنم عن اي ضعف , وتحظى سياسته الشديدة في الاراضي المحتلة بتاييد باراك والعديد من اعضاء الليكود.
لقد حل بمعسكر السلام في الكيان الصهيوني ضعف جسيم وذلك بسبب رفض عرفات ما اعتبره الصهاينة تسوية عادلة , والاكثر بفعل صوب الكيان الصهيوني , غير ان الانتفاضة جعلت الامر يبدو اكثر جلاءا بالنسبة للعديد من الصهاينة ذلك الحكم الابدي للاراضي المحتلة ضرب من ضروب المستحيل.
اذا خرست البنادق , ستدب الحياة من جديد في تفكير الكيان الصهيوني عما سيفعله بالاراضي المحتلة , ولربما يتجدد الامل ايضا الا ان الكثير سيعتمد على امريكا التي وان اضطلعت بدور لا يستغني عنه في صنع السلام اذ زودت الكيان الصهيوني بترسانة السلاح التي جعلت المتطرفين من العرب يدركون بان تدمير الكيان الصهيوني ليس بامر سهل نيله , ورعت السلام مع مصر وتساعد لاتمام اتفاق اوسلو وتقديم تشجيعات مالية لمصر والاردن مكافئة للجهود التي يبذولها في صنع السلام وفي مساعدة الكيان الصهيوني في التغلب على الشعور بالعزلة والنبذ من جانب العالم الذي لا يدين باليهودية.
وعندما ينهي حربه ضد الارهاب وتستحق ديونه على الدول العربية التي تساعده لربما يظهر بوش صبرا اقل مما اظهره الرؤساء السابقون حيال مخاوف الكيان الصهيوني وبتعرض امن امريكا بذاتها للخطر , فان الرئيس بوش سيولى اهتماما اقل بامن الكيان الصيوني ولكن في تلك الحالة فان امريكا لن تدفع ثمن جرائم الكيان الصهيوني , بل ان الكيان الصهيوني هو من سيدفع ثمن جرائمه ضد امريكا.

[1] اندرو كارينجي : صاحب كبرى شركات انتاج الاسلحة في امريكا والعالم وكان قد كرس نفسه وعلى نحو متحمس لفكرة معارضة الحرب وله كتاب الدريقراطية المنتصرة في عام 1899 ساهم في بناء قصر السلام في في هولندة لايواء المحكمة العليا وخصص منحة كاينجي للسلام العالمي .
[2] من الجدير بالذكر ان الكاتب يستخدم الفعل bias في سياقين مختلفين , ففي الاول يعني (تحيز) وفي الثاني (ريع) ليسئ بذلك الى الراي العام الاسلامي والعربي وهو بذلك يدافع عن الكيان الصهيوني وامريكا فلذلك ارتايت ابقاء المعنى كما في السياق الاول . (المترجم)
[3] Gradulism : المذهب الفكري الذي كان يؤمن به رئيس وزراء الكيان الصهيوني ؟ اذ يقضي هذا بامكانية تحقيق بنود الاتفاق شيئا فشيئا.
[4] Likudinik : الصفة التي تطلق على كل من ينتمي لحزب الليكود في الكيان الصهيوني.

ليست هناك تعليقات: