الاثنين، 9 فبراير، 2009

حكـام العـالم الجـدد (3)

جون بيلجر
ترجمة الباحث:أمير جبار الساعدي


حصار العراق من دفع الثمن

نحن لا نسعى الى تدمير العراق. ولا نسعى كذلك لمعاقبة الشعب العراقي بسبب قرارات قادته وسياساتهم.
(الرئيس جورج بوش الأب)

"نعتقد ان الثمن يستحق ذلك"..مادلين اولبرايت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ردا على سؤال:هل ان موت نصف مليون طفل عراقي يعد ثمنا يبرر العقوبات.

هم يعرفون اننا نملك بلدهم...نحن نملي عليهم كيف يعيشون ويتكلمون. وهذا هو سر عظمة امريكا الان.انه شيء جيد خصوصا اذا كان هناك المزيد من النفط نحن بحاجة اليه.
(العميد وليام لوني في القوة الجوية الامريكية وقائد حملة ضرب العراق)

أينما تولي وجهك في مدينة البصرة جنوب العراق ترى التراب. حين تذروه الرياح على الطرق الطويلة التي هي بمثابة أصابع الصحراء. ويدخل في عينيك وأنفك وحنجرتك، ويجرى كدوامة في ساحات الاسواق والمدارس وبذلك يستغرق وقت الاطفال المنشغلين باللعب بكرة بلاستيكية، ويحمل معه "بذور الموت" على حد قول دكتور جواد العلي. ودكتور جواد العلي اختصاصي بأمراض السرطان في مستشفى المدينة وعضو كلية الاطباء الملكية في بريطانيا. وله شارب مرتب ووجه سمح ومجعد. ويرتدي معطفه الأبيض الرسمي المهترىء شأنه في ذلك شأن ياقة قميصه. وذكر الدكتور أنه "قبل حرب الخليج كنا نستقبل ثلاث حالات وفاة او أربع شهريا بسبب السرطان، اما الان فيموت ثلاثون الى خمس وثلاثون مريضا شهريا وهذا فقط في قسمي. أي بزيادة 12ضعفا في معدل الوفيات بسبب السرطان. وتشير دراستنا ان 40الى 48% من عدد السكان في هذه المنطقة سيصابون بالسرطان: في غضون السنوات الخمس القادمة ويستمر بعد ذلك. وهذا تقريبا نصف السكان. ويعاني معظم افراد عائلتي الان من السرطان رغم خلو تاريخ عائلتنا من هذا المرض. كما وصل الى الطاقم الطبي في هذا المستشفى، فبالامس مات أبن المدير الطبي. ولا نعرف تماما المصدر الدقيق لهذا التلوث لانه غير مسموح لنا بالحصول على الأجهزة للقيام بمسح دقيق أو حتى اختبار مستوى دخول الاشعاع في أجسامنا.يساورنا شك كبير باليورانيوم المنضب الذي أستخدمه الأمريكان والبريطانيون في حرب الخليج في ساحة العمليات الجنوبية. ومهما كان السبب فالوضع هنا أشبه بحادثة تشير نوبيل، فالاثار الوراثية جديدة بالنسبة لنا. وينمو الفطر بشكل ضخم، والاسماك فيما كان يعرف بالنهر الجميل غير صالحة للاكل الان. وحتى العنب في حديقتي تغير ولا يمكن تناوله. وفي الممر قابلت الدكتورة جنان غالب حسن، اخصائية الأطفال. وكان يمكن وصفها في وقت سابق بالشخصية المنفعلة، اما الان فيغطيها أيضا تعبير كئيب لا يتغير ذلك هو وجه العراق. وقفت لتأخذ يد طفل مصاب بالهزال وقالت "هذا علي رافع سوادي" وتوقعت ان عمره يبلغ 4 سنوات. فقالت "انه يبلغ من العمر 9 سنوات، وهو مصاب بسرطان الدم. ولا نستطيع معالجته الان. إذ لا تتوفر هنا سوى بضع الأدوية. فنحن نحصل على الأدوية لمدة أسبوعين او ثلاثة ثم تتوقف حال توقف الشحنات. فما لم تستمر الجرعات فلا طائل من العلاج. ولا تستطيع حتى القيام بعمليات نقل الدم لعدم وجود ما يكفي من اكياس الدم"... وفي السرير الذي يليه طفل يرقد بين ذراعي أمه ذات الحجاب. وكان جزء من رأسه منتفخ انتفاخا خطيرا. وقالت الدكتورة جنان عنه "انه مصاب بورم في الخلايا العصبية وهو ورم نادر ولم نرى قبل عام1991 سوى حالة واحدة من هذا الورم خلال سنتين.اما الان فلدينا العديد من الحالات". وطفل أخر سمر نظره نحوي ثم سألت ما الذي سيحدث له. فأجابت الدكتورة "انه يعاني من وجود كتلة لحمية في بطنه. واجرينا له عملية،ولكن اذا لم نعالج الورم، فسيعود مرة اخرى.لدينا القليل من الادوية، وننتظر المرحلة الكاملة. ويعاني الان من عجز كلوي،لذا فمستقبله غير سار. وكل الذين هنا مستقبلهم لا يبشر بخير". وتحتفظ الدكتورة جنان بالبوم صور للاطفال الذين تحاول انقاذهم وهي غير قادرة على فعل ذلك. وقالت "هذا تاليم صالح الذي تحول الى صورة صبي ببلوز ازرق وعيون متوهجة. ويبلغ من العمر خمس سنوات ونصف ويعاني من مرض هوجكن(مرض يصيب الانسجة اللمفاوية).ويتوقع عادة ان يعيش المصاب بهذا المرض وقد تصل نسبة الشفاء الى 95%. ولكن مع عدم توفر الادوية، تبدأ المضاعفات وتنتهي بالموت. لقد كان هذا الصبي ذا طبيعة جميلة ، لكنه مات". وقلت"عندما كنا نمشي لاحظت أنك توقفت ووجهت وجهك نحو الحائط". نعم لقد أنفعلت... فانا طبيبة، ليس المفروض ان أبكي، ولكنني اأكي كل يوم لان هذا عذاب. إذ يمكن لهؤلاء الاطفال ان يعيشوا، يمكنهم أن يعيشوا ويكبروا وعندما ترى أبنك او أبنتك يحتضر أمامك، ما الذي يحصل لك؟ وقلت "ماذا تقولين للغرب الذي ينكر وجود رابط بين اليورانيوم المستنفذ وتشوهات هؤلاء الاطفال؟".
"هذا ليس صحيحا.وكم دليلا يريدون؟ توجد روابط عدة بين التشوهات الخلقية واليورانيوم المستنفذ فقبل عام1991 لم نرى مطلقا مثل هذه الحالات. واذا لم تكن هناك روابط، فلماذا لم تحصل هذه الحالات من قبل؟ ومعظم هؤلاء الاطفال لا تمتلك عوائلهم تأريخاً للاصابة بالمرض. لقد درست حقيقة ما حصل في هيروشيما.وهذا بالضبط تقريبا ما يحدث هنا، إذ لدينا نسبة متزايدة من التشوهات الخلقية وزيادة الاورام الخبيثة ونفس الشيء بالنسبة الى سرطان الدم واورام الدماغ". وبسبب الحصار الاقتصادي المفروض على العراق من مجلس الامن عام1990 وتشديده في السنة التي تلتها، رفض طلب العراق بتزويده بالاجهزة والخبراء من أجل تطهير ساحات العمليات من التلوث، عكس ما حصل مع الكويت إذ تم تنظيفه بعد حرب الخليج. وقابلت من لندن البروفيسور دوغ روكي الفيزياوي في الجيش الامريكي والمسؤول عن تنظيف الكويت. واليوم أصبح هو الضحية. إذ ذكر "انا مثل العديد من الناس في جنوبي العراق، اذ يحوي جسمي 5000 ضعف مستوى الاشعاع الموصى به. فقد أنتشر التلوث في كل من العراق والكويت. ومع الاخذ بالاعتبار أختبار الاسلحة وتهيئتها في السعودية يكون التلوث قد غطى المنطقة باسرها.ويعتمد تأثيره على،هل أن الشخص قد أستنشقه او هضمه عن طريق الاكل والشرب، او استقبله من خلال جرح مفتوح. وما نراه الان من مشاكل تنفسية ومشاكل كلوية وحالات سرطانية، هي النتيجة المباشرة لاستخدام مادة عالية السمية. أن الجدال حول اعتباره سببا او لا هو جدال مصطنع، وصحتي المتدهورة دليل على ذلك". ويقول البرفيسور روكي أن هناك مسألتان طارئتان ينبغي دراستهما في الغرب وبالاخص "اولئك الذين يعرفون معنى الحق والباطل":"الاولى:قرار الولايات المتحدة وبريطانيا استخدام "اسلحة الدمار الشامل".مثل اليورانيوم المستنفذ وقال البروفسور "انه تم إطلاق 300طن منه في حرب الخليج. كما أطلقت المقاتلة (الوحش الإفريقي) A-10Warthog) أكثر من 900 ألف طلقة، وتحوي كل طلقة مفردة على 300 غرام من اليورانيوم الصلب نوع (238). وعند إطلاق الدبابة قذائفها، فكل قذيفة تحمل اكثر من 4.500غرام من اليورانيوم الصلد. هذه الطلقات ليست مغلفة ولا مدببة، انها يورانيوم صلب. فضلا عن ذلك، حصلنا على دليل يخولنا الاعتقاد انها خلطت مع البلوتونيوم. إن ما حصل في الخليج كان شكلاً من أشكال الحرب النووية، "اما االمسألة الثانية في الامتناع عن تقديم الرعاية الطبية للجنود الأمريكان والبريطانيين وغيرهم من القوات الحليفة، اضافة الى عشرات الآلاف من العراقيين ممن تعرضوا للتلوث. لقد شاهدت مسؤولين عراقيين في ندوات دولية يقتربون من نظرائهم من وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع البريطانية للسؤال والتماس طلب المساعدة في إزالة التلوث. فالعراقيون لم يستخدموا اليورانيوم المستنفذ، فهو ليس سلاحهم. وهم ببساطة لا يعرفون كيف يزيلوه من بيئتهم. لقد شاهدتهم يشرحون قضيتهم ويصنفون حالات الوفاة والتشوهات المريعة وهي واضحة للعيان: كما شهادتهم يواجهون بالرفض. لقد كان موقفا محزنا بالفعل. أما لجنة الامم المتحدة للعقوبات في نيويورك التي يسيطر عليها الأمريكان والبريطانيون فتعترض وتؤخر مجموعة من الاجهزة الطبية وأدوية العلاج الكيمياوي وحتى المسكنات. ( وبتعبير الرفض، "يعني الغاء العقد" "وانتظار" يعني تأجيله أو ربما إلغاؤه). وفي بغداد جلست في عيادة عندما أستقبل الاطباء والدين مع أطفالهما وكان عدد منهم رمادي البشرة وأصلع وبعضهم كان يحتضر. وبعد كل فحصين أو ثلاث، تكتب الدكتورة ( لقاء فصيح عزيز) الاخصائية الشابة بعلم الأورام "لا أدوية". وطلبت منها تدوين قائمة في دفتر ملاحظاتي بالأدوية التي كان المستشفى قد طلبتها ولم تستلمها أو إستلمتها على نحو منقطع. فملئت صفحة كاملة. لقد صورت فلما في العراق لأجل فصل "دفع الثمن: قتل أطفال العراق" وعندما رجعت إلى لندن، عرضت قائمة الدكتورة (عزيز) على البروفسور كارول سيكورا الذي كتب بوصفه مديرا لبرنامج السرطان في منظمة الصحة العالمية، في نشرة (برتش ميديكال جورنال:"يعيق ممثلا الولايات المتحدة وبريطانيا (في لجنة العقوبات) باستمرار دخول أجهزة العلاج الإشعاعي الضرورية وأدوية العلاج الكيمياوي والمسكنات. ويبدو من السخيف جدا تحويل هكذا عناصر إلى أسلحة كيمياوية أو أسلحة من نوع آخر". وأخبرني أن جميع هذه الأدوية تقريبا متوفرة في كل مستشفى في بريطانيا. إنها أدوية عادية جدا. عندما رجعت من العراق السنة الماضية، مع مجموعة من الخبراء، دونت قائمة بسبعة عشر دواء تعد أساسية في معالجة السرطان. وأعلمنا الامم المتحدة بعدم امكانية تحويل هذه الأدوية الى عناصر كيمياوية حربية. ولم نسمع غير ذلك. وأشد ما أحزنني في العراق هو رؤية الأطفال يحتضرون لعدم وجود العلاج الكيمياوي والسيطرة على الألم. وبدا جنوناً عدم إمتلاكهم للمورفين لأنه الدواء الأمثل لجميع من يعاني من ألم السرطان. وعندما كنت هناك، كان لديهم قنينة صغيرة من حبوب الأسبرين يتشاطرها قرابة 200 مريض يعاني من الألم. وكان من المفترض أن يستلموا دواء خاصا ضد السرطان، ولكن لم يستلموا سوى كميات ضئيلة من الأدوية هنا وهناك، لذا لا يمكنك الثقة بأي تخطيط. إنه أمر غريب. وأخبرته أن احد الاطباء شعر بإنزعاج شديد لان لجنة الامم المتحدة للعقوبات حظرت الاوكسيد النتري باعتباره "أسلحة ذات استخدام مزدوج": مع ذلك كان يستخدم في العمليات القيصرية لوقف النزيف وربما انقاذ حياة أم. وأجاب قائلا "لا أرى أي منطق وراء حظره. أنا لست خبير أسلحة، ولكن الكميات المستخدمة ستكون ضئيلة جدا بحيث لو جمعت كل حصة الشعب من الأدوية وعالجتها، فمن الصعب تصنيع أي جهاز كيمياوي حربي منها. وسألته عن جدوى إنتقاداته في منظمة الصحة العالمية، فأجاب لقد تم اخبارنا بشكل خاص بعدم التكلم عنها بعدئذ، أعني ما يخص المسألة العراقية برمتها، وكانت منظمة الصحة العالمية محرجة، فهي ليست بالمنظمة التي ترغب بزج نفسها في السياسة.

ويحتل ورشة محمد غني صليب ضخم ينحته لأجل كنيسة (عيد مريم العذراء) في بغداد. بإعتباره النحات الأشهر في العراق، فإنه يشعر بالفخر لتفويض الفاتيكان لمسلم لنحت مواقع الصليب في روما، ويقول أنه عرفان ثقافي لبلده في وادي الرافدين "مهد الحضارة العربية" وعندما زرته كانت مقطوعة موزارت تعزف على حامل أشرطة مبجل وموضوع على ثلاجة بذات الهيبة، فيها قنينتان صغيرتان من الجعة. ناولني أحداهما وقال "نخب الحياة ولا مزيد من الاحزان".اما عمله الأخير فكان تمثالاً ارتفاعه عشرون قدماً لامرأة وطفلها المتشبث باقدامها متوسلا من أجل الحصول على الطعام. وقال محمد غني "أراها تنتظر مع مثيلاتها في صف طويل في المستشفى الواقع في نهاية طريقي". لقد قدم صفاً من التماثيل تصور أنتظارهن، والرؤوس جميعها محنيات أمام باب مغلق دائماً. وقال "الباب هو المستوصف،ولكنه ايضاً العالم المغلق على يد الذين يحكمون العالم".
وفي اليوم التالي رأيت نفس صف النساء والاطفال في مستشفى المنصور للاطفال.لقد كان لكرب اطبائهم صدى مرعباً. إذ ذكر الدكتور محمد محمود "يمكن للاطفال المصابين بالتهاب السحايا أن ينجوا عند أخذهم الجرعات المناسبة من المضادات الحيوية. إن أربع مليغرامات كافية لانقاذ حياتهم، ولكن لايسمح لنا سوى بمليغرام واحد. إن هذه مستنشفاً تعليمية لكن الاطفال يموتون لعدم السماح لنا باستيراد الادوات الاحتياطية للاجهزة التي تعزل الصفيحات الدموية". وأثناء مشينا بجانب صف الانتظار حدث أجتماع عجيب للشمل لمرافقي دينيس هاليداي، الايرلندي اللطيف الذي استقال عام 1998من منصبه كمنسق الامم المتحدة الخاص بالشؤون الانسانية في العراق وذلك احتجاجاً على تأثيرات الحصار على السكان المدنيين، وكان قد عاد معي الى بغداد. وقد لمح الان رجلاً وابنته، وتبادل الثلاثة التحيات بحرارة. وقال "صفاء" وأنحني ليأخذ بأيدي البنت البالغة تسع سنوات."جون،هذه (صفاء ماجد) ووالدها (ماجد علي) لقد قابلت صفاء في هذه المستشفى قبل سنتين،عندما كنت ممثل الامم المتحدة في العراق، وكانت مصابة بسرطان الدم وبحالة يرثى لها. والمرء لا يستطيع مساعدة الالاف، ولكن يستطيع التعامل مع طفلين او ثلاثة او أربعة.وتمكنت بمساعدة منظمة الصحة العالمية من جلب الأدوية بهدوء. وكانت الأدوية كافية لمدة سنتين لمعالجة هذه البنت الصغيرة. واليوم،أنظر اليها تبدو رائعة ويقول والدها إن عليها المجيء الى المستشفى مرة واحدة فقط شهرياً. وأعتقد انها شفيت تقريباً من سرطان الدم. وصفاء واحدة من بين أربعة أطفال ساعدتهم.

ليست هناك تعليقات: