الاثنين، 9 فبراير، 2009

حكـام العـالم الجـدد (12)

جون بيلجر
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي
ففي عام 1996 حكمت المحكمة العليا في قضية استئناف تخص شعب ويك (Wik) في كوينزلاند ان لقب الساكن الأصلي لا تلغيه بالضرورة حالة الأرض المستأجرة. أي بعبارة أخرى: ان الإيجار هو الإيجار: أي منح ملكية الأرض لفترة محددة فقط. وجاء التعسف مدويا على القضاة الذين وسموا بأهم بأنهم "الراديكاليين" و"ذوي الأهواء السياسية" على لسان وزراء الحكومة وجماعات الأعمال الزراعية والتعدين وحلفائهم في وسائل الإعلام. وكتب المؤرخ هنري رينولدز " كان القادة المحافظون من الساسة ورجال الأعمال ليحتشدوا في ظروف أخرى إلى الجانب الآخر من النقاش. وكانوا ليهتفوا كالعادة لمعركة القانون العام التي دامت قرونا من أجل حماية حقوق الملكية من الدولة. كانت المشكلة في قضية شعب الويك ان حقوق الأرض ذهبت إلى الشعب الخطأ. أما العائق الذي واجهوه فكان أنه توجب عليهم التعامل مع أستراليين شعبيين كنظراء لهم للمدة الأولى منذ 200 عام.هذا هو أصل المشكلة. إذ ذكرت صحيفة ( كانبيرا تايمز) Canberra Times ان "معظم السكان الأصليين لم يحصلوا على حقوق قانونية من قراري مابو وشعب الويك. وان ما حصلوا عليه كان نصرا أخلاقيا بالغ الأهمية...إذ تتصرف جماعات السكان الأصليين منذاك بسمو أكبر وتعقل أكبر في النقاش والتفاوض والتوصل إلى تفاهم، أكثر من بعض الجماعات التي ما تزال غير قادرة على تجاوز الإساءة القائلة بأن السكان الأصليين ليس لهم حقوق بالأرض مطلقا".أن مسألة عدم أحقية السكان الأصليين بامتلاك أرضهم كان شيئا مفترضا.إذ كتب الحامي الرئيس للسكان الأصليين في كويتزلاند عام 1986 ما نصه:
يبدو من الأفضل أن نلقي نظرة على حسابات دائنيننا من السكان الأصليين. إذ ورثت موينزلاند حتى الآن حوالي 10 ملايين اكر(
[1]) من الأراضي المملوكة حوالي 300 مليون اكر من الأراضي المؤجرة لاحتواء أراضي الرعي وحصلنا مقابل ذلك على قرابة ستة ملايين وربع المليون باوند نقدا، إضافة الى إيجار سنوي يبلغ 332 ألف باوند مقابل الأرض المستأجرة. بيد أننا لم ننفق 50 ألف باوند منذ عام 1859 لمصلحة السكان الأصليين، ولم ندفع لهم منذ ذلك الوقت وما قبله شلنا واحدا نقدا أو ملبسا أو غذاء، أو حتى أكرا واحدا من الأرض.
ويذكر مارتن تايلور في دراسة له ما نصه:
..لقد شاركت جماعات من قطاع الصناعة الريفية في كويتزلاند في عملية الإبادة الجماعية لشعب(الأبورجينز)السكان الأصليين. فقد تقلص عدد السكان الشعبيين عام 1920 من 120 ألفا على الأقل إلى 20 ألفا، وشمل ذلك 10 آلاف عملية قتل متعمدة ومباشرة على أقل تقدير...
كما تم نقل السكان الأصليين المتوحشين من الجنوب ليدرجوا في سلك الشرطة المحلية في كوينزلاند واستخدامهم كفرق إعدام ضد السكان الأصليين. كما فعل المرض فعله في إبادة السكان. وعند النظر إلى الحكم المأثورة من تلك الحقبة والتي تشاطرها عدد لا بأس به من الأستراليين اليوم، لا نجد أيا منها مثيرا للاستغراب. فقد كان كتاب"النصر في المنطقة المدارية" أحد أكثر الكتب المنهجية قراءة في مدارس كوينزلاند في النصف الثاني من القرن العشرين.وهذا الكتاب من تأليف السير رالف سي لينتو وكليم لاك وتم توزيعه في المدارس عام 1959 بمناسبة الاحتفالات المئوية للولاية.وكان كليم لاك مستشارا لرئيس وزراء كوينزلاند للعلاقات العامة. وفيما يلي إحدى إشاراته للسكان الأصليين: إن الشخص الأسود مثله كمثل كلابه نصف المتوحشة. إذ يمكن إجباره على الوقوف بجمود مرتعش أو إقحامه في قتال مسعور تلبية لأمر الناس أو أشياء أثارت محفزات الرعب؛ أو دفعه إلى عواء الابتهاج أو حلبة السباق أو أتخذه نموذجا على نحو غريب ومضحك أو التعبير عن الحماس المسعور عن طريق أي نوع من أنواع التهريج... ويعيش في بيئة وسط الآجام في حالة من القلق لدرجة ان استجابته الفورية لأي وضع مفاجئ أشبه بالفعل المنعكس والشرطي- الفوري: للهجوم،والوثب والهجوم والوثب والتمدد والتدحرج. ويشبه كلبه كذلك في شعوره المروع من نظرة مباشرة وواثقة واللجوء إلى هدنة حذرة مسلحة،ولكنه يهجم بالأرجح بعنف إذا ما أظهر خصمه نوعا من الخوف،أو ركض أو شعر بالعجز.كل هذه ردود أفعال بدائية معروفة للعديد من مخلوقات الغابة الضارية. وشعرت من خلال تجربتي ان الشعور بالذنب متأصل في العقلية الأسترالية تجاه ما حصل وما تم سلبه من الشعب الأصلي. لقد تعلمت خلال مقابلتي لمزارعين ليبراليين نسبيا في كوينزلاند ان الأشخاص ذوي الارتباط القوي بالأرض نفسها غالبا ما يدركون ان الأرض ليست"ملكهم" وان السكان الأصليين يتمتعون بعلاقة عجيبة معها.وأخبروني أن آباءهم وأجدادهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بالأرض أو إدارتها خلال أوقات المصاعب البيئية مثل الجفاف الطويل دون مساعدة مجتمع السكان الأصليين.وذكرت كاميلا كاولي التي تمتلك 22 ألف أكر" لم نكن نعرف ان السكان الأصليين كانوا محجوبين،ولكننا عرفنا فيما بعد.ولم تقع عيني عندما كنت طفلة على أي من السكان الأصليين.وتبين لي لاحقا أنه لم يتواجد أي أطفال من السكان الأصليين قط في مدرستي الابتدائية والأحداث الرياضية التي ذهبت إليها،وذلك أنه لم يكن مسموحا لهم بذلك... ومع ذلك فما أعمق معرفتهم بكل شيء توجب علينا تعلمه في الأدغال.لقد تعلم زوجي ركب الخيل على يد مربيه من السكان الأصليين.لم تكن بعض أكبر الممتلكات وأكثرها ربما لتنجو لولا الرعاة من السكان الأصليين.وكان هؤلاء الرجال يحصلون في أفضل الأحوال على نصف ما يحصل عليه العمال البيض،زائداً "أرزاق".ويذهب أجرهم إلى حسابات توفير في بنك الكومنولث الذي تديره الدولة.ويتم سحبها بموجب دفاتر الحساب المصرفي الواقعة تحت يد الزعيم الحامي المحلي للسكان الأصليين،وأحيانا مدير "المحمية" أو المشرف على المهمة أو شرطي. ولا يتمكنوا من سحب أقل المبالغ دون موافقة القيم،ولكون العديد منهم أميون لذا لا يتمكنون من قراءة المبالغ المودعة والمسحوبة.ويتوقع رودين هال الذي كان محررا لنشرة إخبارية يصدرها الأبورجينز في كوينزلاند في عقد الستينات أن تصل المبالغ المستحقة للسكان الأصليين بعد عمل مدى الحياة إلى ملايين الدولارات. وكتب ما نصه"وتوقع هؤلاء الرعاة منطقيا ان تتراكم مدخراتهم"، بيد أن الحساب النهائي نادرا ما وصل إلى أكثر من بضع آلاف من الدولارات وأحيانا تصل الى بضع مئات فحسب.. وقد حذرت وسائل الإعلام ولكن لم يصل منها أية إجابة أبدا.ولا حتى رسالة أو مكالمة هاتفية من صحيفة أومحطة إذاعية أو تلفزيونية معروفة.ولا واحدة. إذ لم يكن مسموحا بإدراج القضية على الصعيد القومي. وكانت جيوب البعض مدانة! هل سنصدق ان الحماة هم وراء هذا كله؟ أم المقيمين في الأراضي الزراعية المستأجرة ؟ حالما يكشف ذلك، سنعاود التطرق إلى موضوع مقدار التعويضات التي قد يتوقعها شرعيا شعب السكان الأصليين". ربما يعتمد مقدار التعويضات على حقيقة تاريخية لا تعترف بها أية حكومة أسترالية. في عام 1837 أجرت لجنة منتخبة من مجلس العموم تحقيقا حول ظروف السكان الأصليين في المستعمرات البريطانية. ووجدت اللجنة ان الجماعة الوحيدة التي منعت منعا بشكل مطلق من حق الملكية السابقة لأراضيهم هم السكان الأصليين لاستراليا. وكان تقرير اللجنة المنتخبة جليا. لقد امتلك الأستراليون الأوائل "حقا لا لبس فيه في أرضهم الخاصة، حقا واضحا ومقدسا مع ذلك لا يفهمه أحد على ما يبدو... وسلبت الأرض منهم دون توكيد من أي عنوان سوى قوة التفوق". كان هذا رأي الحكومة البريطانية. إذ أصدرت وزارة المستعمرات في لندن عقودا زراعية لهدف وحيد ألا وهو ضمان استمرار دخول السكان الأصليين إلى أرضهم بالرغم من تأجيرها "للمحتلين". لم يكن هدف السياسة بالنسبة للبيض هو جعلها مصدرا للغنى بل تعويضا للسكان الأصليين عن الاستيلاء على أرضهم واستعمارها. وكتب المؤرخ هنري رينولدز ما نصه "لقد مثلت سياسة الإيجار الزراعي قمة للهاجس الإنساني البريطاني. وتعرض الحكومة الأسترالية الحالية للسكان الأصليين أقل مما عرضته سلطات الإمبراطورية البريطانية قبل150عاما". وتلخص هذا "الأقل" في قانون تعديل لقب الساكن الأصلي الذي أصدره جون هوارد عام 1998، مما قلل من فعالية قانون عام 1993 ودمر المبدأ الكلي للقب الساكن الأصلي سوى الاسم وسلب الحقوق العامة للقانون الذي قال القضاة بعائديتها للسكان الأصليين، وهذا ما لم يقره أي برلمان حديث في أي مكان. أما المستفيدون من كل ذلك فلم يكن المزارعون الصغار البيض الذين روعتهم الدعاية الحكومية التي صورت "موجة سوداء" تبتلع الممتلكات وتضرب حصن العائلة، بل كان بعض أغنى الشركات والأفراد وأكثرها نفوذا في أستراليا البيضاء قد روعت.
وهذا يعني ضمنا ان تتحول 42% من الأرض المستأجرة في استراليا الى ملكية مطلقة لأقل من 20 ألف شخص وضمنهم الأشخاص ذوي العلاقات الإعلامية والسياسية الأكثر نفوذا في البلاد. وينطبق هذا الكلام على كيري بيكر صاحب شبكة (ناين) (Nine) التلفزيونية الوطنية والذي يعد سابع اكبر مالك أراضي في استراليا، وينطبق أيضا على روبرت مردوخ الذي يستحوذ على 70% من دور نشر العاصمة ويملك تسع ملكيات ضخمة ويتمتع اثنان من اكبر مالكي الأراضي الخاصة وهما هوغ ماك لاكلن وعائلة مكدونالد بعلاقات وثيقة مع الحزب القومي، احد شركاء هوارد في الائتلاف. ويهدف قانون هوارد في جوهره الى سلب جماعة من الأستراليين وهم السكان الأصليين حقوق ملكيتهم التي أقرتها لهم المحكمة العليا، والهدف هو مصلحة جماعة أخرى ليس لها حق سوى إنها بيضاء وغنية. وتظهر لنا التفاصيل المعتمة ان القانون الجديد يذكرنا بالقوانين التي سنها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهذا ما أدانته لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، ووصف احد أعضاء اللجنة القانون "سلب كامل لحقوق لقب الساكن الأصلي". والنتيجة انتهاك قانوني، فقد تم تفسير التعليمات تفسيرا مختلفا من ولاية الى ولاية وتركت السكان الأصليين في مصيدة الفقرة (22) التي تحتم على السكان الأصليين إثبات" ارتباطهم المتواصل" بالأرض التي سلبت منهم. فقد رفض قاض في ولاية فكتوريا دهوى شعب يورتا يورتا المؤلف من 4.500 شخصا حول مواطنهم التقليدية، واستند القاضي في قراره على القانون المعدل الذي مررته مجموعة قوية من المصالح السياسية والتجارية للبيض.وترجع الدعوى الى الخمسينات عندما حاولت سلطات البيض بشكل نموذجي القضاء على القبلية وفرض الدين المسيحي ولو بالقوة على شعب يورتا يورتا. وتفككت العوائل والعشائر بسبب ارسال الرجال والنساء الى حياة أبدية من السخرة وارسال الاطفال الى "بيوت التدريب".
وكتبت كاترينا الفورد من جامعة لاتروب في ملبورن ما نصه "واجه السكان الأصليين مهمة ملحمية؛ فقد طلب منهم إثبات ارتباطهم التقليدي بالأرض موضوع الدعوى على أسس جغرافية ونسبية،وتقديم الدليل بصيغة تحريرية مقبولة قانونيا. وهذا صعب في أفضل الأحوال،بل مستحيل تقريبا بالنسبة للمطالبين بلقب الساكن الأصلي ذوي التراث الشفوي".واقتبست كاترينا من المؤرخ باتريك وولف الذي يقول:" كلما زادت خسارتك، قلت قدرتك على الربح: ومن أجل ان تدخل معايير لقب الساكن الأصلي، عليك ان تكون خارج التاريخ".ونشرت المفوضية الاسترالية لحقوق الانسان والفرص المتساوية عام 1997 تقريرا مدينا ومؤلما بعنوان "ارجعوهم الى الوطن"، في أظلم فصول تاريخ الشعب على الإطلاق:ألا وهو"الجيل المسروق". فهو يصف كيفية انتزاع الأطفال المهجنين من السكان الأصليين من والديهم كجزء من سياسة منهجية من أجل القضاء على الملونين". وتم استخدام الشرطة لإيجاد الأطفال وسرقتهم. وتلقوا أوامر بعدم إخبارهم وإخبار والديهم عن المكان الذي يأخذونهم إليه. وذكرت صحيفة "سيدني مورنينغ هيرالد"Sydney Morning Herald في تقرير لها في العشر من كانون الثاني 1925 وتصف فيه احد " المشاهد المفجعة" ما نصه: حصل العزل قبل اعياد الميلاد.. وبدا ان تعليمات ضابط الشرطة تنص على مقابلة الوالدين عند النهر، وهنالك يذهب الأطفال بصحبة والديهم الذين لم يعرفا أن فلذات أكبادهم ستنتزع منهما.كان الفصل يمزق الفؤاد،بيد أن الأطفال أخذوا رغم الإحتجاجات والدموع.. وكان الوالدين في حالة يرثى لها حينذاك.. وتكشف ملفات القمع المخيفة سابقا،أنه لم يكن هناك في الغالب أي إدعاء برعاية الأطفال "المنبوذين" الذين سلبوا من عائلات محبة. وأصبح روبرت تي دونالد سون مفتش ما سمي زيفا مجلس حماية السكان الأصليين، أصبح يعرف بـ"جامع الأولاد": وهو شخص نحيل يطوف شوارع نيوساوث ويلز يحمل الحلويات ويختفي حاملا الأطفال.وخضعت السياسة لتأثير أفكار الحركة الفاشية لتحسين النسل التي كانت سائدة في العقدين الأولين من القرن العشرين ونشرت حالة الخوف من أن نساء البيض لا ينمون بسرعة كافية وان "الجنس الأبيض" مهدد بالإندثار. وعرف هذا في الثلاثينات " بالإمتصاص" وشجعه استاذ علم الإنسان في جامعة سيدني أي بي الكين الذي أشاع فكرة ان السكان الأصليين كانوا "الجنس الأدنى" و"متطفلين" يجب "إمتصاصهم". وأرسل الصبية إلى محطات الأغنام والماشية كعمال مقابل حصص من الطعام والأجور الزهيدة. أما الفتيات وهي الأغلبية فكانت ترسل غالبا الى بيوت كوتا موندرا لتدريب فتيات السكان الأصليين، حيث يتلقين تدريبا ليصبحن خادمات في المنازل، ومن ثم "إلزامهن" بالعمل لدى "أسيادهن" في منازل الطبقة الموسطة أما المكافئ التاريخي فهو إستخدام العبيد من الفتيات السود كخادمات في الولايات الأمريكية الجنوبية قبل الإعتاق.وفي الوقت الذي كتبت فيه كتب ومسرحيات ومراثي حول حرمان ومعاناة الأمريكيين السود.لم يكن في أستراليا سوى إعتراف مترددحول مأساة هولاء.وساد إعتقاد شعبي لسنين عدة أن الأطفال تم "إنقاذهم" من رعب التنشئة
"البدائية" وخاصة "المهجنين".وفي العديد منهم تعرضوا للأذى الجسدي ولم يتلقوا أي حماية من الولاية. وتظاهر بعض الأستراليون البيض. بجهلهم هذه الجرائم؛ ويبدو أن الأغلبية واجهوها بعدم اللامبالاة والصمت.
([1] ) الآكر = 4840 ياردة مربع.

ليست هناك تعليقات: