السبت، 7 فبراير، 2009

الطريق المتعثر نحو الحرب (6-7)

جيمس بي روبن
ترجمة الباحث :أمير جبار الساعدي

فقد افتخر وولفوتز في بداية الأزمة إن الدعم التركي لنشر قوات أمريكية "مضمون". ولكن حين بدأت الأمور تأخذ مجرى خطير ، وبدلاً من الإصرار على سفر باول إلى أنقرة لإقناع كبار الهيئة التشريعية التركية واحداً تلو الأخر، اعتمدت وزارتا الدفاع والخارجية على الجيش التركي لضمان تحقيق النصر. وإذا عرفنا إن هذا الإجراء مني بهزيمة في نهاية المطاف بفعل حفنة من الأصوات ، يبدو جلياً إن إبداء بعض الاهتمام الشخصي كان سيشكل فرقاً.لكن إدارة بوش أخفقت في فعل هذا. ولم يعيق التصويت التركي المتلاحق العمليات العسكرية الأمريكية فحسب، بل شجع كذلك الدول الصغيرة للوقوف بوجه الضغط الأمريكي في مجلس الأمن.وانتحب الدبلوماسيون الأمريكيون حينئذ على حقيقة عدم وجود خطة جدية لدبلوماسية الرأي العام من اجل إقناع ابرز الآراء العامة الأجنبية أو على الأقل تقليص حجم المعارضة. ومن الصعب المبالغة حول أهمية هذا الإخفاق. لقد خسرنا أصوات بالغة الأهمية في بلدان ديمقراطية مثل تشيلي والمكسيك. وبغض النظر عن مدى وثاقة علاقات الرئيسين ريكاردو لاغوس وفسينتي فوكس الشخصية بالرئيس بوش، غير أنهما ببساطة لم يتمكنا من عرض مسالة حرب وسلام لناخبيهم بالقول أنهما لا يريدان تعكير مزاج البيت الأبيض والمخاطرة بانتقام تجاري. ونفس الشيء يقال هنا، لو لم يكن الرأي العام بتلك الضخامة في مناهضته للحرب في فرنسا وعموم أوربا، لبدا من الصحيح الافتراض إن حتى معارضه شيراك لن تكون قوية للغاية.
وباختصار، فقد كانت المشكلة تكمن في إن الولايات المتحدة لم تمهد سياستها قبل الحرب بخطة متماسكة وشاملة. ورغم إن الإدارة ربما وقعت على استخدام القوة العسكرية الحاسمة والمطلقة في ردهات البنتاغون، إلا إن باول لم يقنع إدارة بوش بتبني منهجية مشابهة في العمل الدبلوماسي. وقد يرجع سبب ذلك إلى إن تشيني ورامسفيلد لم يؤيدا هذه الخطة. أو ربما إن الإدارة الأمريكية برمتها لم تعتقد إن ضمان شرعية دولية لشن الحرب مهماً بحد ذاته. وسواء كان السبب عدم الكفاءة أو المنهج الفكري، فقد مثل إخفاق واشنطن في الحفاظ على تماسكها الدبلوماسي في تبريرها للحرب ، وفي تزامن استخدام القوة والعمل الدبلوماسي، وفي التخطيط لاذعان جزئي من العراق، وفي تمهيد الطريق لاستصدار قرار ثان، وفي الفوز بثقة الرأي العام الدولي، كل هذا مثل هزيمة دبلوماسية للسياسة الخارجية الأمريكية في أعلى مراتبها.

الأكاذيب الصحيحة
ويبدو إن العديد من أعضاء إدارة بوش اعتبروا الإخفاق الدبلوماسي نكسة صغيرة وافترضوا إن ما يبقى محفوراً في الذاكرة هو الانتصار العسكري.
وهولاء المسئولون محقون إلى حد ما. فقد بعثت الولايات المتحدة برسالة قوية للنظام الدكتاتورية ودعاة الإرهاب وتم تحرير الشعب العراقي من الطاغية. وتحسن الاستقرار في المنطقة بعد القضاء على أخبث حكومة فيها. وفي حالة بروز صورة ما لحكومة تمثيلية في نهاية الأمر لأخذ زمام السلطة في بغداد ، فقد تبدأ القيم الديمقراطية حينها بالانتشار في الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة التي تفتقد بوضوح لهذه القيم حتى الأن.
ورغم ذلك يمكن تحقيق هذه الأهداف القيمة ويجب تحقيقها بدعم دولي. وعلى الأمريكان أن ينتبهوا إلى إن العديد من دول العالم كانت تأمل أن تفشل أمريكا في العراق وان يتصدى صدام بمقاومة عنيفة ويقتل الكثير من الجنود الأمريكان ويطيل أمد الصراع. وقد خسرت الولايات المتحدة بعضاً من سلطتها الأخلاقية بعد أن تميزت بسمعتها كقوة عظمى معارضة لاستخدام القوة العسكرية.
وسوف تتضح العواقب الملموسة لفشل واشنطن عندما يبدأ نظام خطر مرة أخرى تطوير أسلحة دمار شامل. لقد أصبح إيقاف انتشار مثل هذه الأسلحة يتصدر اولويات الأمن القومي للولايات المتحدة. وسيتطلب الفوز بهذه المعركة أكثر من مجرد عزيمة أمريكية وقوة عسكرية، بل سيتطلب تعاون دول العالم.
وقد تسببت الكارثة الدبلوماسية حول العراق لسوء الحظ بضرر أصاب المنظومة الدولية التي تراقب وتتحكم وترد على تهديدات أسلحة الدمار الشامل. فقد تم إلغاء مبدأ نزع السلاح القسري برمته. وتعترف إدارة بوش بنفسها الأن إن التعامل مع كوريا الشمالية وإيران يتطلب إشراك منظومة الأمم المتحدة.

ولكن ماذا سيحدث إذا ما حاولت الأمم المتحدة اللجوء إلى نزع السلاح القسري؟
سيكون من الصعب على واشنطن بعد تهجماتها الأخيرة على مفتشي الأمم المتحدة أن تعول على أحكامها في المستقبل.
والأكثر إثارة للقلق هو كيفية تبرير الإخفاق في العثور فعلاً على أسلحة دمار شامل في العراق. لقد وضعت الولايات المتحدة مصداقيتها على المحك بعد رمي قرار شن الحرب على شماعة الاستخبارات الأمريكية وتخمينات التهديد. بدل الإدارة الجماعية للأمم المتحدة. ويبدو إن واشنطن لسوء الحظ قد بالغت بشان التهديد القريب في تبريرها التحرك المبكر. ومن المثير للسخرية إن معظم المعلومات المهمة التي دفعت معظم وكالات الاستخبارات للاستنتاج إن العراق قد أخفى أو يخفي أسلحة كيماوية وبايولوجية قد جاءت أصلاً من مفتشي الأمم المتحدة. وهذه المعلومات كانت وحدها كافية لتبرير العمل العسكري، ولكن ربما ليس بالسرعة التي أرادتها إدارة بوش. وهكذا قرر المسئولون الأمريكيون التعويل على مسالة التهديد الوشيك المزعومة. وكان افضع مثال على هذا تصريح تشيني إن العراق " أعاد تركيب أسلحة
نووية". وما تزال الولايات المتحدة تدفع ثمن هذه الادعاءات الكاذبة.
لقد كان على الإدارة أن تركز على عدم إذعان العراق وليس على تقارير الاستخبارات المركزية. فليس من بلد يشك إن العراق كان يخفق في التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة. ولو تم شن الحرب في وقت لاحق... بعد استنتاج بلكس إن العراق لا ينوي نزع أسلحته كلياً وموافقة أغلبية أعضاء مجلس الأمن على ذلك لما ارتسم موضوع البحث على أسلحة الدمار الشامل على المشهد الدولي كما حصل فعلاً. وكان من شان حرب بشرعية اكبر إن تبقي الأضواء على العراق وليس على الولايات المتحدة.
ومن المفجع إن الحقيقة حول أسلحة صدام للدمار الشامل قد لا تكشف أبداً إذ يبدو واضحاً انه تم القيام بجهد قليل لضمان وحماية مواقع أسلحة الدمار الشامل العراقية المحتملة. وما يبقى لغزاً هو لماذا (كما أفادت التقارير) لم يضع البنتاغون حماية هذه المواقع في صدارة اولوياته وقت الحرب، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار إن المواد التي تعرضت للنهب والسلب قد تكون بيعت الأن إلى جماعات إجرامية أو منظمات إرهابية.

ليست هناك تعليقات: