السبت، 7 فبراير، 2009

كيف نبني عراقاً ديمقراطياً (3-3)

أديد داويشا وكارين داويشا
ترجمة الباحث: أمير جبار الساعدي

أما مجلس الشيوخ فيمكن أن يحتذي بالمثال الألماني،أي أن تمثل كل من محافظات العراق الثمانية عشر منطقة واحدة متعددة الأعضاء، وتحديد عدد ممثلي كل منطقة بناءً على الحجم السكاني لتلك المنطقة.ويمثل المشرعون المنتخبون بهذه الطريقة نصف مجلس الشيوخ.إما النصف الأخر فيمكن أن تشغله شريحة واسعة من المجتمع مثل وجهاء العشائر والمناطق والممثلين البارزين للمؤسسات المثقفة(رؤساء للكليات وعمداء الكليات والمحامين ورئيسات الاتحادات النسائية والصحفيين والأطباء والمدرسين والمهندسين والصناعيين والتجار).
وسيحفز إقامة المجال للمؤسسات المثقفة في التمثيل البرلماني ويدعم بروز المجتمع المدني مرة أخرى بحيوية اكبر من اجل الديمقراطية،بينما سيعكس التمثيل العشائري تأريخ العراق وتقاليده.
وطبقا للإجراء البرلماني المتعارف في البلدان الأخرى فلا يحظى مجلس الشيوخ بالسلطة لسن تشريع ما،بيد انه قادر على استعراض التشريع ورده إذا لم يتماشى مع الدستور والنظام الفيدرالي.وقد يحظى مجلس الشيوخ أيضا بدور في المصادقة على التعيينات القضائية والتعديلات على الدستور.وسيدعم منح الوحدات الفيدرالية والمصالح المنظمة مقعدا في الطاولة الديمقراطية،حتى إذا كانت في القاعة مع قوى اقل نفوذا من أجل الحكم اليومي،يدعم الاستمرارية والتشاور الدستوري.

وتبرز أثناء مناقشة الأنظمة الانتخابية والحزبية في العراق مسألة حظر بعض المجموعات التي قوضت الديمقراطية في المنطقة.لا سيما رجال الدين والجيش وحزب البعث من العمل السياسي مطلقا.يمكن لرجال الدين دخول مجلس الشيوخ بصفتهم ممثلين عن مجتمعاتهم(المسلمة والمسيحية) شرط قبولهم الطابع العلماني للدستور.وعموما فقد أدى التهميش الكامل لرجال الدين إلى عواقب وخيمة في الشرق الأوسط.بينما أظهرت تجربة الأساقفة في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة إن بامكان الممثلين الدينيين أن يشكلوا تأثيرا معتدلا.وينبغي السماح لضباط الجيش العراقي الذين لم يقصوا من مناصبهم لتورطهم في جرائم سابقة،للترشيح في الانتخابات في حالة تقاعدهم من الخدمة الفعلية.مع ذلك ينبغي حظر حزب البعث مطلقا لوصمه بمسؤولية رعاية الدكتاتورية تحت حكم صدام حسين.وينبغي إخضاع المسئولين الذي شاركوا في الحياة العامة مستقبلا.أما الآلاف من أعضاء حزب البعث فينبغي السماح لهم بالعودة للحياة السياسية فقط في حالة انضمامهم لأحزاب جديدة.إن مسالة حظر الحزب مسالة مهمة لتجنب الخطأ الذي وقع في بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق،إذ سمحوا للأحزاب الشيوعية الجديدة بالاحتفاظ بأصولهم المصرفية،وبذلك يمكن ضرب المستوى الذي يلعب دورا أساسيا في ظهور نظام حزبي منافس.

إرساء الديمقراطية في الطبقة الوسطى
يجمع المنظرون السياسيون تقريبا إن طبقة متوسطة متطورة بالكامل شيء أساسي لديمقراطية فعالة وحيوية.ولحسن الحظ ما يزال في العراق طبقة متوسطة أساسية ذات تعليم ممتاز رغم(12)عاما من العقوبات القاسية.مع ذلك لم تقدم هذه المجموعة باتجاه إرساء الديمقراطية أو الإصلاح.ويعود هذا في جزء منه إلى إن الطبقة المتوسطة شانها في ذلك شان قطاعات أخرى في المجتمع العراقي دفعها قمع نظام صدام إلى الخضوع والكسل.ولكن هناك أسباب أخرى.
تنص النظرية الديمقراطية على إن الطبقة المتوسطة المستقلة العصامية تبنى الأساس لحياة مدنية ديمقراطية.وتتضح هذه الفكرة إذا ما نظرنا إلى الماضي وبالتحديد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومقارنة تجربة كل من المملكة المتحدة وألمانيا.فقد اندمجت الديمقراطية اندماجا سريعا خلال هذه الفترة بالدولة البريطانية من خلال مجموعة من القوانين البرلمانية التي لم توسع جمهور الناخبين فحسب،بل وضعت أيضا قيودا متزايدة على نفوذ الملكية والطبقة الاستقراطية.وبالمقابل حكمت النخب السياسية والتي يسيطر عليها مبدأ النبالة (الرايخ الثاني في ألمانيا) من خلال نظام استبدادي قوي،أما المستشارون ومجلس وزرائهم فليسوا مسئولين عن الدولة.وتلقى تقدم بريطانيا نحو الديمقراطية دفعة على يد طبقة متوسطة تعمل بالمقاولات ومستقلة استقلالا كبيرا عن الدولة.
أما في ألمانيا فقد كان الاقتصاد وثيق الصلة بالحكومة،والثورة الصناعية في البلاد التي حصلت نتيجة التحالف بين الدولة والنخب التقليدية.لم تكن هناك طبقة متوسطة قوية تتحرك من اجل إعطاء المزيد من الحريات والتمثيل.
والطبقة المتوسطة في العراق اليوم هي أشبه بنظرياتها الألمانية في القرن التاسع عشر منها للبريطانية.وتبقى معظم الطبقات المتوسطة العراقية شانها في ذلك شان العديد من البلدان العربية معتمدا مباشرا على الدولة من خلال التوظيف في الوظائف الإدارية الواسعة والمصانع الحكومية والدوائر العسكرية والأمنية والمقرات البعثية.فضلا عن ذلك تأتي العوائد الحكومية أساسا من مبيعات النفط وليس من أموال الضرائب ويعود الفضل في ذلك لثروة العراق النفطية الكبيرة،وسهل هذا انقياد الطبقة المتوسطة للدولة.
ومن اجل تحفيز قطاع المقاولات ودعم السوق الحر،ينبغي أن يبدأ عراق ما بعد الحرب عملية تحويل الموارد من القطاع العام إلى القطاع الخاص.وينبغي على هذا التحول أن يمتاز بتطور سياسي كبير:تطوير طبقة عصامية ستصبح أكثر اندفاعاً في تعزيز المؤسسات الديمقراطية.كما ينبغي إنشاء نظام ضريبي مناسب تدريجا:حينذاك فقط ستطالب الطبقة المتوسطة بمحاسبة الحكومة.
وتبرز أهمية المساعدة في توجيه الطبقة المتوسطة نحو الديمقراطية في إن الطبقة المتوسطة هي من تملا المراتب أي الوظائف الإدارية.ولا يمثل الموظفون الإداريون المعروفون بولائهم للقواعد القانونية والتدرج الهرمي غالباً عناصر مثالية لدعاية القيم الديمقراطية.مع ذلك تتفاهم هذه العوائق عندما تفسد الوظائف الإدارية وتزداد أكثر من المعتاد كما هو حال العراق.فمن الملح إذن تحسين وضع الموظفين الحكوميين في البلاد حتى لا يقفوا عائقا أمام التطور الديمقراطي.
والوظيفة الإدارية في العراق هي ببساطة مركبة لضمان العمل الكامل،وهي لا تختلف في ذلك عن بقية العالم العربي.وأدى هذا إلى تحالف شرائح اكبر من الطبقة المتوسطة مع الحكومة،وولد إحساسا دائما بالاعتماد والإذعان للدولة ومؤسساتها.
فنحن بحاجة إذن إلى تقليص الحجم المالي من الوظائف الإدارية تقليصا شديدا من اجل تقليص الاعتمادية وتحسين حالة العوز.
كما ستقلص مسالة عدم الكفاءة والفساد إذا ما أصبح التعيين في الخدمة الحكومية مبينا على المؤهلات فقط دون النظر إلى المذهب أو الطائفية أو الانتماء السياسي.إن إحداث مثل هذا التغيير ليس بالمستحيل ولا هو بالصعب للغاية.لقد كانت مناصب المسؤولية الكبيرة في الواقع تمنح في نظام صدام السياسي لموظفين غير كفوءين ولكنهم مخلصين.ولكن أفضلية المؤهلات واقعا هي جزء لا يتجزأ من الضمير العراقي. والمثال الأكثر وضوحا هو امتحان(البكلوريا)العام والذي ظل لعقود يطبق في نهاية الدراسة الإعدادية.إذ عمل هذا الامتحان بطرق عدة كعامل مساواة كبير:فالأطفال ذوي الأسر والموارد البسيطة ممن يحصلون على درجات عالية يحظون بالتعليم المجاني في أفخم كليات البلاد أو يحصلون على زمالات دراسية في الخارج.ورغم الشكاوى عن محاباة الأقارب وتدخل التأثير،فقد كان امتحان البكلوريا أيضا بمثابة المحدد الرئيس للمستقبل الوظيفي للشخص،والقلق الكبير الذي يولده بين كل طلبة الدراسة الإعدادية ووالديهم،الغني والفقير،يؤكد حياديته.وعلى هذا الأساس يمكن إنشاء كلية الإدارة الحكومية على طراز الكلية الفرنسية(ecole Nationale d, Administration)ليس لتدريس العلوم الإدارية فحسب بل أيضا لتدريس الموظفين الحكوميين في قيم وممارسات الديمقراطية.وينبغي زيادة رواتب الموظفين الحكوميين من اجل تقليل الوظائف الإدارية وجعلها أكثر انتقائية.وخلاف الحال في أفغانستان،فان زيادة الرواتب لا تتعدى إمكانيات العراق صاحب ثاني اكبر احتياطي في العالم.
وضع المقاييس، ينبغي من مصلحة جميع الإطراف أن ينتهي سعي الأمريكان في العراق إلى دكتاتور مقبول أو نظام لا يعد بشيء سوى تعاون اكبر مع واشنطن.إن وضع الولايات المتحدة في العالم لا يعتمد على قوتها فحسب،بل أيضا على القيم الديمقراطية التي تعتنقها وتروج لها.لذلك لا يمكن لأمريكا وحلفائها أن تتملص من وضع العراق على المسار الديمقراطي.وإذا ما تحققت الديمقراطية فلن تتراجع المعارضة العربية والدولية على تغيير النظام فحسب،بل إن بناء الديمقراطية في بغداد هو أيضا أفضل السبل للقضاء على تهديد أسلحة التدمير الشامل.إن إعادة بناء النظام السياسي في العراق سيكون محملا بالمصاعب،ولكنه ممكن بالتأكيد.وفي ذات الوقت ينبغي أن يعكس جدول الأعمال العراقي نحو الديمقراطية المزايا الفريدة للمجتمع العراقي.وحال استقرار النظام ستعم فوائده بسرعة على مختلف المجتمعات العراقية،وإذا جاء بالرفاهية الاقتصادية(وهذا أكيد بوجود ثروة البلد) سيحظى نظام ما بعد الحرب بشرعيته بالتأكيد ولكن بالتدريج.لقد أوضحت تجربة أوربا الشرقية التي تنتظر أنظمتها الدكتاتورية الشيوعية السابقة الآن من اجل الانضمام لحلف الناتو والاتحاد الأوربي،إن إرساء المؤسسات السياسية الديمقراطية التي تؤدي مهامها بدقة وتلبي الحاجات الخاصة لمجتمع ما وتحمل مسؤولياتها يمكنها بسرعة نشر التهويد.أي أن غرس العادات الديمقراطية في السكان الذي أصبحوا محصنين جيدا ومرنين.سيحول النظام الديمقراطي الفيدرالي العراقي إلى مثال تقاس عليه الحكومات العربية ويجعله حليفا طبيعيا للغرب وهذه النتيجة ستخدم الجميع..لا سيما الشعب العراقي الذي يستحق بعد طول المعاناة أكثر من ذلك.

ليست هناك تعليقات: